Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مصالح متنافسة في مدينة مقدسة

يساور القلق أهل النجف لخشيتهم من سعي مجموعة دينية متطرفة لفرض سيطرتها على مدينتهم وعتباتها المقدسة العظيمة
By Usama Hashem

باجتياز الممر تحت قوس القرميد الأزرق, وخلال البوابات العالية المطلية بالذهب للحرم الكبير في مدينة النجف الأشرف, ومن ثم المرور عبر ساحة محاطة بجدران عالية, عندئذ سنكون في أقدس مكان لدى المسلمين الشيعة ـ حرم الامام علي (ع) ـوهو ابن عم وزوج ابنة الرسول محمد (ص).


أسلم الامام علي (ع) وهو فتى, وأخيراً اصبح الخليفة الراشدي الرابع. استشهد في مسجد الكوفة في العراق منذ ما يقارب 1500 سنة. وما يزال الشيعة يؤمنون ان الامام علي (ع) هو الخليفة الحقيقي للنبي محمد (ص).


وما يميز المكان الذي يرقد فيه جسد الامام علي (ع) هو الضريح الخشبي المطعم بالحديد والمغطى بالقماش الأخضر. وعلى وفق ما يذكر تقليدياً, فان بقايا النبي آدم (ع) والنبي نوح (ع) موجودة في القبر نفسه.


وحول الضريح تتكوم النقود في أكداس لها عمق كبير, وهي تتكون من الدنانير العراقية, الريالات الايرانية والدولارات الأمريكية وغيرها من العملات المتداولة. ثمة أيضاً سياج من الحديد المزين يحيط بالمرقد يتدافع عنده الزائرون المقبلون من مختلف أنحاء العالم الشيعي.


ان هذه الأموال هي المظهر الخارجي لرمز الولاء الذي تلهمه هذه البناية للشيعة المخلصين, كما انها القوة التي تمنحها لاولئك الذين يقيمون على ادارتها.


هلال زوين, رئيس الشؤون الشخصية داخل الحرم يقول أنه يتسلم التبرعات من الذهب والفضة والساعات والسجاد وحتى قطع من الرخام من الزائرين, وقال انه لا يستطيع ان يقدر كم تساوي قيمتها.


واليوم بالذات, يقول المسؤولون ان النقود لا ترسل لأي مكان. ان آية الله السيستاني, أكبر علماء الشيعة, أصدر مرسوماً بعدم استخدام النقود حتى تقوم حكومة عراقية شرعية. بعد ذلك تستخدم التبرعات في ترميم وصيانة الأماكن الاسلامية المقدسة في أنحاء البلاد.


ولكن بينما تمتلئ خزائن الحرم, تزداد بالنتيجة أيضاً الرغبة في الحصول على موطيء قدم داخل الحرم المحاط بالجدران.


ويؤمن العديد من الناس في النجف ان هذه الأموال هي السبب وراء احتدام المواجهة في نهاية كانون الثاني بين القيمين على المسجد وأتباع مقتدى الصدر, وهو عالم ديني شاب كان والده يتنافس مع السيستاني على النفوذ قبل ان يجري اغتياله عام 1999.


وتمتلك منظمة الصدر الشاب جزءاً من الدعم الشعبي والمصادر المالية لجماعة السيستاني التي كونت ثروة لنفسها من خلال تبرعات الشيعة التقليدية ( الزكاة و الخمس ).


اسماعيل أوراق ـ 63 سنة ـ من سكنة النجف, يعتقد ان أتباع العالم الشاب ـ الصدريين ـ يريدون فرض سيطرتهم على مرقد الامام علي (ع). وقال " ان المرقد مليء بالنقود. كل شخص يعرف ذلك ". وكل واحد يعرف ان المرقد يقع خارج حدود قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وخارج ولاية الشرطة العراقية. ان متطلبات الأمن وغيرها يشرف عليها مجموعة من القيمين المسؤولين فقط امام السيستاني الذي يحافظ على تلك الأموال داخل الضريح بمساعدة من حليفه الوقتي, المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق.


وفيما اذا كانت أموال الضريح هي السبب الفعلي وراء النزاع أم لا, يبقى الأمر غير مؤكد. ولكن حرم الامام علي (ع) يبقى دون شك أكثر الأماكن أهمية من أي مكان آخر في العالم بالنسبة لأي مجموعة سياسية شيعية, مما يدفع اولئك الواقفين خارج الحرم الى السعي للحصول على موطئ قدم لهم في الداخل.


