Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

نساء اربيل وطموحهن في قيادة السيارات

الرخاء الاقتصادي يؤدي الى رؤية المزيد من النساء بسيارتهن في شوارع مدينة كردستانية عراقية، الشيء الذي يشكل تحدياً لأدوار الجنسين.
By Mofaq Mohammed
Women drivers are challenging traditions in the Iraqi Kurdish capital, Erbil. (Photo: Rafiq Shukri/ Metrography)

موفق محمد ( تقرير الازمة العراقية رقم. 349، 12 آب –أغسطس 2010)

بالنسبة لوفاء سردار، كان اسبوعان من التعليم كافيين لضمان الحصول على اجازة قيادة السيارات، لكنهما لم يكونا كافيين لجعلها تتغلب على خوفها عند ركنها لسيارتها او الانطلاق بها.

وخلال شهرها الاول خلف مقود السيارة، كانت سردار، الطالبة الجامعية والتي تبلغ من العمر 23 عاماً، تعود بالسيارة فقط لغاية مدخل المنزل، وبعدها تعطي المفاتيح الى واحد من أخوتها، والذي سيناور بالسيارة لركنها في المكان المخصص.

"كنت أشعر بالاحراج كل يوم" قالت وفاء.

لكن وبعد مرور سنتين، تعتبر سردار الآن واحدة من نوع جديد من النساء السائقات الواثقات بانفسهن اللواتي يطفن بسيارتهن، بقليل من الصبر، على طول الطرق السريعة في اربيل.

فسردار توقف وتركن سيارتها بكل سهولة، والازدحام الشديد الذي كانت تعتبره فيما مضى مصدر خوف لها، اصبح الآن مجرد مصدر للاحباط. وهي تبالغ في السياقة قدر ما تستطيع كتعويض عن شعورها بالخوف الذي كان ينتابها في البداية.

" لقد أصبح هوساً. فانا مثل جاكي شان الحقيقي داخل السيارة"، تقول سردار ذلك مشيرة بذلك الى ممثل اللقطات الخطيرة جاكي شان من هونك كونك ، وصاحب أفلام الأكشن التي تعتبر ذات شعبية كبيرة في المنطقة.

ولعقود عديدة خلت، كان من النادر رؤية نساء سائقات في مدينة اربيل، أما اليوم، فهن باديات للعيان كنتاج مفاجئ  للنمو الاقتصادي الهائل ، وأيضاً كعلامات خفية على التغييرات في المجتمع الذكوري.

وخلال السنوات الخمس الماضية تضاعف تقريباً عدد النساء اللواتي حصلن على اجازات السياقة في محافظة اربيل. ومن بين حوالي 10 الاف اجازة سياقة تم منحها في 2005، كان من بينها حوالي 2000 اجازة للنساء.

وخلال هذه السنة أصدرت اربيل حتى الآن تقريباً 4000 اجازة للنساء.

ويبقى العدد الاجمالي للنساء السائقات في المحافظة متدنياً، والذي يشكل 5 بالمئة فقط من مجموع ما يقارب 340 الف سائق. ولكن في العاصمة اربيل حيث يسكن مليون نسمة، والتي تصدر فيها أغلبية اجازات السياقة، فان هذا التغيير كان ملفتاً للانظار.

وتظل مرآب السيارات والاسواق والارصفة في اربيل تمتاز ببيئتها الذكورية الى حد كبير، الشيء الذي يجعلها منسجماً مع القيم الابوية المحافظة للمجتمع الكردي العراقي.

ولا يخفي مشجعوا الحداثة دهشتهم عند رؤيتهم النساء السائقات وهن يقطعن الطرقات، ويقطعن أيضاً في الوقت ذاته الادوار الاجتماعية للجنسين. ويتأوه سائقوا سيارات الاجرة منهن حين يعرقلن حركة السير.

"لا يعرفن كيف يقودن السيارات" يقول سائق سيارة الاجرة، هيوا نجم من اربيل. " انهن ينظرن الى الامام فقط. لا أعرف كيف يحصلن على اجازات السياقة".

واضاف بان سيارة ما صدمت سيارته الاجرة قبل ثلاثة ايام " كنت متأكداً، حتى قبل ان اترجل من السيارة، بانها امراة (التي صدمتني). كان خطئها."

