لامبيدوزا.. جنة أحلام مُميتة لتونسيين فقراء

لامبيدوزا.. جنة أحلام مُميتة لتونسيين فقراء

A boat carrying migrants heads for Lampedusa. (Photo: Micniosi/Wikimedia)
A boat carrying migrants heads for Lampedusa. (Photo: Micniosi/Wikimedia)

الكاتب: منية عبد الجواد

قبل ثلاث سنوات، مر احمد السعيدي من هنا تحت جنح الليل، وخلف تلة صغيرة موجودة في مكان ما ضمن ساحل منطقة جرجيس، الممتد على طول ثمانين كيلومترا جنوب شرق تونس، انتظر بصمت إشارة من (الحراق)، ركض بعدها باتجاه مكان كانا قد اتفقا عليه مسبقا، ليجد قاربا صغيرا، ينتظر قربه بالإضافة إلى الربان، خمسة عشر شخص آخر، ينتظرون الصعود في مركب مخصص لعشرة فقط، والوجهة هي لامبيدوزا، اقرب الجزر الايطالية الى تونس.

الخمسة عشر الذين رافقوا احمد الذين كان يبلغ 21 عاما من العمر، لم يعد منهم احد، فيما لاتزال أمه تحاول الحصول على أي معلومة بشأن مصير ولدها الوحيد، من الحراق (المهرب) الذي تقول انه "يتجول بسيارته أمامها ولا يجيب على أي من أسئلتها".

أم احمد، وهي امرأة في العقد الخامس تقول أن ابنها "كان كثير التذمر من صعوبة الحصول على عمل في تونس"، وإنها عرفت قبل ذهابه بفترة انه "يتردد على مقهى يجتمع فيه البحارة بجرجيس"، لكنها تؤكد أنها ظنت انه "قرر العمل في البحر، وليس الذهاب إلى البحر بدون رجعة".

وتضيف أم احمد أن "ابنها استدان 1000 دينار تونسي (نحو 800 دولار)، من خاله، بدون أن يقول له سبب حاجته إلى هذه الأموال"، مضيفة "جاءني عشية احد الأيام، واخبرني انه ذاهب إلى ايطاليا، ظننته يمزح، لكنه كان جادا، وطلب مني الدعاء له، ولم تنجح توسلاتي وبكائي في ثنيه عن الذهاب، وعلمت فيما بعد أن مركبا تحمل خمسة عشر شباب بعمر احمد غرقت على بعد عدة أميال بحرية من الساحل التونسي، لكن الشرطة لم تعثر على جثث".

وتشير المرأة التي يبدو عليها الفقر والمرض إلى أن "سألت فيما بعد عن الحراق الذي اتفق معه ابني وهناك من رآه يسلمه الأموال، ويركب معه في المركب، لكن هذا الرجل ينفي أن يكون مسؤولا عن شيء"، مضيفة "اكتفى بطردي، وسبني وقال أن علي أن اهتم ببيتي وتربية أولادي بدلا من أن أزعجه، وأنا لا املك دليلا، ولا احد يريح قلبي".

أبي.. ليس لي مستقبل هنا ...

"أبي، ليس لي مستقبل هنا"، تلك كانت الكلمات الأخيرة لأيمن نصير وهو يودع والده على الهاتف فيما قارب الموت ينطلق به نحو المجهول من ميناء صفاقس ليتحول بعد ساعات رقماً في قائمة المفقودين في ماعرف بعدها بـ"فاجعة 6 أيلول".

بحرقة وألم يروي الأب بلقاسم نصير، 50 عاما، كيف قرر ابنه الذي انسدت كل السبل أمامه، أن يرحل.

بلقاسم قال "ابني عمره 22 عاما، وكان عاطلا عن العمل، لم أكن أعلم انه ينوي الهجرة وإلا كنت منعته، سمعت الخبر بعد فوات الأوان عندما اتصلت به ووجدته في البحر، وبعد ساعات علمت أنه في عداد المفقودين".

وأضاف والدموع تغمر عينيه "لقد كان ابني يحلم بمستقبل أفضل، لكنه فشل في إيجاد عمل يؤمن له عيشا ميسورا، حلمه انتهى قبل أن يبدأ، ولامبيدوزا لم ترحمه".

 

لامبيدوزا الوجهة المفضلة لـ"الحارقين"

يقول عز الدين بوسليم، وهو قبطان مركب صيد متوسط الحجم، انه كان يرى قوارب المهاجرين غير الشرعيين بشكل شبه يومي كلما خرج إلى البحر، مضيفا أنه "في الأشهر الأخيرة قل عددهم، لكنني لا أزال أرى المراكب بين الفترة والأخرى".

