Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

عن صديقتي التي غابت وصديقتها

الكاتب: رافية سلامة
By Rafea Salameh
Women shopping at a local market in Aleppo’s al-Shaar neighbourhood. (Photo: Hussam Kuwaifatiyeh)

أرتدي الفستان الذي اشترته لي، أنظر إلى اسمها في الهاتف بين آخرين. أحدّق بإحدى رسوماتها، كنت قد حفظتها من شبكة الانترنت، في الرسمة غولة جميلة. الغولة (حيوان خرافي مرعب) ابتلعت صديقتي، لكنها لا تكون بهذا الجمال، وبما لا تكون غولة، بل غولاً بشعاً يرعبنا جميعاً، نحن صديقاتها الباقيات.

الصديقات هن آخر الأشياء لدينا اليوم في دمشق. لفظت المدينة أقراننا ولا تزال. خدمة العلم تكاد تغدو الحدث الأكثر تأثيراً في الحياة ها هنا، نستطيع أن نضعها بين أسباب اللجوء بكل ثقة. في دمشق هي غالباً من تسرق أصدقاءنا وأحباءنا.

الصديقات أخوات بكثير من الأمهات، هن من يشاركن الخيبات، الخوف، البكاء، الاشتياق والرقص، إن أتيح الأمر. أمهاتهن يصبحن أمهاتنا أيضاً. يتصلن بك حين تحضّر إحداهن وجبة طعام شهية، وسيلتهن الشائعة لإظهار الاهتمام، رغم ما تكرره بناتهن من أفكار للخروج عن النمط.

صديقتي اليوم تمرّ بعلاقة سيئة، ليست الأولى بين الصديقات، لكن علاقتها هذه لم تكن مع شريك، بل مع ما يسمى إمعاناً في السخرية: الأمن. ربما تحتوي العلاقات التي يسيء فيها طرف للآخر لحظات عاطفة أو حاجة. ترك الأمن هذه النواحي ليحتفظ بكل الأشياء الأخرى.

يكذب الأمن حين يأخذ صديقتي، يكذب عليها ويدّعي أنه بحاجة لزيارتها القصيرة. هي تعرف أنه يكذب لكنه يشدّها من يدها فلا يسمح لها بالاختيار. يكذب على أهلها ويقول: “نصف ساعة فقط”. تبدأ الأخت بالبكاء لأن هذا غير صحيح، وكل شيء غير ذلك صحيح. كل شيء وأسوأ شيء قد يكون صحيحاً إلّا هذا، ولا يمكنك إلّا البكاء. رجاؤها معه قد يورط بإساءة معاملة تشابه ما يمر به الأطفال، قد تعاقب إذا كانت تبكي وترجو، ويزيد هذا من عنف من ترجوه.

الأمن طلب من صديقة أخرى أن تتصل بصديقتي لتأخذها معها إلى حيث تغيبان عنّا، نحن آخر ما تبقى من قبيلة النساء الناجيات. لا يجوز الرفض أو الممانعة، الاحتمال بحد ذاته غير قائم بالمرة. فتزيد هذه الجرعة التي تغرقنا من انعدام الثقة. انعدام الثقة بكل شيء، حتى بصوت صديق يخبرك بحاجته لك للحظة. كيف يا ترى نستمر في العيش واحتمالات كل الأشياء البشعة تأتي من كل الاتجاهات، ومن أصوات أصدقائك ومن تحبين على الهاتف أيضاً.

الأمن لا يفضل أن يستفسر عما يريده من صديقتي فقط، هو سيبحث في كل تفصيل في حياتها، وسيفتش في أشيائها الخاصة دون إذن، وسيسخر من لعبة قماش صنعتها وكلّمتها ليالي وحدتها، سيقلب غرفتها رأساً على عقب بحثاً عمّا يؤكد ذكاءه وشرّها، ولا هو ذكي ولا هي شريرة، هو فقط قادر، وهي إنسانة لطيفة بحظ سيء وروح جميلة.

الأمن سيهدّدها بالضرب، وقد يضربها فتكفر بكل ما تحب وتكره نفسها والآخرين، وتزداد جرعة انعدام الثقة لتطال ما نعرفه عن أنفسنا، ويصبح كل شيء ممكناً. ويزيد الأمن في تهديده ويطال كل ما له معنى في حياتك، فتتذكرين جورج أورويل وتفكرين كم هو الواقع خيالي، وتستدعين وجودك وما تعرفينه عنه فلا تخرجين بشيء، ويخبو فيك شيء بعدها.. لا تعرفين ما تسمينه، وتخافين أن تقولي الحياة.

الأمن لم يسمح لصديقتي أن تخبرنا أين هي، ولن يسمح لنا أن نسأل. وما أخبرنا حقيقة عن نفسه، ليترك كل احتمال مفتوحاً على أبواب الرعب وقصص الاختفاء، ويدعنا خائفات حتى من السؤال، فالسؤال قد يكون ورطة أخرى، الاستفسار عن أي خبر حرام مستغرب. عن ماذا نتحدث هنا؟ وكيف يا ترى نصف كل هذا بكلمات؟ سيخرب هذا من نفسك أشياء، وستعودين فتذكرين ما مر به سابقون، وتتساءلين كيف يكمل الناس عيشهم وهذا كله ممكن. ستكسر هذه العلاقة السيئة بين صديقتي والأمن في نفوسنا شيئاً نحن الصديقات، سنشكّ في كل ما فعلناه يوماً.

ستعودين بذاكرتك لاهثة لتبحثي عن دليل قد يورطك في ما يراه أمن بلادك جريمة، وسيأخذ منك الخوف العطف والاهتمام والقدرة على الحركة. رجل أمن يطلب هويتك على الحاجز سيزيد كل مخاوفك دفعة واحدة، وستتمنين لو تسقط السماء على رؤوسنا أو ينتهي كل مافي الكون وينتهي معه عناؤك.

ستحاولين التعرف على جسدك عند العودة للمنزل. تحدّقين طويلاً في المرآة، لا ترين عينيك، ستبكين ثم تصرخين ثم تنامين ثم تستيقظين لتبحثي عن فستان ورسم لغولة بعينين خضراوين. تعرفين أنك قد بالغت ليلتك الماضية في المشاعر والاحتمالات. ستكتبين باكيةً كل كلمة علّك ترتاحين. لكن صديقتك وصديقتها في الغياب، وفي الغياب يجوز جنونك، كيف لا وقد عرفت كم مسيئة هي هذه العلاقة مع الأمن وهذا البلد، وكما نجوت من علاقة عاطفية مثلها وتعلمت وأصبحت أقوى، تأملين النجاة  مرة أخرى، وأن تجدي ربما طريقة أو وصفة أو تعويذة كي لا تمرّي بكل هذا أنت أومن تحبين، لكنك أثناء كل هذا تفكرين بكل ما تبقى فيك من حياة بالانتحار، يبدو هذا الفعل الوحيد الذي تستطيعين التحكم به، في علاقة سيئة طويلة لست تدرين كيف الخروج منها، فيغدو خروجك من نفسك أسهل وأقرب.

رافية سلامة (30 عاماً)  مقيمة في دمشق قبل الثورة عملت على حملات توعية عن قانون الأحوال الشخصية وجرائم الشرف. تعمل صحفية وتعمل على مشروع سينمائي وثائقي. تم اعتقالها أربع مرات.