Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

كيف خاننا صدام حسين

بقلم عدنان.ق. كريم في بغداد( تقرير الأزمة العراقية المرقم 41 , بتاريخ 22/12/2003 )
By Adnan K. Karim

اعتقدنا ذات مرة أن صدام حسين رجلا قويا وقاسيا,وانه صاحب قرارات صعبة.


كان ذلك في السبعينات ,حيث كان صدام حينها نائبا للرئيس احمد حسن البكر. الكل يعرف أن صدام كان هو القوة الحقيقية في سدة الحكم: وهو الذي يقف خاف القرارات المصيرية مثل تأميم صناعة النفط, وهو الذي بنى هيبة ا لعراق الدولية من خلال تعزيز العلاقات مع الغرب والاتحاد السوفيتي ومن خلال الانضمام لحركة عدم الانحياز.


حين أزاح صدام البكر ليستولي على السلطة عام 1979 ,فان الضباط أمثالي نظرو أليه على انه قائد شاب يستطيع أن ينقل العراق إلى عهد جديد.


بعد سنة من ذلك تغير رأينا حين أدخلنا في حرب مع إيران الثورية .


في القيم العسكرية, يكون خيار الحرب هو الحل الأخير وليس الحل الأول. لكن صدام أقنعنا أن إيران تريد تصدير الثورة إلى بقية أرجاء العالم , ابتداء من العراق. وان ذلك سيجرنا- مثلما يجر غيرنا- إلى العصور المظلمة بدلا من فتح آفاق لمستقبل مضيء. ولتجنب ذلك, كنا عازمين على خوض الحرب .


بعد سنتين من الحرب الهجومية,اتخذ صدام قراره الغريب بالانتقال إلى موقع الدفاع. فقام الإيرانيون بأخذ زمام المبادرة, وانخفضت معنويات العراقيين. سرت حينها نكتة تبادلها الضباط مفادها أن صدام قد ضرب الخميني على مؤخرته (جلاق) , فقال له الخميني" أنت ضربتني – لكني سوف لن أعيد لك قدمك".


استطاع صدام أن يثير فينا الولاء, رغم معرفتنا انه لم يكن عسكريا عبقريا. لقد زار الجبهة وقام بإطلاق المدافع باتجاه العدو. رفضنا إشاعة اللعدو والجهلة من الناس بان الزيارات الميدانية للجبهة كان يقوم بها شبيه صدام .


لا زلت أتذكر أول مرة قابلت فيها صدام شخصيا, بعد أن قمت مع عدد من الضباط بإنقاذ جثة أحد الرفاق الذين فقدوا في البحر.كان ذلك تحت نيران السفن الإيرانية على بعد 2 كم. لقد كنت ضمن مجموعة من مئات الضباط الذين قابلهم صدام – وتحدثت لمدة 15 دقيقة- كان لا يزال يتذكر اسمي. نعم, إن ذلك مدعاة للولاء.


عام 1987 , عاد العراق إلى الهجوم, بعدها بسنة طلب الخميني السلام. كنا نعرف أن صدام استغل الحرب كغطاء لاقتراف جرائمه ضد العراقيين. وكنا نعرف أيضا انه اضعف الجيش من اجل التشكيلات المسيسة الأخرى مثل الحرس الجمهوري, مودعا افضل معدات الجيش النظامي إلى الموالين له.


ورغم ذلك, كنا مستعدين للتسامح, للنسيان والسير قدما إلى الأمام.


ولكن بدلا من تحقيق الازدهار, غزا صدام الكويت. حدث ذلك في وقت كنا ندرك انه من الغباء القيام بذلك, لقد وقف العالم بأجمعه ضدنا. وحين حصلت الكارثة وتم اسر 60000 جندي عراقي وفرار 250000اخرين, اعتقدنا أن صدام سيقدم استقالته, كما فعل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد نكسة حزيران عام 1967 .


