Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مناشدة حكومة بغداد معالجة أزمة المياه

100 الف عراقي يهجرون منازلهم منذ عام 2005 بسبب شحة المياه، بحسب تقرير للامم المتحدة
By Saleem al-Hasani, Basim al-Shara

سليم الحسني وباسم الشرع- العراق (تقرير الازمة العراقية رقم. 399، 4- حزيران-2010)

ناشد عراقيون حكومتهم المقبلة بذل جهود أكبر لحل مشكلة المياه المستعصية، وذلك في وقت يقول فيه الخبراء بان الماء سيصبح أكثر أهمية من النفط في مجال تطور البلاد على المستوى البعيد.

ومع ان الامطار التي هطلت مؤخراً منحت الناس بعض الشعور بالراحة بسبب الجفاف الذي ضرب البلاد، إلا ان المشكلة التاريخية لشحة المياه أرغمت عشرات الآلاف من سكنة الضواحي والقرى على هجر منازلهم. وبحسب تقديرات الحكومة، فان ما يقرب من مليوني انسان يواجهون نقصاً حاداً في مياه الشرب، كما ويحصلون على ساعات محدودة جداً من الطاقة الكهربائية بسبب نقص في القوة الكهرومائية.

وفي الوقت ذاته أخذت حدة التوتر الدبلوماسي بالتصاعد في الآونة الاخيرة، حيث يبدو ان دول منابع الانهار كتركيا وسوريا وايران، لم تف بوعودها بالسماح بتدفق المزيد من المياه الى داخل العراق. وقد شجب وزير الخارجية هوشيار زيباري هذا الاسبوع خطة سوريا بتحويل مياه دجلة لري حوالي 200 الف دونم من اراضيها الزراعية ، على انها خطة مضرة بحصة العراق المائية في المستقبل.

ووصف وزير الكهرباء، كريم وحيد الخطوة السورية بـ "الصدمة"  التي ستسبب "الاحراج" لوزارته، وتقوض من التزاماتها بالطاقة الكهرومائية. وقد دان الوزيران الخطة السورية باعتبارها انتهاكاً للاتفاقيات الدولية الحاصة بحقوق دول المصب المائية.

ويقول الدكتور عون ذياب العجيلي، مدير المركز الوطني لادارة الموارد المائية في وزارة الموارد المائية " ستواجه الحكومة الجديدة تحديات بخصوص مسألة المياه، وليس هناك من خيار سوى مواجهتها. أنني ادرك بان العراق يواجه العديد من المشاكل، ولكن لا يمكن اهمال هذه المسألة. ولايهم ما الذي ستركز عليه الحكومة القادمة، فان هذه المشكلة ستفرض نفسها".

واضاف " اول خطوة يجب اتخاذها هي التوصل الى اتفاق مع تركيا بالاضافة الى ايران وسوريا، بهدف دخول كميات ثابتة وجيدة من المياه الى العراق يومياً. لان الوضع الراهن يتمثل في دخول كميات جيدة من المياه في يوم ما، وقليلة في اليوم التالي. ويتم تحقيق هذه الخطوة عبر عقد اتفاق بين البلدين وليس بين وزيري الموارد المائية. ويعتمد هذا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين".

وقال مسؤولون عراقيون في الماضي بان الاهتمامات الامنية حالت دون تطوير سياسة مائية مستقبلية. ومع الاستقرار الامني النسبي الذي شهده العراق خلال الفترة القليلة الماضية، يدعو الخبراء في الوقت الحاضر الى وضع خطة لمعالجة المشكلات المائية التي تعاني منها البلاد، بدءاً من ازالة الملوحة من أهوار الجنوب الى الانقراض الوشيك لانظمة الري التقليدية والمعروفة بـ "كاريز" في الشمال.

وورد تقريرلمنظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة، بان 100 ألف عراقي غادروا مناطقهم الاصلية منذ عام 2005 بسبب شحة المياه. 

ويشير تقرير آخر للامم المتحدة،ان مستوى المياه في نهري دجلة والفرات، وهما المصدران الرئيسيان للمياه في العراق، قد أنخفض بنسبة أكثر من الثلثين. وحذر التقرير من جفاف كامل بحلول 2040.

