Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

قلق حيال عدم حل جريمة مقتل صحفي كردي

التحقيقات الجارية في مقتل مدون ساخر، والتي لم تزل بانتظار النتائج، تؤجج القلق عند جماعات حقوق الانسان والعاملين الاعلاميين
By Namo Abdulla
The killing of Sardasht Osman, a student journalist, sparked unprecedented street protests in Iraqi Kurdistan. (Photo: Rafeq Shukri/Metrography)

 

نامو عبدالله (تقرير الازمة العراقية رقم 345، 16 تموز – يوليو 2010)

تواجه السلطات الكردية ضغوطاً متجددة بشأن اظهار التزامها العلني بحرية الصحافة من خلال ضرورة اتخاذها اجراءات بشأن جريمة قتل حدثت مؤخراً وراح ضحيتها طالب صحفي.

وتقول جماعات حقوق الانسان ومنظمات لحماية الاعلاميين، بانها قلقة من عدم وجود تقدم واضح في التحقيق في قضية سردشت عثمان الذي قتل قبل أكثر من شهرين.

كما وقال صحفيون يعملون في وسائل الاعلام الخاصة والمعارضة، بانهم يخشون من ان يمثل عدم حل الجريمة انذاراً لمنتقدي حكومة الاقليم التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.

ومع ذلك دافع مسؤول رفيع في الآسايش، وهو جهاز الامن الكردي، مؤكداً ان اي تحقيق شامل يتطلب صبراً وحذراً.

ويقول الناطق باسم الآسايش، نيروان ئه زي " انها قضية أمنية. ولا نستطيع الكشف عن التقدم الذي يحرزه التحقيق. لابد ان يبقى كل شيء قيد السرية حتى يتم الانتهاء من كافة ملابسات الجريمة".

كما وحذر مسؤولون أكراد بانه من السابق لاوانه ربط الجريمة بالاعتداء على حرية التعبير قبل ان تصبح نتائج التحقيق معروفة.  

فيما تقول جماعات حقوق الانسان وصحفيون، ان الوقت بدأ ينفد من السلطات الكردية لتظهر جديتها في ملاحقة القتلة.

يقول مالكولم سمارت ، مدير برنامج الشرق الاوسط وشمال افريقيا في منظمة العفو الدولية ومقرها لندن " نحن قلقون من عدم وجود تقدم حقيقي في القضية حتى الآن.

واضاف سمارت " يحتاج التحقيق في عملية خطف وقتل عثمان الى المتابعة بكل نشاط وجدية . وسيكون هذا اسلوباً مهماً للسلطات الكردية لان تظهر بانها لن تتهاون مع الاعتداءات على الصحفيين والمدونيين أو آخرين يعبرون عن وجهات نظرهم."

ويقول محمد عبدالدايم، منسق برنامج الشرق الاوسط وشمال افريقيا في لجنة حماية الصحفيين، سي بي جي، وهي منظمة لحماية الصحفيين ومقرها في نيويورك، بان عدم وجود الشفافية في سير التحقيق يبعث على القلق.

" لسنا متأكدين من وجود تطور فعلي من وراء اعلان الحكومة عن نيتها اجراء تحقيق في الجريمة" قال عبدالدايم.

واضاف " ربما تحاول الحكومة ابقاء التحقيق في الواجهة، او ربما تدعه يضعف ويبهت في اعين العامة ، وحتى الآن ليس لدينا الكثير يدفعنا الى الشعور بالتفاؤل".

 

التعهد باجراء تحقيق

وقد اختطف سردشت الذي كان طالباً في قسم اللغة  الانكليزية ويبلغ من العمر 23 عاما، في صباح الـ 4 من شهر ايار من أمام مدخل الجامعة التي كان يدرس فيها في اربيل، عاصمة اقليم كردستان العراق.

وعثر على جثته بعد يوم واحد في مدينة الموصل التي يعصف بها العنف، والواقعة على بعد ساعة غربي اربيل، خارج حدود  كردستان الرسمية.

وادى مقتله الى موجة من مظاهرات شعبية اعتبرت الاولى من نوعها في منطقة الاقليم الذي يتمتع عادة بالهدؤ والاستقرار. وعبرت وسائل الاعلام المعارضة والمستقلة عن ادانتها للجريمة، وصورت عثمان كضحية لحملة ضد حرية التعبير.

وتساءل الكثيرون عن كيفية نقل الصحفي المختطف من اربيل الى مدينة  الموصل دون علم القوى الامنية. وتعتبر الاجراءات الامنية في غاية التشدد على الطريق الذي يربط بين المدينتين، وذلك بوجود عدة نقاط سيطرة وتفتيش تراقب مرور العجلات في منطقة تخضع لسيطرة الاكراد الى حد كبير.

ويعتقد منتقدو الحكومة بان عثمان قد قتل بسبب مقالاته النقدية اللاذعة التي اشارت الى  حياة الترف والبذخ التي يعيشها الساسة الكرد وعوائلهم.

