Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ما زلت أبحث عن سميح وما زلت أنتظر

الكاتب: فاتن سميح
By Faten Samih Abu Fares

لا أدري كيف استطاع ابني سميح طالب الطب أن يحصل على كاميرا تشبه الزر الصغير. وضعها على قميصه الأزرق وانطلق إلى الميدان في ذاك اليوم المشؤوم، نهار الجمعة في 6 تموز/يوليو 2011. كان يعلم أن مظاهرة ستنطلق من هناك بعد صلاة الجمعة، وكان يريد تصوير الحدث.

بالحقيقة كنت أنا المحفز الأكبر لولدي ليشارك في كل فعاليات الثورة. كنت أريده أن يعيش لحظة التحرر، أن يتمرد على كل ما فُرض علينا أثناء حكم حافظ الأسد, حيث علّمنا أهلنا أن الجدران لها آذان وأننا يجب أن نكمم أفواهنا, علمونا أن الجبن هو أهم عوامل الأمان.وبما أني كنت من أشد المنتقدين لكيفية انتقال  السلطة إلى بشار الأسد، فقد رأيت في انطلاق الثورة خلاصنا من العبودية.

توجه سميح إلى الميدان، كنا قد اتفقنا أن يمرّ حوالي الساعة الخامسة عصرا إلى بيت صديقتي في شارع بغداد، لنعود سويا إلى بيتنا الكائن في حرستا.

لم أتخيّل لوهلة أن ابني سيطيل الغياب لمدة 22 يوماً .. انتظرته طويلا في بيت صديقتي ولم يحضر. اتصلت به مراراً وتكراراً على الموبايل وبالطبع كان مغلقا … اختلقت لنفسي آلاف المبررات لتأخره.  ربما أصاب السيارة عطل ما، ربما ذهب مع أصدقائه إلى أي مكان، ربما وربما لكني لم أجرؤ على البوح لنفسي بالسبب المنطقي الوحيد لتأخره. بقيت أنتظر عند صديقتي حتى التاسعة ليلاً … كنت أرفض مجرد تخيل اعتقاله.

مرّت تلك الليلة كئيبة حزينة. بقيت ثلاثة أيام بانتظار عودته. اتصل أحدهم وهو شاب يدعى أحمد، يبلغ من العمر 17 عاماً, أخبرني أن ابني معتقل في فرع فلسطين. كان وقع الصدمة قوياً، فرع فلسطين؟ هذا الذي نسمع عنه الويلات! قال أن الأمن احاط بهم يوم المظاهرة، وكان سميح يقف بعيداً ولا يدري ما الذي دفع أحد عناصر الأمن إلى الشك به حيث اكتشف معه الزر الكاميرا، واقتادوه مع الآخرين إلى الفرع .

لحسن حظ أحمد أن عمره 17 عاماً, حيث كانوا في بداية الأحداث يعتقلون من هم دون العشرين لمدة لا تزيد عن الثلاثة أيام. أخبره سميح أن يتصل بنا، لا أدري كيف استطاع أحمد الاحتفاظ برقم هاتفنا في ذاكرته المتعبة من الضرب والإهانات.

بعد اتصال أحمد بيومين، أي بعد اختفاء سميح بخمسة أيام قرعت بابنا سيدة بمنتهى اللطف إسمها دعاء. أخبرتني أن ابنها كنان طالب في كلية هندسة العمارة عمره 19 عاماً، كان من ضمن متظاهري يوم الجمعة، وقد اعتقلوه وضربوه بوحشية. وقد أخبره سميح عن رقم الهاتف وموقع المنزل لأن كنان وللصدفة كان يعيش في حرستا, وقد استطاع كنان تذكر موقع المنزل بشكل تقريبي لكنه نسي رقم الهاتف وبقيت دعاء 3 ساعات تبحث عن منزلنا حتى استطاعت الوصول.

لم أعرف كيف اتصرف، فنحن أناس عاديون، ليس لنا صلات بأي شخص من أصحاب النفوذ, لكن غريزة الأم كانت أقوى من أي معارف أو صلات.

لم أكن أعلم أين يقع هذا الفرع لكني اهتديت إلى مكانه. كنت أذهب إلى هناك بسيارتي، مدة اعتقال سميح 22 يوماً, ذهبت خلالها تسع مرات إلى ذاك الفرع المشؤوم. استقبلوني في تلك الغرفة الخارجية، حيث جلس المساعد الأول وهو شخص طويل ضخم أسمر اللون من حماة, وشخص آخر لا أدري ما هي رتبته لكن لهجته ساحلية.