لكن ذلك لم يكن أسلوب صدام, فبدلا من الاستقالة , أرسل الحرس الجمهوري وبقية الوحدات الخاصة للقضاء على انتفاضة الجنوب. أعقب ذلك فرض الحصار علينا من قبل الأمم المتحدة ودخلنا حقبة العقوبات الدولية.


في العام 1995 , تم إعدام أحد رفاقي في ساحة عامة لمحاولته مغادرة العراق. لقد قرر أن حياته تلك لا تضيف له شيئا, فقرر المغادرة إلى إيران حيث أقاربه هناك والبدء بحياة جديدة. لكن ازلام صدام مسكوه عند الحدود, واعدموه وسلموا جثته إلى ذويه وأمروهم بعدم إقامة مراسم العزاء.


كنا نشك بان الحرب مع أمريكا واقعة لا محالة بحلول العام 2000 , وأنها أصبحت مؤكدة بعد أحداث 11 أيلول 2001.


لم يكن أحد منا في القوات المسلحة يعتقد في أننا سنكسب الحرب عسكريا. كان جنودنا قد زج بهم في الخنادق مثل السجناء. ومعداتنا قديمة وأدامتها ضعيفة. لكن مع ذلك كنا لا نزال نصدق. وكنا نأمل في أن لدى صدام ما يخفيه من الخدع السياسية, فلعل باستطاعته جعل فرنسا أو ألمانيا أو روسيا توقف الأمريكان.


كنت في البصرة أثناء الحرب.في اليوم السادس منها ا تذكر أني اتصلت بعائلتي من دار أخي. بكيت لمدة 15 دقيقة. قلت حينها" لقد انتهى الأمر". لقد انتهى الجيش العراقي. لقد انتهى صدام. لقد انتهت جمهورية العراق. كل هذا التاريخ انتهى. حياتي كعسكري قد انتهت.كل أوسمتي قد انتهت. لماذا كرست كل حياتي في عمل فاشل؟


في الساعة العاشرة من صباح السادس من نيسان, اقتربت القوات البريطانية لمسافة 200 متر من مقراتنا. حينها لم يكن هناك اكثر من 100 من الفدائيين والبعثيين لا زالوا يقاتلون.


لم اكن أرى فائدة من استخدام الكلاشنكوف ضد الدبابات. اتصلت بأخي وسألته إن كانت طرق البصرة سالكة. كان الجواب بالإيجاب. تركت المقر وذهبت إلى بيته.وانتهت حياتي في الجيش بشكل مفاجئ.


الآن, وبعد ثمانية اشهر, نرى صدام يسلم نفسه, كان بإمكانه أن يرتدي حزاما ناسفا. لكنه اخذ حيا.


قد يقوم مجلس الحكم بشنقه قريبا. لكن استسلامه عكس تفضيله للباقي من عمره على حساب شرفه وسمعته , وان حياته تأتي في المقام الأول قبل كل شيء. أولاده كانوا أشجع منه, إن ما عمله هو تصرف رجل رخيص.


اشعر الآن أن كل التضحيات التي طلب منا تقديمها عبر الثلاثين سنة الماضية آلت إلى لا شيء- واعتقد انني محق في هذا التفكير.


أدركنا منذ الثمانينات أن صدام كان يقترف الأخطاء. لكننا الآن ندرك أن الخلل ليس في السياسات الخاطئة, بل في حب صدام لنفسه. من المتناقضات أن صدام اقنع الكثير من العراقيين على كره المعارضة, وعلى تكوين فكرة سيئة عن المنفيين كونهم يريدون بيع العراق لأمريكا مقابل حفنة من الدولارات.


علينا وضع كل هذه الأفكار جانبا الآن, علينا البدء من جديد. ويجب أن نراجع أنفسنا لنعرف من كان يحب العراق , ومن كان يحب نفسه فقط.


عدنان.ق. كريم : لواء سابق في البحرية العراقية , ومساهم الآن في معهد صحافة الحرب والسلام.