Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مدينة تكرم مهاجمي صدام

لقد وضع المتآمرون في الدجيل خطة لتخليص البلاد من الدكتاتور قبل (22) سنة مضت
By Naser Kadhem

تقع مدينة الدجيل على بعد (60) كلم شمالي بغداد, ولها تاريخ مجيد في العصيان المسلح, وهي تسمى أيضاً "الابراهيمية" تيمناً باسم "ابراهيم بن مليل الأشتر الذي قاد تمرداً في القرن السابع ضد الحكام الأمويين في العراق دعماً للإمام الحسين (ع).


ان أهالي هذه المدينة مثل بقية مواطنيهم الشيعة في العراق يحتفلون في شهر محرم الاسلامي الذي امتد هذه السنة من نهاية شباط وحتى نهاية آذار, وذلك بارتدائهم الملابس السوداء وممارستهم لبقية طقوس العزاء في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) في واقعة كربلاء في عام (61) للهجرة الموافق (680) ميلادية.


ومع ذلك فان شهر محرم بالنسبة لأهالي الدجيل هو أيضاً الوقت الذي يتذكرون فيه أبناءهم الذين استشهدوا بعد تمرد جديد تجسد في محاولة اغتيال الرئيس السابق صدام حسين عام 1982.


ويقول الأهالي ان مدينتهم كانت مركزاً للنشاط بقيادة حزب الدعوة الاسلامية, الموالي للعالم الديني محمد باقر الصدر, الذي عرف بقوله الشهير "لو كان اصبعي بعثياً لقطعته".


وشن النظام عام 1981 حملة للقضاء على حزب الدعوة, فاعتقل الصدر وعذب وقتل, كما قتلت أخته, بينما اعتقل في الدجيل عدد كبير ولكن غير معروف من الأهالي ـ كان معظمهم من الشباب المثقف. وبعد فترة قصيرة أعيدوا كجثث الى عوائلهم.


ونتيجة لذلك, قرر سكان المنطقة الإنتقام.


تقع الدجيل على أحد الطرق الرئيسة المؤدية الى مدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين, وهو موقع اعتقد المتآمرون انه يوفر لهم الفرصة لقتل الدكتاتور.


وكان عمر فارس الدجيلي آنذاك (19) سنة, ويتذكر الآن بفخر كيف أنه وقع مع المتمردين. وقال "التحقت بخلية تعمل ضد صدام عام 1982, وكانت سرية الى درجة ان أقرب المقربين لي لا يعرف عنها شيئاً. واعتدنا على الاجتماع في مزرعة تعود الى أحد أعضاء خليتنا, حيث خبأنا بعض البنادق والمسدسات".


وكانت العلامة الأولى على احتمالات نجاح العملية قد جاءت مبكرة في تموز عام/ 1982.


في ذلك الوقت قام عدد من الطائرات بالتحليق بشكل منخفض فوق بساتين المدينة, وكانت تقوم ظاهرياً برش الرذاذ لمكافحة الحشرات الزراعية. لكن مهندساً زراعياً يعمل مع منفذي الاغتيال استنتج بان هذه الطائرات لم تكن ترش الرذاذ لكنها تنفذ مهمة استطلاعية قبل قيام الرئيس بالزيارة.


وكان الأخوان ستار ومحمد توفيق قد وقعا على الخطة للإنتقام لأخيهما طلال الذي أعدم في الحملة ضد حزب الدعوة وعمره (19) سنة. ويتذكر محمد قائلاً "كان وسيماً, واعتقد كل واحد أنه سيكبر ليصبح طبيباً".


وكان ستار أول شخص يحدد موقع الدكتاتور في مركز المدينة وهو يحيي بعض المواطنين الموالين له بشدة. وعلى وفق ما ذكره محمد, فان ستار اندفع مسرعاً أولاً نحو البيت ليجلب مسدسه, وقالت له أمه "اطلق النار مباشرة", ثم أسرع بعد ذلك الى البستان. كان يوماً حاراً من أيام شهر رمضان المبارك, وكان عدد من أعضاء المجموعة يمضون وقت صيامهم تحت ظلال الأشجار, وكان ذلك البستان هو المكان الذي خبئت فيه الأسلحة.


