Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

القتال من اجل الحب على طول الجبهة الطائفية في العراق

زوجان من طائفتين مختلفتين يصفان صعوبة الحفاظ على زواجهما في زمن الحرب
By Abeer Mohammed
Sectarian tensions have put a huge strain on mixed marriages. Photo by Jamal Penjweny

عبير محمد من بغداد (تقرير الازمة العراقية رقم. 332، 16-نيسان/ابريل-2010)

حين تبادلت فاطمة وياسين نظراتهما الاولى في احد اسواق بغداد، لم يفكر اي منهما في الخلاف القديم بين طائفتهيما والذي سيدفع بلدهما، فيما بعد، الى هاوية التمزق.

فعندما كانت فاطمة تتبضع الملابس، مر ياسين مع اصدقائه. وحين رأته لأول مرة، أدركت فاطمة آنذاك بانها ترغب في رؤيته مرة اخرى.

مرر ياسين رقم تلفونه لها، وفي الليلة نفسها أجريا اول اتصال لينطلقا في علاقة عاطفية لم تعر اهتماما يذكر لاصوله السنية او لجذورها الشيعية.

والهوة الطائفية المؤلمة التي تمزق العراق اليوم، لم تكن قبل عقد من الزمان سوى حالة اختلاف بسيط تم اهماله من قبل الحبيبين بسهولة.

وفي حديث الى معهد صحافة الحرب والسلم، تتذكر فاطمة التي اشترطت عدم ذكر اسمها الحقيقي ولا اسم زوجها " لم تكن هناك مشكلة في ان يقترن رجل سني بامراة شيعية في عام 1999" وتابعت "كانت عائلتي وعائلته موافقتان على زواجنا". 

وفي ذروة الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في عام 2006، كان الزوجان يملكان بيتاً في حي اليرموك غربي بغداد ولديهما طفلين.

وحين تحولت منطقتهما الى معقل للمسلحين السنة، بدى ان التوازن الطائفي يزداد اختلالا داخل عائلتهما.

وبعد تلقيها تهديدات مستمرة عبر الهاتف، رحلت فاطمة اخيرا مع طفليها الى بيت والديها في حي الكاظمية الشيعي.

وظل ياسين في حي اليرموك. وفي احد الايام زار زوجته واصطحب طفليه قائلا لها بانه ياخذهما الى نزهة، لكنهم لم يعودوا ابدا.

وقالت فاطمة " في غضون اسبوع واحد اكتشفت بانه سافر مع الاطفال الى سوريا، وذلك بعد ان اقنعه والداه بان زواجه مني كان امرا خاطئاً".

وتابعت قائلة " اخبراه  بانني حتى لو كنت فتاة صالحة فان اقربائي الشيعة سيقتلونه انتقاما لطائفتهم، واعدا له سلفا الزواج من فتاة سنية في سوريا".

 

ثمن غال

وقد أعاد الصراع الطائفي الذي اعقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تشكليل مئات الاحياء وتراكيبها السكانية، مغيرا من التعايش الاجتماعي الذي استمر قرونا، لكنه نادرا ما استطاع تقسيم العماد الذي بني على اساسه المجتمع العراقي، الا وهو الاسرة.

فلم يتغلغل الصراع كثيراً داخل الاسرة بقدر ما ضرب عميقا المناطق التي كان السنة والشيعة يعيشون فيها جنبا الى جنب.

وتحول الاصدقاء والزملاء الى اعداء يحاولون التخلص من بعضهم البعض في الاحياء والمؤسسات التي كانت الحدود الطائفية فيها تمتزج وتتداخل دون تمييز.  وفي خضم القتال الطائفي غدت كيانات مثل العائلة والعشيرة أكثر قوة، لانها كانت محصنة من التقسيم الطائفي الى حد كبير.  

 ففي ارض تقاسمها السنة والشيعة منذ فجر الاسلام، كانت أغلبية الزيجات تتم بين افراد الطائفة الواحدة. ويعتبر ياسين وفاطمة استثناءا مؤثرا، وهما ينتميان الى اقلية كبيرة نسبياً من الذين لايعير زواجهم اهتماما للتقسيم الطائفي.

وتصالح الزوجان بعد ان اتصل ياسين بفاطمة متوسلا ان تغفر له ومعبرا لها عن اشتياقه. كما ورفض ياسين المراة التي اختارها والداه له، ودعا فاطمة الى سوريا لكي تعيش معه. ولازال الزوجان يعيشان هناك.

وفي حديث لمعهد صحافة الحرب والسلم خلال زيارتها الاخيرة الى اهلها واقاربها في بغداد، قالت فاطمة " كادت الطائفية ان تقتلني وتكلفني عائلتي. لقد اجتزت الخط الفاصل لكنني لازلت اشعر بالألم".

