Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مكاسب متباينة لكردستان

يتمتع الكرد بانتعاش اقتصادي في فترة ما بعد صدام، إلا انهم لم يشهدوا سوى تغييرات سياسية طفيفة
By Sirwan Gharib

لقد جرب رجل الأعمال الكردي فاروق مصطفى الذي أنشأ لأول مرة في العراق شبكة الهاتف النقال "آسيا سيل"، كلاً من فرص توسع العمل والاحباطات السياسية لفترة ما بعد صدام.


وقد حصلت "آسيا سيل" ومقرها في السليمانية مؤخراً على عقد الهاتف الخلوي لشمال العراق.


ومنذ ذلك الحين والشركة تعمل على توسيع خدمات الهاتف النقال الى "المناطق المحررة حديثاً" والتي تشمل مدن كركوك و الموصل و تكريت وسامراء.


وكذلك يشمل عقد فاروق المناطق التي تخضع لسلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني المنافس لحزب الاتحاد الوطني الكزردستاني، في النصف الغربي لكوردستان، لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني قد رفض حتى الآن السماح لفاروق لتقديم الخدمات الهاتفية الخلوية في منطقتهم على الرغم من العقد المبرم.


اضافة الى ذلك فقد رفضت شركة أخرى، والتي تستمر في تقديم خدمات الهاتف النقال هناك منذ سنوات عديدة، ان تفسح المجال أمام "خلية آسيا".


وكان فاروق يجلس في مكتبه الأنيق في بناية جديدة من أربعة طوابق في قلب السليمانية، ويقول بسخرية مريرة "لم يسمحوا لنا بالعمل هناك حتى الآن."


ان تجربة فاروق تؤشر وجود مشكلة مستمرة يتوقع معظم الكرد انها كانت ستنتهي مع سقوط نظام صدام البعثي.


واعتقد الكرد، بشكل خاص، ان الحزبين المتنافسين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني سيستفيدان أخيراً من الجدل بينهما ويوحدا ادارتيهما.


ويقود مسعود البرزاني الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو الرئيس الحالي لمجلس الحكم، بينما يقود حزب الاتحاد الوطني، جلال الطالباني، وهو عضو آخر في مجلس الحكم، وكان قد تسلم مؤخراً رئاسة المجلس.


وفي عام 1992، انتخب الشعب الكردي حكومة في أول انتخابات عراقية حرة، إلا انه انقسم في حرب أهلية خلال منتصف التسعينات، ثم تمسك الحزبان بنوع من السلام البارد منذ عام 1998 بعدما وقعا اتفاق واشنطن برعاية أمريكية. ونص الاتفاق على توحيد الادارتين. وفيما ظل البرلمان المشترك يعمل منذ تشرين الأول/ 2002, فان الادارتين بقيتا منقسمتين على الرغم من الجبهة الموحدة التي تبناها الطرفان عندما عالجا دور الكرد ضمن اطار قضايا العراق الأكبر.


وعلى الرغم من المأزق السياسي بين الحزبين، فان الاقتصاد يزدهر في كردستان، لاسيما في السليمانية ومنطقة الاتحاد الوطني.


وعلى وفق ما ذكره برهم صالح رئيس وزراء الاقليم، ان سبب هذا الازدهار يعود الى الجهود الدؤوبة التي بذلتها الادارة "لتنشيط القطاع الخاص".


لقد خرجت كردستان من الحرب سالمة، بشكل عام، وهي أكثر رخاءً من بقية أنحاء العراق بسبب الحكم الأقل فساداً مع تنفيذ محلي أكثر فعالية لبرنامج النفط مقابل الغذاء.


ومع ذلك يقول صالح انه بعد الحرب "كان الاقتصاد بحاجة الى حزمة من المحفزات", لذلك عندما بدأت سلطة التحالف المؤقتة في ضخ المبالغ المتبقية في برنامج التفط مقابل الغذاء الى الادارات المحلية العراقية، "انه ضخ النقود مرة أخرى وبسرعة الى الاقتصاد".


وتم خلال السنة الماضية، بناء أكثر من (50) معملاً في منطقة السليماتية وحدها. وفي الوقت نفسه، فقد شيد مستثمرو القطاع الخاص عشرات البنايات التجارية الجديدة، متشجعين بالضرائب المنخفضة، واسعار الارض الزهيدة التي قدمت مقابل الاسراع في التنمية.