ويبين بوسليم أن "مراكب الحراقة تتجه دوما نحو لامبيدوزا الايطالية، الجزيرة الواقعة على منتصف الطريق بين جرجيس والساحل الايطالي"، مشيرا إلى انه يميز هذه المراكب لـ"كونها قديمة وتتحرك بصعوبة، كما أن الحمل الزائد واضح عليها".

 

وتلفت تقارير رسمية صادرة عن حكومات ومنظمات معنية بالهجرة غير الشرعية أن عدد التونسيين الذين هاجروا إلى لامبيدوزا، الجزيرة الايطالية التي تبعد نحو 60 ميلا بحريا عن السواحل التونسية، بعد ثورة 14 يناير 2011 تجاوز 30 ألف شخص.

وفي عام 2011، وبالتحديد بعد نحو شهر من اندلاع الثورة التونسية، وجهت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نداء استغاثة إلى الدول الأوروبية للمساعدة في مواجهة احتياجات المهاجرين التونسيين غير الشرعيين الذين التجئوا إلى لامبيدوزا، التي جعلها واقع أنها أقرب نقطة ساحلية أوروبية لتونس مقصد اغلب المهاجرين غير الشرعيين من دول المغرب العربي.

وأمام ضخامة أعداد المهاجرين، والذين بدأوا بالوصول إلى ايطاليا منذ اندلاع الأحداث عقب إحراق البوعزيزي نفسه، في 17 ديسمبر (كانون الثاني)، وجدت روما نفسها أمام معضلة إيواء غير مسبوقة.

وفي 8 جويلية (تموز) من العام نفسه زار بابا الفاتيكان فرانسيس الأول جزيرة لامبيدوزا الإيطالية في البحر الأبيض المتوسط ودعا المجتمع إلى التعاطف مع المهاجرين وعدم تجاهل هذه القضية.

وبعد وصوله إلى الجزيرة ألقى البابا إكليلا من الزهور في مياه البحر إحياء لذكرى الأشخاص الذين لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الوصول إلى الجزيرة ودعا "الجميع إلى التعاطف مع المهاجرين والتعامل برحمة معهم"، منددا بـ"اللامبالاة حيالهم وبمن يستغلون وضعهم من أجل جني الأرباح".

وتبين المعطيات أن عدد المهاجرين في الجزيرة يزيد على عدد سكانها الأصليين البالغ 6 آلاف شخص بعدة أضعاف. وحسب معطيات الأمم المتحدة، فقد وصل إلى أراضي إيطاليا ومالطا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2013 أكثر من ثمانية آلاف وأربع مائة مهاجر من ليبيا وتونس والصومال وإثيوبيا واريتريا.

"قوارب الموت " تنهي حياة 5400 شاب

وتكشف دراسة قام بها المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أنّه غادر البلاد ما يقرب من 40 ألف مهاجر سرّي خلال السّنتين الماضيتين، فُقد منهم غرقاً نحو 5400 شاب.

 وتقول نفس الدراسة أن نحو 24 في المائة من المهاجرين هم من الطلاب، بينما تتراوح أعمار 11 في المائة منهم بين 15 و19 سنة، و36 في المائة بين 20 و24 سنة، و37 في المائة بين 25 و 29 سنة، و12 في المائة بين 30 و34 سنة، و2 في المائة تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة.

وتبين الدراسة أن غالبيّة المهاجرين ينتمون إلى الأماكن الأكثر فقرا وتهميشا والأحياء ذات الكثافة السّكانيّة العالية، إضافة إلى مدن سيدي بوزيد والقصرين والقيروان وقفصة.

وتشير الدراسة إلى انخفاض أعداد المهاجرين غير الشرعيين بنسبة 11.5 في المائة خلال العامين الأخيرين هو بسبب ما أسمته "اهتمام السلطات التونسية بإيجاد آليات تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة".

100 ألف دينار تونسي غرامات على "الحارقين"

 يقول المحامي صلاح الدين الشايب أن "القانون شدد العقوبات على الأشخاص الذين انخرطوا في جريمة الهجرة السرية بالسجن لمدد تتراوح ما بين 3 أشهر و20 عاما، وبغرامات مالية تصل إلى نحو 100 ألف دينار تونسي (ما يقارب 83 ألف دولار)".