واضافت " مازلت ادفع ثمن العيش في الغربة". وبالرغم من تراجع الصراع الطائفي منذ 2006، إلا ان فاطمة قالت بانها لا تخطط للعودة، فمن الممكن لـ"المناخ الطائفي" ان يهدد زواجها مجددا.

ولا توجد احصائية رسمية عن عدد الازواج الذين تجاوزوا الانقسام الطائفي. فليس هناك اشارة الى المذهب الديني في عقود الزواج، كما ان القانون لا يسمح بالطلاق على اساس طائفي.

 

العنف وتوتراته

وطالب جميع الازواج الذين تزوجوا من غير طائفتهم في مقابلاتهم مع معهد صحافة الحرب والسلم الا نذكر اسمائهم الحقيقية. وقد تشابهت جوانب عديدة من قصصهم بشكل يثير الدهشة، شاهدة على الاصرار العنيد على الحب وسط اتون الحرب.

كما و تفتح قصصهم نافذة على البيئة المحلية حيث التوتر يتأجج عبر مواضيع متعددة كمعتقدات الاطفال، زيارات الاقارب، واخبار السياسة اليومية والتفجيرات وعمليات القتل.

يقول احمد، وهوشيعي في الاربعينيات من عمره، ويعمل في مجال صناعة المحركات "لا مشاكل طائفية بيني وبين زوجتي طالما انها غير مهتمة بالسياسة" ويضيف احمد "زوجتي كانت ومازالت سيدة جميلة".

وقد اقترن احمد بزوجته ميسون، وهي من عائلة سنية ومن نفس الحي، بالرغم من معارضة اخوها في بداية الامر. وقال احمد " اراد التحدث معي على انفراد اذ كان قلقا على اخته. وتحدثنا مطولا حول جميع القضايا الدينية، ومنذ ذلك الوقت اصبح صديقي المقرب".

وتربى أطفالهما على مذهب والدهم. وتقول ميسون بانها تتبنى الصلاة على الطريقة الشيعية بحضور اهل زوجها. وتقول "انزعج احيانا حين اسمع اقربائه ينتقدون رجال الدين السنة الذين يتهونهم باصدار فتاوى بقتل الشيعة".

وتضيف ميسون بان احمد عادة ما يزيل التوتر بملاطفتها الجو بعبارات ساخرة مثل " احب عيونك الارهابية".

وقال احمد ان سنوات القتال الطائفي جعلت من العراقيين جميعهم متوترين. ويتذكر احمد بشعور من الذنب، عودته الى البيت بعد جنازة صديق له قتل في تفجير احد اسواق بغداد.

"كرهت كل السنة في تلك اللحظة" قال أحمد. " واستني زوجتي قائلة سيرحم الله صديقك. لكنني اجبتها بانه سوف لن يرحم السنة الارهابيين."

وتابع احمد " رمقتني بنظرات استغراب لكنها لم تنبس ببنت شفة. أردت الاعتذار لها إلا انني لم أفعل".

 

دماء ودموع

ويبدو ان العنف اليومي والبنية السياسية الهشة للعراق الجديد يمتحنان باستمرار العلاقات بين الافراد الذين ينتمون الى طائفتين مختلفتين.

فالمحاسبة الشيعية، ندى في الثلاثينيات من عمرها، التقت بزوجها حارس الامن السني سليم في حفل زفاف احدى صديقاتها.

" أحببت اعتزازه بنفسه ورغبت في التحدث معه" قالت ندى ضاحكة. " آنذاك لم نكن نتحدث في الدين او السياسة كما نفعل الآن".

وتقول ندى، انها وزوجها تجادلا حول اطلاق الاسماء على اطفالهم. " اردت ان اسميهم اسماء شيعية بينما اراد هو ان يسميهم باسماء سنية". واضافت بانهما توصلا الى اتفاق وسط بشان اسم ابنتهما الكبرى، والذي كان اسما مقبولا لدى الطائفتين.

وبقي على الوالدين ان يقررا على اساس تعاليم اي مذهب سيربون اطفالهم الثلاثة. " لطالما ادت مناقشة تلك النقطة الى خلاف بيننا." قالت ندى.

" من المحتمل اننا سنتبنى مبدأ المحاصصة الطائفية بشان ذلك مثلما يفعل ساستنا، وهكذا يكون أحد الاطفال سنيا والآخر شيعياً وهكذا دواليك". قالت ندى ضاحكة مشيرة بذلك الى النظام الذي يتم على اساسه توزيع المناصب الكبرى من قبل البرلمان.

 واختلف الزوجان في الانتخابات الاخيرة حول الشخص الذي سيصوتان له، مفضلين ان يصوت كل منهما لصالح مرشح بارز في طائفتيهما. وقالت ندى بانهما وصلا في النهاية الى اتفاق ليصوتا لمرشح مغمور يتم اختيار اسمه بطريقة عشوائية.

وتقول ندى " تحدث الازمات بيننا لكننا نتغلب عليها لاننا عائلة ولدينا اطفال، وليس من السهولة الانفصال في علاقة كهذه".

وحاولت بعض العوائل المختلطة طائفيا ان تهدأ من الخلافات من خلال تجنب الاشارة الى الطائفة نهائيا.

وتقول فاطمة بانها تريد ان يختار اولادها المذهب الذي يريدونه عندما يكبرون، ولا تحبذ زيارات اهل زوجها الذين يصرون على ان يصلي جميع افراد العائلة وفق المذهب السني.

واشارت فاطمة الى ان سبب بعض خلافاتها مع زوجها هو التعليقات التي يطلقها اهل زوجها. ويبدو ان والدي فاطمة يميلان الى القاء اللائمة على السنة عند وقوع اي تفجير.

ومن ناحية اخرى، قالت فاطمة بان زوجها اخبرها مرة بان المجازر بحق الشيعة مبررة وذلك بعد علمه باختفاء ابن عمه في احدى المناطق التي يقطنها الشيعة " بالكاد استطعت النوم في تلك الليلة و ندمت على زواجي منه".

وبالرغم من كل هذه الاحداث، تعتقد فاطمة بان استمرار علاقتها مع زوجها برهان على انه يمكن تجاوز الطائفية.

"اريقت الدماء وذرفت الدموع كثيرا باسم الطائفة، لكن يمكن تجنب هذا اذا ما اتخذ الناس خياراتهم". قالت فاطمة.

 

الوظيفة الاجتماعية

وتعقتد عاليه، الموظفة البالغة من العمر اربعين عاما، بان اتخاذ الخيار أمر صعب. وتقول عاليه وهي ابنة احد المثقفن الشيعة بانها لم تعر اي اهتمام لطائفتها الى ان تم اختطاف اخيها وقتله من قبل السنة قبل ثلاث سنوات.

" طلب شخص سني يدي للزواج" قالت عالية، لكن تم رفض الطلب. " أصبحت الامور معقدة، فلا يمكن لعائلتي نسيان دم ابنها".

ويعتقد بان عدد الزيجات المختلطة مذهبيا قد تراجع بشكل كبير خلال الصراع الطائفي عن مستويات التي حظي بها اثناء حكومة صدام حسين العلمانية نسبياً. ومع عودة  هدوء نسبي الى العراق، يلاحظ المراقبون بان هذا النوع من الزواج يشهد تحسناً.

ويقول سليم الموسوي، القاضي وعضو في لجنة حكومية تنظر في الشؤون الاجتماعية " ان اغلبية العراقيين لا يعطون الأولوية للمذهب عند عقد القران"، مضيفا بان التحالفات بين العشائر تتجاوز الاختلافات الطائفية أحيانا.

ويقول فاضل كامل، استاذ علم الاجتماع بجامعة المستنصرية في بغداد، بان شعبية العلاقات المختلطة مذهبيا تزداد في اوقات استباب الامن، مشيرا الى احتمال عملها كوظيفة اجتماعية مفيدة.

" في مجتمع ممزق، تساعد الزيجات المختلطة على التغلب على احقاد الماضي". قال كامل.

ويقول زعماء الدين من كلا الطائفتين بانه لا يوجد حظر رسمي على الزواج بين اتباعهما.

ويقول رجل الدين السني البارز، الشيخ محمد الغريري، ان الاقتران بين ابناء الطائفتين لا يشكل اي تهديد للديموغرافية الطائفية.

" هناك رجال شيعة يتزوجون من نساء سنيات وهناك رجال سنيون يتزوجون نساء شيعيات. اذن فهناك توازن في هذا الامر".

 ومن جهته أكد الشيخ حمدالله الشيهاني، وهو رجل دين شيعي من التيار الصدري الذي يعارض الوجود الامريكي في العراق، بانه لا يوجد اي حظر على الزواج بين ابناء الطائفتين، كما وليس هناك أي الزام بتغيير المتزوجين لمذهبهم. لكنه حذر الشيعة من الزواج بالسنة الذين لا يحترمون المعتقدات الشيعية.

عبير محمد، كبيرة المحررين المحليين بمعهد صحافة الحرب والسلم في بغداد. وساهمت الصحفية المتدربة  في المعهد هند الصفار في كتابة هذا التقرير.