وتدفقت ملايين الدولارات في عقود الاعمال العامة، حتى ان السليمانية لجأت منذ اكتوبر عام 2003، الى استيراد العمالة من المدن الواقعة خارج "الخط الأخضر" الذي يحدد المناطق التي يديرها الكرد في العراق.


وتحول الاسكان من القطاع العام الى الخاص، مع قروض بفوائد منخفضة او بدون فوائد ومحفزات أخرى أدت أيضاً الى تشييد الآلاف من البيوت الجديدة.


وقال صالح وهو يبتسم "نحن نستخدم أموال سلطة التحالف بشكل جيد."


أما على الجبهة السياسية الوطنية، فقد نجح الكرد في تأمين فقرة في قانون ادارة الدولة العراقي الانتقالي الذي يدعى غالباً الدستور المؤقت.


وبموجب أحكام هذا القانون، يمكن تشكيل منطقة فيدرالية من أية ثلاث محافظات. وان أية ثلاث محافظات يمكنها أيضاً ان تستخدم النقض ضد قبول الدستور الدائم للبلاد.


ان كلاً من هاتين الميزتين في الدستور المؤقت قد عدتا كضمانة للكرد ضد أية عودة لأي نوع من اضطهاد الحكومة المركزية الذي عانوا منه في الماضي. لكن المكاسب السياسية المأمولة الأخرى كانت بطيئة في التحقق.


وكان الكثير قد توقعوا ان المناطق التي تعرضت للتطهير العرقي من كردستان والتي تمتد مباشرة جنوب الخط الأخضر ـ بما في ذلك مدينة كركوك، سيعاد توحيدها مع منطقة كردستان بعد الحرب. إلا ان سلطة التحالف المؤقتة عارضت بقوة مثل هذا التوحيد، وبشكل خاص فقد رفضت اعادة ترسيم حدود المحافظات التي سبق وان غيرها صدام في الثمانينات بهدف عزل كركوك الغنية بالنفط عن بقية كردستان.


مع ذلك، فان العلاقات الاجتماعية انتعشت بين الناس داخل الخط الأخضر وخارجه.


وعلى صعيد آخر, فقد افتتح العديد من رجال الأعمال الكورد بسرعة بعد سقوط النظام محلات وخدمات أخرى في بغداد وكركوك وغيرهما من المدن الأخرى.


كما ان العديد من الناس المشردين قد تمكنوا من العودة الى بيوتهم. وكان أكثر من (200) ألف كردي وتركماني قد طردوا من منطقة كركوك وحدها في التسعينات، على الرغم من ان التطهير العرقي قد بدأ عام 1960. وان العديد من العوائل قد تشتت شملها لسنوات عديدة.


وكان السفر بين المناطق الخاضعة للحكومة ومنطقة الحكم الذاتي الكردية، قبل الحرب، مليئاً بنقاط التفتيش التي يديرها عناصر الأمن العراقي.


وقال حامد خوشناو وعمره (30) سنة، وكان يعمل سائقاً بين كركوك والسليمانية للسنوات الثمانية الماضية "لم يكونوا يفرقون بين الرجال والنساء والأطفال، كانوا يوجهون الاهانة للجميع ويضربونهم."


ومع ان نقاط التفتيش ما تزال موجودة، إلا انها تدار من الكرد، والحركة بين المنطقتين حالياً بلا تعب تقريباً.


وقال حامد "ان نقاط التفتيش الآن محترمة جداً. وبالمقابل، فاننا نشعر بالمسؤولية تماماً، ونساعدهم."


ويوافق جهاد شريف البالغ من العنر (40) سنة على ذلك قائلاً "ان أكبر هدية قدمتها لي أمريكا هي تمكيني من العودة الى عائلتي." وكان جهاد قد أجبر على الهرب من كركوك الى منطقة الحكم الذاتي بعد ان اتهم بزرع قنبلة في مديرية أمن حزب البعث الحاكم. وكان ذلك اتهام حكومي تقليدي استخدم وقتها لطرد الناس. وقال "لم أكن استطع العودة قبل التحرير، وكانت عائلتي تحت المراقبة المستمرة من دوائر أمن نظام البعث."


لكن تلك الأيام ولت.


وبينما لم يشهد الكرد أنواع التغيير السياسي الذي يودون رؤيته، فانهم ما زالوا يعدون أنفسهم محظوظين عندما ينظرون الى الفوضى السائدة وسط وجنوب العراق.


*سيروان غريب ـ مراسل كركوك لصحيفة "هوالتي" التي تصدر في السليمانية