ويقول التقرير "وفقاً للمعدل الحالي، فان مخزونات العراق المائية ستنخفض بنحو 43 مليار متر مكلعب بحلول عام 2015، اي أقل بكثير من 77 مليار متر مكعب، النسبة التي ستحتاجها البلاد لتفادي كارثة انسانية واسعة النطاق".

وبحسب البحث الذي أجرته الامم المتحدة فان "أساليب الري غير الفعالة وعدم وجود تنسيق حكومي وضعف القدرة على تنظيم الموارد المائية، هي التي أدت مجتمعة الى الشحة الحالية للمياه... وبعد سنوات من الاهمال خلال النظام السابق، لازالت الادارات المائية العراقية تعاني نقصاً في الامكانيات الفنية الكافية والمعرفة  لمعالجة الازمات المائية المتفاقمة. كما ان التضييق على الميزانية المخصصة لمجال الموارد المائية شل من قدرة الحكومة في تطبيق خطة بعيدة المدى للادارة المائية".

وتعتبر المشاكل الاجتماعية المرتبطة بأزمة المياه أمرا شائعاً في العراق، حيث يشكو صيادو الاسماك في الجنوب من تراجع صيدهم. وفي المجال الزراعي، أدى نقص المياه الى تراجع انتاج الحنطة في البلاد بنسبة النصف. وبحسب منظمة الامم المتحدة، فان العراق يستورد الآن 80 بالمئة من غذائه، وان 90 بالمئة من اراضيه  صحراء او " تعاني من تصحر شديد".

ويقول الدكتور العجيلي " ان الماء أكثر أهمية من النفط للعراق لان لدينا ارض زراعية، وبدون المياه، تصبح بلا فائدة. فالزراعة هي المستقبل وعلى الحكومة الجديدة ان تعي ذلك".

وكان التأثير السياسي للعلاقات المائية مع دول المنبع حاضراً في تقرير الامم المتحدة. " نعتقد بان للمشكلة أبعادا سياسية بين العراق وجيرانه الذين يحاولون ممارسة الضغط على الحكومة العراقية بهدف الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية والسياسية. وقد بدأت المناورات مسبقاً لتحديد كمية المياه التي لا بد ان يحصل عليها العراق".

ويرى الدكتور محمد الزبيدي، استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، ان الماء يمثل عاملا جوهرياً في علاقات العراق الخارجية.

ويقول الدكتور الزبيدي " اصغ ولا تكن جاهلاً. ان دول المنبع تسيطر على دول المصب، لانها تتحكم بواردات المياه. وهذا الامر يعطيهم الافضلية في مجالات اخرى ايضا".

واضاف " دعنا نتحدث عن تركيا وسوريا. فنحن نحشى ان يأتي يوم و يطالبوا العراق فيه ببرميل نفط مقابل برميل ماء. وهذا اليوم سيأتي قريباً اذا استمر العراق في اتباع استراتيجيته الجاهلة في ادارته اللاأبالية للمياه"

وتقول حكومة بغداد بانها تقوم بدورها في السعي للحصول على المياه اللازمة للعراق ، كما انها تمارس ضغطا دبلوماسياً على دول المنبع.

ويقول رئيس لجنة الزراعة في البرلمان العراقي، جمال البطيخ " شكلنا وفداً لزيارة كل من تركيا وايران وسوريا للتحدث معهم حول تقاسم المياه لاننا نواجة مشكلة خطيرة في هذا المجال. أرسلنا لهم رسائل نطالبهم فيها باعطائنا مزيدا من المياه."

وترفض دول الجوار تناول ومناقشة كارثة العراق المائية. ولقد حذر مصطفى كايبر أوغلو، الاستاذ في قسم العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت التركية، من ان الماء قد يصبح مصدراً للصراع في السنوات القادمة.

ويقول كايبر أوغلو " حتى الآن لم تحصل اية مواجهات او توترات خطيرة جراء عدم تحقيق مطالب الاطراف حول كيفية تقاسم المياه. لكن ينبغي ان لا يضلل هذا الامر المراقبين ويحملهم على الاعتقاد بانه سوف لن يحدث في المستقبل".

واضاف "  واذا لم يتم التخلص من بعض السياسات المائية القديمة، ويتم استبدالها بسياسات جديدة، فان هناك احتمالاً حقيقياً بان يتحول الاقليم الى قنبلة موقوتة بسبب الحقوق المائية".

سليم الحسني وباسم الشرع، صحفيان متدربان في معهد صحافة الحرب والسلم  في بغداد.