ويضيف الشايب "أن القانون أعطى المحكمة حق وضع المجرمين قيد المراقبة الإدارية أو منعهم من الإقامة في أماكن محددة إذا كان ذلك يساعدهم في مباشرة جريمة الهجرة غير الشرعية التي أطلق عليها المشرع الاسم الدارج في اللهجة التونسية المحلية، الحرقان".

و في المقابل أعفى القانون بعض الأشخاص الذين انخرطوا في تنظيم عمليات هجرة سرية من أي شكل من العقاب، بشرط قيام هؤلاء الأشخاص بإعلام السلطة بوجود "المخطط الإجرامي"، أو مدها بمعلومات تساهم في إحباط المخطط والقبض على منفذيه.

علماء الاجتماع: الهجرة شبابية ذكورية وقد تؤنث مستقبلا

ويقول أخصائي الاجتماع عبد الستر السحباني أن "الهجرة السرية في تونس لاتزال فردية وليست عائلية أو جماعية، وأنها شبابية إذ تتراوح الأعمار بين 19 و35 عاما"،

ويضيف السحباني أن "الظاهرة ذكورية مع وجود مؤشرات على كونها مرشحة لكي تؤنث في المستقبل.

ويبين السحباني أن "اغلب من يقدمون على الهجرة السرية يتراجع لديهم الشعور بالانتماء إلى حد التمرد، حتى أن بعضهم عندما ينجح في الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية يغير إسمه ويعمل جاهدا على إخفاء انتمائه لوطنه الأصلي".

"حياة الفقر، وانعدام الفرص"، يقول السحباني، "كلها عوامل تؤدي بالشباب التونسي إلى الرضوخ لنداء البحر، والمجازفة بحياتهم.

أثار الهجرة السرية على الاقتصاد التونسي

خبير الاقتصاد صلاح الذهيبي يحذر من "خطورة ظاهرة الهجرة"، التي أكد أنها "ظاهرة خطيرة تعاني منها جلّ البلدان السارية إلى طريق النمو"، عادا أن "أسبابها تكمن أساسا في عدم إمكانية هذه البلدان على توفير مواطن شغل كفيلة بتأمين ظروف عيش ملائمة كما تكمن أسبابها أيضا في بعض الأحيان في أوضاع تتسم بضغوط حكومية وضغوط اجتماعية وعقائدية و تونس لم تكن بمنأى عن هذه الأوضاع".

ويؤكد خبير الاقتصاد أن لهذه الظاهرة "جوانب سلبية على الاقتصاد لأن جزءا هاما من هؤلاء المهاجرين السريين هم في بعض الأحيان نخبة من اليد العاملة المختصة التي قد تفتقر إليها بلدانهم بعد أن سهرت على تكوينهم وصرفت لذلك أموالا طائلة".

الهجرة السرية و صورة تونس دوليا

ويقول المحلل السياسي، وخبير العلاقات الدولية أيمن براهمي، إن "تفاقم ظاهرة الهجرة الغير شرعية يعطي نظرة سلبية على تونس من الناحية الدولية".

ويضيف براهمي "أن ازدياد الهجرة من بلد ما يفسر دوليا على انه عدم قدرة من قبل دولة المهاجرين على توفير الظروف الملائمة لهم، علاوة على عدم قدرتها على تأمين حدودها وضبط منافذ العبور بها".

ويؤكد المحلل السياسي أن "بعض المؤسسات العالمية المختصة تعتمد على عدة معطيات منها زيادة ظاهرة الهجرة بالتقييم السيادي للدول، ما قد يؤدي إلى انخفاض رتبة تونس سياديا اعتمادا على المعطيات والأرقام الرسمية لنسب الهجرة الغير شرعية".

ومع هذا، فان كل هذه المعطيات لاتبدو راسخة في أنظار من ينتظر دوره لركوب مراكب الحراقين، والتوجه نحو مايظنون أنها فرصة أفضل، والتجارب القليلة الناجحة للمهاجرين هي أكثر إثارة للاهتمام والخيال من ألاف التجارب التي فشلت، والتي استقر أصحابها في قاع البحر، أو في معسكرات للاجئين، أو خلف القضبان الأوربية الباردة.

التقرير أعدته الكاتبة على سبيل التدريب خلال دورة تدريبية نفذها معهد صحافة الحرب والسلام في شهر أيلول 2013 في تونس

Tunisia
Frontline Updates
Support local journalists