حتى اندلاع النزاع في كانون الثاني, فان أتباع الصدر الذين يعدون اكثر التشكيلات تطرفاً في العراق, قد منعوا من تأسيس وجود رسمي لهم داخل الحرم, لكنهم كانوا يطرقون على الأبواب.


النقطة المركزية في النزاع كانت هي ( الأرسي ), او غرفة القيمين على الحرم, التي أغلقت منذ نيسان في العام الماضي بعد الأغتيال الوحشي لأثنين من كبار علماء الشيعة, والذي ذكر انه قد جرى داخل المرقد.


حدث هذا مباشرة بعد سقوط صدام, والجريمة التي لما تحل رموزها بعد, ما تزال تلقي بظلالها على المدينة المقدسة, اضافة الى نوايا الصدر وأتباعه.


في نيسان / 2003 تقدم حشد من الناس وقتاوا رئيس القيمين في الحرم في عهد نظام صدام, حيدر الرافعي, والعالم الشيعي سيد عبد المجيد الخوئي, ابن أستاذ السيستاني, آية الله العظمى سيد أبو قاسم الخوئي.


بينما اختلفت الروايات بشأن الجريمة المشهودة, فان أكثر القصص رواجاً في شوارع النجف هي ان الصدريين قتلوا الرافعي ليستولوا على مفتاح الحرم. وتستمر القصة لتقول, ان الخوئي قد تعرض للطعن عندما حاول التدخل, ثم سحب بعد ذلك الى منزل الصدر القريب حيث قضي عليه تماماً.


ذكرت بعض الروايات ان الهجوم وقع داخل الأرسي نفسه, وقد أغلقت تلك الغرفة وختمت, إلا ان بعض رجال الأمن في الحرم يدعون ان في الغرفة سجادة ماتزال ملطخة بدماء الرجلين القتيلين.


وقد نفى مقتدى الصدر ان يكون رجاله قد نفذوا الهجوم, مدعياً بدلاً من ذلك, انهم حاولوا منع قتل الخوئي.


مهما تكن الحقيقة, فان مقتل الرجلين قد شكل التصورات المحلية لنوايا الصدر الحالية.


العديد من أبناء النجف يتهمون العالم الشاب, الذي تكمن قوته في مدينة الصدر ـ الأحياء الفقيرة الرئيسة للشيعة في بغداد ـ سميت تيمناً باسم والده, يتهمونه بانه يحاول ان يسيطر على مدينتهم.


ويقول رجال الأمن في الحرم, ان أحدث المشاكل بدأت يوم 20 / كانون الثاني عندما علق الصدر لافتة على باب الأرسي, مدعياً انه مقر المحكمة الجديدة للشؤون الدينية.


لكن رئيس اللجنة الأمنية للحرم, عبد الحميد الحلو أخبر معهد صحافة الحرب والسلام, اته يتحدى الصدريين بتذكيرهم بانه يحرم تعليق أي نوع من اللافتات او الصور داخل الحرم.


ويقول الصدريون انهم يعملون على وفق أوامر من مقتدى. وقد أمر الصدر أتباعه بالتراجع بعد ان سعى الحلو الى وساطة من أحد أبناء آية الله وكان علماً معروفاً مات قبل عدة سنوات.


ولكن بعد يومين من ذلك, وعندما غادر الوسيط الى العربية السعودية للحج, استولى الصدريون على غرفة أخرى داخل الحرم. واعلنوا انها مقر للجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهي جملة تستخدم في العالم الاسلامي لتشير الى ما يسمى الشرطة الدينية ذات الصلاحية بتطبيق الشريعة الاسلامية.


في27 / كانون الثاني, وجد المتعبدون انفسهم يمنعون من دخول الحرم لمدة 19 ساعة, مع انه لم يصدر اعلان من اي واحد بذلك. ومهما يكن الشخص الذي أمر بذلك الإغلاق المؤقت, فان شيئاً واحداً ظل واضحاً: وهو ان الصدريين قد حصلوا على موطئ القدم الذي طالما سعوا اليه داخل الحرم, بعدما سمح لهم بفتح مكتب صغير لهم في ركن من الحرم.


ولم يمر هذا التغيير دون اهتمام أهل النجف, حيث رأى بعض الناس فيه علامة شؤم للمستقبل.


وقال صادق أسدي ـ 20 سنة ـ وهو يدير محلاً للنسيج في أحد الشوارع المحيطة بالحرم, " ان مقتدى يريد السلطة, يريد أن يستولي على الحرم ". وقال أسدي وهو لا يقر هذا الأمر, ان أتباع الصدر " ليسوا من النجف, وانما من مدينة الصدر في بغداد, ولا يعرفون أي شيء في الدين ".


أسامة هاشم رضا ـ صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد