Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

تكدس النفايات في العاصمة بغداد

تحاول أمانة العاصمة التصدي لأزمة النفايات، فهل تمتلك الموارد لحلها؟
By IWPR-trained reporters
Residents and officials maintain the garbage piling up around Baghdad is both an eyesore and a potential health hazard. (Photo: Daud Salman)

مراسلون متدربون في معهد صحافة الحرب والسلام- العراق (تقرير الأزمة العراقية رقم. 343، 2 –تموز- 2010)

دشنت أمانة العاصمة خططاً جديدة بهدف التصدي لمشكلة الازبال في بغداد وذلك بالرغم من بروز تساؤلات عدة حول توفر الاموال والعمالة لعملية تنظيف المدينة.

ويقول مسؤولو المدينة بأنهم بدأو بشراء معدات جديدة، واجراء محادثات مع شركات اجنبية متخصصة في التخلص من النفايات، كما وبدأو باطلاق حملة اعلامية لتوعية الناس. لكن وبالرغم من ذلك يعترف حتى اللذين يشاركون في خطط التطوير المدني، بان الحكومة تواجه مشكلة كبيرة ازدادت سوءا بسبب سنوات من الاهمال.

ويقول عضو لجنة الصحة والبيئة في البرلمان، قاسم داوود " لا تشبه بغداد المناطق الاخرى والمسائل فيها معقدة، ولا تقوم امانة العاصمة بعملها بالشكل المطلوب، لكننا في الوقت نفسه نفتقر الى القوانين التي تمنع العامة من رمي الاوساخ وتلويث البيئة. ولهذا السبب لا نقدر على توفير بيئة صحية".

واضاف داوود بان النفايات التي تتكدس في الازقة والاماكن المفتوحة والاسواق، تتكون من القمامة التي تلقيها العوائل وانقاض البناء والمواد البلاستيكية غير قابلة للتحلل والمخلفات العضوية الفاسدة.

وفي حين تضخم النمو السكاني في بغداد الى حوالي 7 ملايين شخص، أجبر تدفق المهاجرين الفقراء وقلة المساكن، عددا كبيراً من العراقيين على العيش في احياء فقيرة ومستوطنات غير قانونية في البنايات المهجورة والمتنزهات. و لذلك ،قال داوود، تقلصت المسافة بين هذا النوع من العيش العشوائي ومكبات الازبال.

وتؤثر هذه المشكلة والتي تسميها الحكومة بـ "ادارة المخلفات الصلبة" بصورة أكثر على الاحياء الراقية والمحمعات التجارية. وقد أغلقت أكوام القمامة في بعض المناطق طرقات بأكملها، كما ويشكو السكان في انحاء المدينة من الروائح الكريهة والحشرات والقوارض. كما وتتحدث الصحافة المحلية عن زيادة الكلاب السائبة التي تقتات على الازبال، مقدرة عددها في بغداد باكثر من مليون كلب.

ويقول داوود بهذا الصدد" تدمر أكوام النفايات العشوائية نوعية الحياة في بغداد. فمكبات النفايات موجودة في كل مكان، وأحيانا بالقرب من انابيب المياه والانهار. وهي بذلك تكون مرتعا خصباً لجميع انواع الفطريات التي تؤدي الى حالات التسمم الغذائي والاسهال. كما وتقدر على نشر أوبئة وأمراض من قبيل التايفوئيد والكوليرا".  

وتمثل ادارة النفايات مشكلة عويصة في بغداد منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في 2003. وفي الاعوام التي تلت اعمال العنف الطائفي، هجرت ونهبت المؤسسات الحكومية ، كما كان يتم خطف اوقتل الزبالين وعمال التنظيف بشكل متكرر. كذلك جعلت الكتل الكونكريتية والاسلاك الشائكة ونقاط التفتيش المحصنة على مداخل معظم مناطق المدينة، عملية التنظيف الروتيني أمرا مستحيلاً.

وتقول ابتسام عزيز -36- عاما- من حي الشعب الذي يعتبر من الاحياء الفقيرة شرقي بغداد، " حينا عبارة عن مكب كبير للازبال. من الصعب جدا تحمل الرائحة الكريهة خلال النهار. والرائحة تزداد سوءاً بفعل حرارة الصيف . اما في الليل فمن المزعج جداً سماع نباح الكلاب. وقد ذهبنا الى الامانة لأكثر من مرة مطالبين بازالة الازبال، ولكن دون فائدة".