وجمع ستار ما يقارب (12) رجلاً, وتطوع لقيادة دراجته النارية الى جانب الموكب الرئاسي حتى يتمكن الرماة من معرفة سيارة الرئيس. كان ستار فدائياً متأكداً من أن النتيجة هي موته.


وقسمت المجموعة نفسها الى فريقين اختبآ تحت أشجار البرتقال على امتداد الطريق المؤدي للمدينة.


وصل الموكب, وبدأ ستار الكمين باطلاق النار على سيارة الرئيس بمسدسه, ثم فتح المهاجمون النار, ورد حراس صدام.


وتلك كانت رواية شيخ الدجيل, وثمة روايات أخرى, ولكن وبغض النظر عن كيفية بدايتها, يقول شيخ الدجيل ان كثافة النيران قد أدت الى مقتل ستار اضافة الى عدد من المارة الذين تجمععوا على جانبي الطريق.


وقال الشيخ "نحن آسفون لذلك, لكن هدفنا كان أكبر, وهو تخليص الشعب من الطاغية".


أما بقية المهاجمين فقد هربوا بارتباك, وعرفوا لاحقاً ان عدداً من حراس الرئيس ـ وقد قفز بعضهم على السيارة لحمايته ـ قد قتلوا الى جانب مصوره الخاص.


ومع ذلك, فان صدام قد نجا. ولم يدرك المهاجمون ان سيارته مدرعة ضد الرصاص.


وقال شيخ الدجيل "لو كان لدينا في حينها منصات لإطلاق القذائف الصاروخية لكنا قد أنقذنا العراق من صدام قبل (22) سنة".


وتجمع المهاجمون مرة أخرى في البستان وانتظروا حتى خيم الليل, ثم عانق بعضهم بعضاً وتفرقوا كل واحد في طريقه.


ونجح شيخ الدجيل وعدد من زملائه في الهرب الى ايران, حيث عاشوا هناك حتى سقوط نظام صدام.


في غضون ذلك, قاد برزان التكريتي ـ شقيق صدام ـحملة التصفية.


وعن ذلك يقول عبد الحسين مصطاف رئيس فرع الدجيل لجمعية السجناء المحررين انه تم اعتقال (900) شخص, أعدم منهم (380).


بعد سقوط نظام صدام, حصلت الجمعية على شهادات اعدام (148) شخصاً من الذين جرى اعتقالهم وشنقوا عام 1985.


وفي أعمال أخرى من العقاب الجماعي, هدم البعثيون المنازل والبساتين التي تعود الى أقارب المتآمرين وبقية سكان الدجيل.


ولم يعد معظم المهاجمين بعد من المنفى, إلا ان فارس الدجيلي ومحمد توفيق قد عادا وهما الآن مواطنان مكرمان على الرغم من العواقب الوخيمة التي نتجت عن العملية.


وكلا الرجلين الآن من رجال الدين: فالدجيلي يقدم محاضرات دينية في المسجد المحلي, بينما يترأس محمد مكتب الواعظ المتطرف الجماهيري مقتدى الصدر في المدينة.


وعلى الرغم من المعاناة, يقول الدجيلي انه يشعر الآن بالسعادة وهو يتطلع الى صف من المتدينين وهم يضربون أنفسهم بالزناجيل في طقوس عزاء الإمام الحسين (ع), مثل بقية استعراضات الشيعة الدينية التي كانت ممنوعة في زمن صدام.


وبالنسبة للدجيلي فان القدرة على تأدية مثل هذه الطقوس "هو حلم تحقق, وهذا يكفي بالنسبة لي".


*ناصر كاظم ـ صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد