Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مناهج كفرنبل التربوية صورة عن تعدد السلطات

الكاتب: هاديا منصور
By Hadia Mansour
A woman teaches children drawing in the Saif al-Dawla neighbourhood of Aleppo. (Photo: Baraa al-Halabi)

تنطلق سارة (15عاماً) كل صباح إلى معهد التميزالعلمي الشرعي في كفرنبل، وهو يتبع لجبهة النصرة حيث تتلقى دروس الشرع وبعض الدروس العلمية. تعود الى المنزل ظهراً، لتنطلق بعد جزء من الساعة الى مدرسة هيثم البيوش للتعليم الأساسي، حيث تدرس الصف التاسع بمنهاجه الكامل التابع للنظام السوري. أما الامتحان فهي قدمت أوراقها الثبوتية لتقديمه في إحدى المدارس التابعة للائتلاف السوري المعارض.

حال سارة هو حال معظم طلاب سوريا اليوم، ضائعون ما بين مدارس النظام ومدارس الائتلاف ومعاهد الجبهة الاسلامية. تعددت في مدينة كفرنبل المدارس التابعة لجهات عدة، وفقا للفئات الحاكمة المختلفة، وانقسم طلابها بين مؤيد لطرف ومعارض لطرف آخر .

تقول سارة “أتعلم في معهد التميز العلمي الشرعي أحكام الشريعة الإسلامية، إضافة لبعض المواد العلمية كالرياضيات واللغة العربية، كوسيلة لاكتساب المعارف المتنوعة. لا سيما وأن هناك مسابقات وهدايا ورحلات مجانية إلى المناطق الأثرية القريبة، وهذا ما شدني للمعهد”. وتؤكد سارة أنها تسعى للتوفيق بين المدرسة والمعهد.

الشيخ فضل سميح العكل (32عاما) مدير معهد التميز العلمي الشرعي يشير إلى أن المعهد افتتح أبوابه في العام الدراسي 2014/2015، أي “بعد تحرير مدينة كفرنبل والمناطق المحيطة بها من سيطرة النظام الاسدي. ونحن نعلّم فيه أحكام الشريعة الإسلامية، وبعض الموادالعلمية الرئيسية لطالبات الصف التاسع والثالث الثانوي”.

ويضيف الشيخ العكل “الحمد لله الإقبال جيد، والكادر التعليمي يعيّن وفق الشهادات الجامعية المطلوبة وهي: الشريعة، أدب عربي، رياضيات. وقد بلغ عدد المعلمات العاملات فيه خمسة عشرة معلمة “.

أما بالنسبة للذكور فهناك دورات شرعية مخصصة لهم في المساجد، لحفظ القرآن الكريم، وتعلّم الأحاديث النبوية الشريفة، وأحكام الفقه والعقيدة. كما أنهم وبحسب الشيخ العكل يخضعون لامتحانات في نهاية هذه الدورات ويتم بناء عليها إعطاء شهادات ومبالغ نقدية للناجحين. مدة الدورة من شهرين لثلاثة أشهر، وينتسب لهذه الدورات في كل مرة عدد جديد من الطلاب.

وحول الهدف من هذه الدورات يقول الشيخ عامر الأحمد (63عاما)مدير مكتب الارشاد والدعوة “منهاج النظام كان يخدم السلطة الحاكمة، ويعمل على تلميع صورة ولي الأمر. والقائمون عليه سابقا كانوا يملكون فكراً خاطئاً. أمّا التعليم الآن فهو لا يخدم شخصاً ما، وإنما يهدف للعودة للتعليم الشرعي الصافي”. ويعد الشيخ الأحمد أنه، بعد تحرير هذا الشعب وهذه المناطق من النظام، لا بد من طرح أسس وبناء جديد، يفلتر به كل الأفكار التي تخدم النظام، أو الأفكار الخاطئة، ووضع منهاج سليم يعتمد المصادر الأساسية الصحيحة، دون أن يكون المنهاج مسيّس إلى أية جهة كانت. ومن أجل النهوض بالأمّة من جديد كان لا بد من العودة للأصل لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلّم، لبناء الجيل بناء إسلامياً صحيحاً”.

وحول المنهاج المعتمد حالياً، يوضح الشيخ الأحمد أنهم في بداية الأمر تصفحوا عدة مناهج، إلى أن اختاروا منهاجاً معتمدا في المملكة العربية السعودية، هذا المنهاج هو الفكر الوسطي البعيد عن الغلو، والبعيد عن الإفراط والميل نحو البدع، فتم تقرير هذا المنهاج وتطويره كناحية مبدئية.

ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذا المنهاج اعتباراً من العام الدراسي المقبل 2015/2016. ويبدأ فيه الطالب من مرحلة الصف السابع إلى الثالث الثانوي. وسيكون لهذا المنهاج مستقبل لاسيما وأنه يحظى بالاعتراف من قبل الجامعة العربية، باعتباره منهاج دولة قائمة وهي المملكة العربية السعودية.

أبو عبد الرحمن (45عاماً) أحد أعضاء المجلس المحلي في كفرنبل يقول “نحن نثق بما تدرّسه الجبهة، نحن مسلمون ونحتاج لمن يساعد في نشر الإسلام والفكر الصحيح للإسلام، بعيداً عن البدع والتزييف”.

من ناحية أخرى كان للائتلاف السوري المعارض بصمته هو الآخر على المناطق المحررة، ففتتح منذ العام 2013 عدة مدارس، ومنها مدرسة الحرية في كفرنبل، ومدرسة نماء أو مدرسة الرعاية الإنسانية، وذلك في قرية حاس القريبة من مدينة كفرنبل. وغيرها في المناطق الأخرى.

مدير مدرسة الحرية الاستاذ مصطفى (59عاما) يتحدث عن التعليم والمنهاج في هذه المدارس، ويقول “يتم تدريس جميع المواد العلمية التي كانت معتمدة سابقاً في مدارس النظام، ما عدا مادة التربية القومية، نظراً لتعلق هذه المادة بالنظام وبحزب البعث الحاكم في دمشق إلى حد كبير، وبطولاته الزائفة، لذلك ألغيت”. ويؤكد الاستاذ مصطفى أنه سيتم  اعتماد منهاج اجتماعي جديد يتحدث عن الثورة السورية، أهدافها، تضحياتها، وإنجازاتها”.

 

ويشير مدير مدرسة الحرية  إلى حجم الإقبال المتزايد على مدارس الائتلاف، قائلاً  “معظم الطلاب سيقدمون امتحاناتهم فيها، سواء الشهادة الإعدادية او الثانوية، خاصة بعد أن أصبح الذهاب لمناطق النظام لتقديم الامتحانات أمراً في غاية الخطورة والمجازفة”. موضحا أن معظم الطلاب الذين يقصدون مناطق النظام لتقديم الامتحانات يتعرضون للاعتقال أو التعذيب، وبعض الأحيان للقتل. ويعتقد مصطفى أن جميع المدارس في كفرنبل قد تصبح تابعة للائتلاف، خاصة بعد تحرير مدينة أدلب المحافظة وتوقف رواتب الاساتذة والكوادر التعليمية.

الاستاذ علاء القدور(45عاماً) أحد المدرّسين في مدرسة الحرية يقول “نحن المعلمون لم نعد نستطيع أيضا الذهاب لمناطق النظام لاستلام رواتبنا، لوجود

حواجز كثيرة للجيش النظامي على الطريق. في المحافظة يطلبون منا مراجعة فروع الأمن وغيرها من الإجراءات، وبالتالي هذا يعرضنا إمكانية الاعتقال أو القتل، لاسيما وقد حدث شئ من هذا مع زملاء كثر لنا، مما اضطر معظم المعلمين الى ترك وظائفهم والبحث عن بديل. فكان البديل بمدارس الائتلاف والانتساب إليها للتدريس”.  وعن الكادر التعليمي يقول القدور”هم أساتذة تم فصلهم من قبل النظام، أو خريجين من الجامعات لم يحظوا بفرصة عمل فتم تعيينهم في هذه المدارس”.

أسامة العلوش (17عاماً) أحد طلاب مدرسة الحرية في الصف العاشر (الأول الثانوي) يقول “طبيعي نحن الطلاب الذين حصلنا على الشهادة الاعدادية من الائتلاف أن نتابع دراستنا في هذه المدارس، لأن مدارس النظام لا تعترف إلا بالطلاب الحاصلين على شهادتها”. ويبدي أسامة تخوفه من ألا يكون لمدارس الائتلاف مستقبل، للدخول إلى جامعات معترف بها داخلياً وخارجياً.

من جهتها، فاتن الأسود (35عاما) الأستاذة المجازة في الإرشاد النفسي تقول “تركت الأوضاع السورية الراهنة بصماتها السلبية على نفسية الطلاب، فمال معظمهم لترك الدراسة لتعدد المناهج، وانعدام الأمن والخوف من أن تضيع دراستهم سدى في النهاية”. تصمت الأستاذة فاتن قليلا ثم تضيف متنهدة “إن لم تستقر الأمور السياسية والعسكرية، فهناك كارثة ستحل بالمجال التعليمي والمستوى الثقافي للأجيال القادمة”.

في إحصاء للعام 2015 لعدد المدارس المختلفة في كفرنبل، تبين وجود أربعة معاهد للتعليم الشرعي التابع لجبهة النصرة، وعدد الطلاب الذين يتلقون التعليم فيها بلغ أكثر من 500 طالب وطالبة على مستوى مدينة كفرنبل، بينما بلغ عدد مدارس الائتلاف ثلاث مدارس وعدد الطلاب فيها تجاوز 850 طالباً وطالبة. وهذا العدد قابل للزيادة في الأيام القادمة، خاصة بعد زيادة المناطق المحررة في المنطقة.

ويقول أسامة تلميذ الصف العاشر “هذه الحرب دمّرت مدارسنا، ولكنها لن تدمّر إرادتنا، وسنستمر بتلقي العلم من هنا وهناك، وفي النهاية لا بد أن تفرج هذه الازمة. على قول الشاعر أبو القاسم الشابي :اذا الشعب يوما اراد الحياة،  فلا بد أن يستجيب القدر”.