وتعتبر هذه الموضوعات من الامور المثيرة للجدل والخلاف بشكل عميق في كردستان، وهي منطقة محافظة تحكمها طبقة تنتمي الى عشائر لازالت تحظى بالاحترام، لقيادتها وعلى مدى عقود، الكفاح المسلح ضد الحكومات المركزية في بغداد.

وفي مقابلة أجرها معهد صحافة الحرب والسلام في شهر أيار، رفض متحدث باسم مسرور البارزاني، المسؤول الامني الارفع في كردستان، المزاعم التي تربط الاجهزة الامنية بمقتل عثمان.

كما واتهم المتحدث المعارضين للحكومة باستغلال جريمة القتل لتحقيق غايات سياسية. حيث قال بانه من المبكر لاوانه التكهن في دوافع الجريمة، او ربطها بحرية الصحافة في حين ان التحقيقات الرسمية لازالت جارية.

واعنت الحكومة عن التحقيق في مقتل عثمان بعد أسبوع من وفاته . اذ جاء في بيان صحفي حكومي بان التحقيق سيكون الاول من نوعه من حيث نطاق عمله، وبدعم من وحدات مكافحة الارهاب، وتشرف عليه وزارة الداخلية.

وقال دبلوماسيون اجانب في كردستان، ومن ضمنهم ممثلي حكومة الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي، بانهم يأملون في ان يكون التحقيق سريعاً وشاملاً. وكررت البيانات التي أصدرتها بعثاتهم عن دعمها لحرية التعبير في الاقليم.

 

الدعوة الى التحلي بالصبر

لم يتم اعتقال اي شخص حتى الآن على خلفية القضية، وذلك بالرغم من مرور أكثر من 9 اسابيع على الجريمة. وتم الكشف عن القليل من تفاصيل اعمال التحقيق، وسيظل اعضاء الهيئة التي تترأس التحقيق غير معروفين.

وتقول الجماعات الناشطة في مجال الحقوق، بانها قلقة من عدم وجود تطور في مجريات التحقيق.

وقد ابلغ عبد الدايم، وهو من لجنة حماية الصحفيين، معهد صحافة الحرب والسلام بانه " قلق جداً من عدم الكشف عن اي شيء منذ اعلان الحكومة نيتها التحقيق في الجريمة".

ومشيراً الى سجل السلطات الكردية القوي في حل الجرائم، اضاف عبدالدايم بانه يعتقد بان السير البطيء في عملية التحقيق في قضية مقتل عثمان " له علاقة باسباب اخرى غير الافتقار الى القدرات التقنية"

ويقول سمارت من منظمة العفو الدولية ، بان اللجنة التي تتولى التحقيق لا ترق الى المعايير الدولية التي تطالب باجراء تحقيقات مستقلة في مزاعم بحصول انتهاكات خطيرة في مجال حقوق الانسان.

واوضح سمارت " من الجلي، لا يمكن اعتبار اي تحقيق يجريه ممثلون عن الاجهزة الامنية الحكومية مستقلاً".

ودافع ئه زي، المتحدث باسم الآسايش، عن التحقيق قائلاً بانه لم يواجه اي عوائق غير اعتيادية.

"ليست هناك من صعوبات ... ومثل هذه التحقيقات يتطلب وقتاً". قال ئه زي، مضيفاً بان الجدول الزمني للتحقيقات "غير محدد".  

وتابع بقوله ان تشكيلة لجنة التحقيق تفي بالغرض "لايمكن تشكيل لجنة تحقيق بناء على مجرد رغبة، فهي تحتاج الى اناس محترفين".

كما واستبعد السماح بانضمام مراقبين دوليين الى اللجنة، لكنه رحب بمراقبتهم لمجريات التحقيق. وانتقد ئه زي الصحفيين الذين كانوا قد زعموا بان لجنة التحقيق متحيزة، قائلاً " ان هؤلاء يخلقون جواً من عدم الثقة بين الشعب والاجهزة الامنية".

وقد ابلغ مسؤول أمني كردي طلب عدم الكشف عن هويته، معهد صحافة الحرب والسلام ، بان جميع أعضاء اللجنة مقربين  من الحزب الديمقراطي الكردستاني، أحد الشريكين الرئيسين في حكومة اقليم كردستان.

وسعى المعهد ايضاً للحصول على تعليق من وزارة الداخلية في اقليم كردستان، ومن رئيس وزرائها، ومن المسؤوليين الامنيين البارزين حول التحقيق، لكن لم يتم الاستجابة لأي من هذه الطلبات.

 

الدفاع عن حرية التعبير

وقد تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة الى عملية التحقيق من قبل اهالي الضحية والعاملين في أجهزة اعلامية معارضة للحكومة.