ويصر آرام أمين، وهو مدير مدرسة لتعليم السياقة في اربيل، بان النساء السائقات يعتبرن ،غريزياً،  أكثر حذراً، مضيفاً بان "الرجال غير أباليين، النساء يتبعن التعليمات. وهذا يعود الى طبيعة مجتمعات الشرق الاوسط، وخوف النساء من العقاب".

وتؤكد كونده محمد، الموظفة المدنية والتي تقود السيارة منذ اربع سنوات، بانها تواجه مضايقات من سائقين ذكور. " وبيبدو ان الشباب هم الاسوء بين هؤلاء" قالت كوندا. واضافت، بانها تستمتع بقياداة سيارتها بالرغم من المضايقات.

ويعتقد سكان اربيل بان بروز ظاهرة نساء سائقات يعود الى الانتعاش الاقتصادي المتزايد. وبينما كان معظم الاجزاء الاخرى من العراق يعيش حالة حرب خلال العقد المنصرم، كانت اربيل تعيش حالة ازدهار اقتصادي.

وقد جذبت الحالة الامنية المستقرة نسبياً في كردستان، وايضاً اغراءات الاحتياط المعدني غير المستخرج، الاستثمار الاجنبي الى المنطقة. وقد امتدت عاصمة الاقليم باتجاه خارج المدينة لتضم مراكز التسوق الضخمة، والفنادق، والتطورات الاسكانية، وكل هذا مرتبط ببعضها البعض عبر طرق سريعة ضخمة ذات خطين للسير. لكن ومع بقاء قطاع النقل غير نظامياً، تحولت السيارات الى بديلاً جذاباً للذين بامكانهم شرائها. 

"اشتريت سيارة لابنتي الكبرى قبل سنة لاجنبها عناء الوقوف  في الازدحام انتظاراً للحافلات او سيارات الاجرة" قال محمد امين وهو رجل اعمال من اربيل. " كنت قلقاً في البداية ولكنني غيرت رأيي عندما رأيت بانها سائقة جيدة".

"بالاضافة الى ذلك، اعرف بان الحالة الامنية مستقرة هنا. ولا توجد مشكلة في قيادة النساء للسيارات" يقول أمين، موضحاً بان امتلاك ابنته للسيارة لا يخولها البقاء خارج المنزل الى وقت متأخر دون ابلاغ والديها أولا.

وينتمي  الكثير من جيل السائقات الجدد الى الطبقتين الوسطى والعليا، اذ  يستلمون سيارتهم كهدايا عند دخولهم الكلية او عند بدء وظيفة جديدة.

وغالبا ما يننظر الابوان الى السيارة باعتبارها وسيلة لحماية خصوصية اولادهم، والسماح لهم بحرية اكبر للحركة. فيما ينظر الابناء الى السيارة كرمز للوضع الاجتماعي.

وتقول سردار، الطالبة الجامعية " اذا لم يكن الامر يتعلق بالمنافسة الاجتماعية، لم أكن لاشتري سيارة".

بينما تقول طالبة اخرى، شيرين كريم، بان سيارتها الجديدة هي "ضرورة" كما وانها وسيلة للتواصل مع صديقاتها.

وترى بفرين سلطان، طالبة التعليم، بان قرار والديها اعطائها سيارة يدل على تحول ثقافي " ان معظم الآباء والامهات بدأوا يفكرون بطريقة أكثر تحضراً" تقول بفرين. " لي مطلق الحرية في الخروج ومقابلة صديقاتي حيثما اريد".

لكن على عكس أقرانهم في الغرب، لا ينظر شباب اربيل الى سياراتهم كفرصة لتبادل الحب. حيث لا يحبذ المجتمع الكردي المواعدة بين العشاق. كما ان القليل من الشباب غير المتزوجين مستعدين للمخاطرة بفضيحة رؤيتهم مع فرد من الجنس الآخر علناً.

وترمز السيارة  بالنسبة لكثير من النساء الكرديات الى الرفاهية والرخاء، بدلا من الحرية. فامتلاك السيارة، والذي يمثل بحد ذاته انعكاساً للازدهار الاقتصادي، اعطى النسوة وعوائلهن فرصة ليصبحن أكثر ثراءا، وذلك من خلال جعل ممارستهن لعدة وظائف أكثر سهولة.

"لدي عملان، واحد في القطاع العام والآخر في القطاع الخاص" تقول شيماء مولود. " كان لابد لي من امتلاك سيارة لكي اكون قادرة على التحرك في المدينة. كنت أخسر عندما كنت استخدم سيارات الاجرة يومياً".

موفق محمد صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام - اربيل.