وأبلغ مسؤول أمريكي معهد صحافة الحرب والسلام بان حكومته قد استثمرت مبلغ 33 مليون دولار لتحسين نظام ادارة النفايات في بغداد، ويشمل انشاء مواقع لطمر النفايات والتبرع بمعدات للتخلص منها. ومع ذلك يعترف مسؤولون مريكيون وآخرون في امانة العاصمة بان عمليات ازالة النفايات لا تمثل واحدة من أولويات الاعمال في بغداد التي تعاني من ركام من مشاكل اخرى مثل قلة المياه النظيفة والطاقة الكهربائية وعنف المتطرفين.

ويدفع الاهالي في بعض أحياء بغداد الاجور من أجل ازالة القمامة في الشوارع ، غير ان العديد منهم يشكون من انه لا يمكن الاعتماد على هذه الخدمة. كما وتعاني الاحياء الفقيرة من عدم وجود خدمة التنظيف، ويتولى الناس في بعض الاحياء الاخرى جهود التنظيف بانفسهم.

يقول مدير القسم الاعلامي في حي المنصور أزهر عبدالصاحب " منطقتنا كبيرة جدا وفيها أكوام كثيرة من النفايات، بينما هناك عدد قليل من العمال ومركبات التنظيف. وقد قمنا باستئجار عدد من الشاحنات من القطاع الخاص. و مجموع ما لدينا الآن هو 100 شاحنة ، وهو ثلث العدد الذي نحتاج اليه".    

وواصل عبد الصاحب حديثه قائلاً بان المركبات المستخدمة هي شاحنات صغيرة الحجم عادة او عربات يدوية. كما ويدفع مبلغ مابين 10 آلاف الى 15 الف دينار عراقي، أي ما يعادل 8 دولارات ونصف الدولارالى 12 دولار في اليوم لكل عامل وقتي.

وكان مجلس النواب العراقي قد أقر قانوناً يطالب الموطنين بوضع القمامة في أكياس بلاستيكية لتجنب الامراض. وقامت امانة العاصمة بتوزيع الاكياس على المنازل والمحال في المدينة، لكن الخطوة هذه لم تكن ناجحة. كما وأهمل برنامج تمت صياغته عام 2007 لوضع حاويات صفراء كبيرة في كل قاطع لنفايات الاحياء السكنية، وسُرقت غالبية هذه الحاويات حسب قول السكان.

وتقول رئيسة منظمة رُسل الحب والسلام في بغداد، سلمى ضياء نايف " ان وجود القمامة في كل مكان في المدينة أمر غير حضاري. فانها تؤثر على صحة الناس والبيئة أيضاً. ونحتاج الى تثقيف الناس بمدى أهمية النظافة لصحتهم. ولكن لا توجد جماعة او مؤسسة تقوم بذلك، ولا حتى منظمات المجتمع المدني تفعل ذلك، لاننا نعاني من نقص في التمويل والدعم".

وبينما تستفحل مشكلة النفايات باستمرار، يوجه الاهالي والمسؤولون اصابع الاتهام لبعضهم البعض بشكل متزايد.

ويقول مدير القسم الاعلامي في أمانة بغداد، صباح سامي " تبذل الامانة جهودا جبارة لتنظيف المدينة، لكن معظم هذه الجهود تذهب هدراً من قبل المواطنين الذين يرمون الازبال في كل مكان وفي اي وقت يشاؤون. فمثلاً يضع شخص ما القمامة خارج منزله في صندوق غير مغلق اربع او خمس مرات في اليوم، وحين تبحث قطة او كلب ما عن الطعام تتبعثر هذه القمامة في كل مكان. والآن عليك ان تأخذ في الحسبان ملايين من المواطنين في بغداد، وعندها تخيل ما تكون عليه المدينة".

ويزعم سامي بان الفروع الـ 14 لجمع القمامة في بغداد و314 عجلة تفي بالغرض وكافية لجمع القمامة في المدينة، إلا ان "المواطنين يلقون أزبالهم في كل مكان" على حد قوله.

وتملك مدينة نيورك، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 8 ملايين نسمة، 5700 عجلة لجمع القمامة، وذلك وفقاً للموقع الاكتروني التابع لدائرة النظافة في المدينة.

وعلى الرغم من شعور الناس بالاحباط، فان مسؤولي المدينةواثقون من امكانية حل مشكلة القمامة.

يقول المتحدث باسم أمانة بغداد، حكيم عبد الزهرة ، بان هناك خططا للعمل مع قيادة عمليات بغداد، وهي هيئة مسؤولة عن حفظ الامن في العاصمة، لتنظيف الازبال التي تتراكم حول الجدران الكونكريتية . كما وتنوي الامانة أيضاً توقيع عقود مع شركات تركية واماراتية لازالة النفايات وكبسها في موقع شرقي بغداد. وستقوم هذه الشركات بتجهيز الاهالي بحاويات القمامة اضافة الى تنظيف الشوارع ومجمعات تصفية المياه.

وتابع عبد الزهرة بانه سيتم توقيع عقود اضافية مع شركات نمساوية وتركية بحلول نهاية هذا العام، وستكون مسؤولة عن معالجة وتدوير النفايات. وقال بان المشاريع الجديدة هذه ستمكن المدينة من التخلص من 500 طن من النفايات يومياً.

وتتخلص بلدية نيورك يومياً من حوالي 25 ألف طن من نفايات المنازل والمجمعات التجارية.

ورفض عبد الزهرة الافصاح عن اسماء الشركات الأجنبية او الاجراءات المالية، لان الاتفاقيات ما زالت في طور المفاوضات.

ويقول سامي ان امانة العاصمة تعد حملة اعلامية لتوعية المواطنين بالمخاطر الصحية للنفايات وطرق التخلص منها.

ويأمل المسؤولون بان تعزز هذه المبادرة من وعي الناس، وربما تشجع على صياغة  قوانين وتعليمات لمكافحة القاء النفايات في الاماكن غير المخصصة لها.

وبالرغم من أحاديث المسؤولين المطولة عن عزمهم تنظيف بغداد من النفايات، إلا ان حجم الاموال المخصصة لهذا المشروع الضخم يظل غير واضحاً. حيث يقول سامي بانه لا يمكن تحديد رقم معين لتمويل هذه المشاريع، لان مشروع ادارة النفايات هو جزء من ميزانية أكبر لخطة تطوير المدينة والتي تتضمن برامج اخرى.

ويقول عبد الزهرة " لا استطيع حتى اعطاء تقدير عن الكلفة الاجمالية لعملية جمع النفايات في بغداد، لكنني استطيع القول بانها أقل كلفة مقارنة بالدول المجاورة"

واضاف عبد الزهرة " اننا لا ننفق اموالا كثيرة على النفايات مقارنة بدول اخرى، بالرغم من اننا نقوم بعمل عظيم في هذا المجال. لكنني لا أملك رقماً محدداً".

ويقول البغداديون الذين يخشون من تعاظم مشكلة النفايات، بانها مشكلة جديدة نسبياً، آملين في استعادة مظهر مدينتهم.

ويقول أحمد أسماعيل -37 عاما- ويعمل تقنياً في المجال الطبي في احدى مستشفيات بغداد" أتمنى ان ارى بغداد نظيفة مرة اخرى كما كانت في الثمانينيات بل وحتى في التسعينيات. حيث كان جامعو القمامة ومنظفو الشوارع يعملون ليل نهار. كانوا يطرقون ابواب منازلنا لجمع الزبالة. وكانت هناك حاويات في كل حي حيث كان الناس يضعون الازبال فيها بدلاً من رميها في الشارع كما يفعلون الآن".

و أضاف اسماعيل "بغداد كانت واحدة من أجمل مدن الدنيا".

زينب جليل وداوود سلمان صحفيان متدربان في معهد صحافة الحرب والسلام في بغداد. وساهم كل من عبير محمد، كبيرة المحررين المحليين في المعهد و جارلز مكديرمد، محرر العراق في المعهد في كتابة هذا التقرير من بغداد.