بعد حديث طويل عن الشباب المغرر بهم، من وجهة نظرهم طبعاً، وحبوب الهلوسة وقصة الـ 500 ليرة التي يتقاضاها المتظاهرون بعد كل مظاهرة، سمحوا لي برؤيته! أعلم أن الأمر لا يُصدق، لكن ذاك الذي حصل.

أحضروا سميح، لن أنسى منظره ما حييت, كان مطأطأ الرأس, حذاؤه الرياضي بلا رباط, مشعث الشعر مصفر الوجه, رفع رأسه ليراني. اقتربت منه أريد احتضانه، لكنني خشيت أن يشعر بالألم. همست بأذنه هل ضربوك؟ قال لي: لا لكن ارجوكِ لا تبكي, لا أريد أن يروا عجزنا. وكان له ما أراد، تمالكت نفسي.

مدة الزيارة كانت عشر دقائق فقط. خرجت بعدها وأغرقت الكون الواسع بدموعي. الشعور بالذنب كاد أن يقتلني, فكيف أخرج ولا أصطحبه معي. كيف أتنفس الهواء خارجاً وهو يكاد يختنق داخل المهجع؟ أنا لست أماً، أنا الوحش الذي ترك فلذة كبده مع أناس لا ترحم. لماذا لم أحطم الجدران؟ لماذا ولماذا؟ أسئلة غبية لا إجابات عليها.

مرّت الأيام، ولا أدري كيف مرّت! ذهبت تسع مرات إلى هناك خلال 22 يوماً، لكنهم امتنعوا عن استقبالي. كنت أقف خارجا كالبلهاء, عاجزة, لا أملك إلا الغضب والدعاء. 22 ليلة, اترقب قرع الباب، فربما أطلقوا سراحه ليلاً، 22 يوما بقيت بيجامته وثيابه الداخلية على سريره. أردت أن يخرج ويشعر انني كنت أنتظره طيلة تلك الأيام.

كنت أذهب إلى القصر العدلي في الحجاز، بجانب سوق الحميدية يومي الإثنين والخميس. أنتظر مع العشرات. المعتقلون كان يتم تحويلهم إلى هناك، إما لإطلاق سراحهم أو لترحيلهم إلى سجن عدرا المركزي.

يوم الجمعة 27 تموز/يوليو، اتصل بي أحدهم وقال: ابنك سيُحول غدا إلى القصر العدلي. لا أعرف من هو وبالحقيقة لا أريد ان أعرف. صدّقته، ربما هو حدس الأم. ذهبت إلى هناك عند الثامنة صباحاً , عندما وصلت حدثتني نفسي أن الأمر كذبة غبية. فالسبت يوم عطلة رسمية! وبالفعل كان المكان خالياً إلا من بعض الأشخاص اليائسين مثلي. انتظرت زهاء الساعتين، وبالفعل بدأت الحافلات الأمنية من مختلف الفروع بالوصول مع المعتقلين. وصل باص فرع فلسطين، أبيض اللون، الشباك يغطي النوافذ. رأيت أمامي 30 شخصاً متصلين ببعضهم بالسلاسل وكان بينهم ابني سميح.

عرضوهم على القاضي الذي سألهم سؤالاً جماعياً: هل كنتم بالمظاهرة؟ أجاب الجميع بالنفي. وأُطلق سراحهم جميعا.

إذاً كان الأمر مدروساً. حوّلوهم إلى المحكمة ليطلقوا سراحهم. لا يهمني ما حصل، وكيفية تعاملهم مع الأمور. المهم أن سميح أصبح معي ثانية وستعود الحياة لمنزلنا الذي كاد يشبه القبور بدونه.

أخذته إلى المنزل، حيث وجد بيجامته وأغراضه الشخصية على السرير. كان شهر رمضان على الأبواب. دعوت الله أن يغير التقويم كي أستطيع أن أعوض ابني عن الجوع الذي عاشه. لم يتغير شيء! فالحياة لن تغير فصولها من أجلنا. خرج سميح وفرحت رغم كل الأحزان التي كانت تحيط بنا.

لكن كانت هناك قصة اخرى تنتظرنا. قصة حزينة الفصول لم تكن بالحسبان. سميح طالب الطب سنة خامسة, اعتُقل مرة ثانية في 28 نيسان/إبريل 2013. ولم اجده بعجها، ولم يتواصل معي احد. بحثت عنه وما زلت أبحث, قرابة السنتين الآن، وسميح ابني الوحيد لا أعلم عنه شيئاً، ولا اعلم الجهة الأمنية التي اعتقلته.

وما زلت أنتظر!