ويقول بكر عثمان شقيق سردشت " اننا فعلاً نخشى من عدم فعل اي شيء بخصوص القضية حتى الآن" واضاف " وهذا ما جعلنا نطرح ألف سؤال حول اية لجنة هذه التي لا تستطيع ان تعثر على اي شيء خلال 40 يوماً".

ويقول الصحفي هلكورد صمد، الذي يعمل  في مجلة "لفين" التي غالباً ما تنتقد السلطات، بان لجنة التحقيق قد شكلت لمجرد "تهدئة الناس الغاضبين".

واضاف ان جريمة القتل بعثت الرعب في نفوس الصحفيين الذين ينتقدون الحكومة "يقول أقربائي بانني سألقي نفس مصير عثمان ان لم اترك عملي الصحفي".

ويقول الصحفي برهان قادر، الذي يعمل مع صحيفة "هاولاتي"  وهي صحيفة مملوكة من القطاع الخاص ، وغالباً ما تنتقد الحكومة ايضاً، بانه ترك عمله بعد حادثة القتل بسبب الضغط الذي مورس عليه من قبل عائلته.

ويقول قادر " ليس هناك من يحميني. انا بمفردي... ولم يكتب عثمان بقدر ما كتبت انا من مقالات انتقادية . اذن لماذا لا أخاف على حياتي؟"

ومع ذلك يقول الصحفي كريم قادر من جريدة "خه بات" المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، بانه ليس هناك من مؤشر يدل على ان عثمان قد قتل بسبب كتاباته. " لم يكن صحفياً بل طالباً جامعياً" .

واضاف انه يعتقد بان الصحافة الكردية تحظى الى حد ما بالحرية " هناك كل انواع الجرائد والمجلات في الاقليم، وهي تنتج من الكتابات ماتشاء، وبضمنها التشهير".

وتابع  قادر بانه مازال ينبغي العثور على  قتلة عثمان، ولكنه يشعر بانه لايجب التعجيل في عملية التحقيق " كلما استغرقت وقتاً اكثر كلما كانت النتائج أكثر دقة".

كما استبعد ئه زي المخاوف من ان مقتل عثمان سيكون له تاثير على حرية الصحافة في الاقليم.

"قبل كل شيء علينا الكشف ما اذ كان موته له اية علاقة بالصحافة او لا. وعلينا ان نسأل ما اذا كان موته أسكت الصحافة في كردستان، او اذا ما كان له تأثيرات معاكسة" قال ئه زي.

وعلى الرغم من ان العنف ضد الصحفيين كان من أحد المعالم البارزة للصراع في العراق، إلا ان معظم هذه الهجمات وقعت خارج حدود أقليم كردستان المستقر نسبياً.

لكن ومع ذلك، تقول الجماعات الناشطة في مجال حماية الحقوق، بان نسبة التهديدات والهجمات ضد العاملين في حقل الاعلام في كردستان قد تزايدت في الآونة الاخيرة ، الشيء الذي يشكل تحدياً للنزعة الموجودة في بقية انحاء البلاد، والتي غدت أكثر آمناً نوعاً ما للصحفيين.

ويقول مريوان حمه سعيد، مدير مركز مترو للدفاع عن الصحفيين، وهي جماعة تعني بحقوق الاعلاميين ومقرها في الاقليم "بغض النظر عن الدوافع التي تكمن وراء مقتل عثمان، فانا اعتقد بان لمقتله تاثيرات مخيفة على الصحفيين في الاقليم."

واضاف سعيد " سيتردد المراسلون كثيرا قبل نشرهم مقالات تتناول قضايا حساسة".

وقد عمل مركز مترو، وهو أحد برامج معهد صحافة الحرب والسلام في العراق، مع عائلة عثمان كممثل لها، وهو يدعم ويطالب بتطبيق العدالة في قضيته. والمركز مستقل عن الاشتغال الاعلامي للمعهد، وليس له أي تاثير على سياسته التحريرية.

ويقول عدد من الصحفيين في الاقليم بانهم يريدون من الحكومات الاجنبية ان تركز اهتمامها بصورة أكبر على مسألة التحقيق في مقتل عثمان من اجل ضمان القيام بعملها بشكل أفضل.

ولم يدل مبعوثا الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي باي تعليق رسمي منذ اصدارهما بيانين أوليين مباشرة بعد جريمة القتل في شهر ايار الفائت، حيث حث بيانهما السلطات الكردية على اتخاذ خطوات عاجلة بشأن القضية.

وانكر دبلوماسي امريكي في اربيل، والذي وافق على التحدث الى معهد صحافة الحرب والسلام شريطة عدم الادلاء باسمه، ان القضية قد طمرت تحت السجادة.

وقال " لا تخلط الصمت مع السكون".

نامو عبدالله، صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام من اربيل. وساهم نيل آرون، محرر في قسم تقارير الازمة العراقية في المعهد في كتابة هذا التقرير.