Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

القاعدة تلجأ الى أساليب المافيات في الموصل

عمليات الابتزاز تغذي التمرد في مدينة الموصل المضطربة أمنياً
By Saad al-Mosuli
Insurgents linked to al-Qaeda carry out regular attacks in Mosul. (Photo: Hakar Said/Metrography)

سعد الموصلي- العراق (تقرير الازمة العراقية رقم. 339، 7-حزيران-2010)

أخلي الشارع على  صوت العيارات النارية وتفرق الناس باتجاهات عدة. سقط أحدهم جثة هامدة ضحية لعملية اطلاق الرصاص. وبعد بضع ساعات، غطى أحدهم وجه الضحية بقطعة من الورق، كعلامة على احترام الميت.

هذا ما يحصل في مدينتي الموصل. فمنذ العام 2003 وانا اعمل كمراسل فيها، وخصوصاً في صحفها المحلية، حيث باتت حوادث القتل والخطف أمراً عادياً.

لازال تنظيم القاعدة يزدهر في مدينتي، وهذا بعد ان تمت محاربته واجباره على العمل سراً في أجزاء اخرى من البلاد. فبعد ما كان يعتبر عمودا أساسياً في التمرد المحلي، بات هذا التنظيم والذي يعرف أيضاً باسم دولة العراق الاسلامية، يعمل كعصابات المافيا ويمول نفسه عن طريق الابتزاز وفرض الأتاوات.

وبالرغم من عدم شعبيتها الواسعة، إلا ان اشتهار القاعدة باستخدام القسوة المفرطة جعل منها مرهوبة الجانب. وعلى عكس غيرها من الجماعات المتمردة، فانها لم تحصر نفسها مطلقاً في مقاتلة الامريكيين. وقد أعلنت ومنذ البداية عن استعدادها لقتل العراقيين ايضاً.

وفي أوج الصراع عام 2005 كانت القاعدة غالباً ما تقوم بخطف اعداد كبيرة من الناس. وتلقى جثث المخطوفين وهي مقطوعة الراس بعد ساعات على شوارع المدينة، حيث يوضع الراس المقطوع اعلى الجثة، مرفقاً في اكثر الاحيان بقرص مدمج يحتوي على تصوير عملية ضرب عنق الشخص المخطوف.

ربما لم تعد القاعدة بتلك الجرأة في الوقت الحاضر، إلا انها لا تزال تثير قدرا من الهلع في قلوب السكان.

ولقد نجح الجيش الامريكي والقوات الحكومية العراقية خلال السنوات الاخيرة وبشكل كبير في قطع الطريق امام امداد القاعدة بالاموال والمقاتلين من الخارج.

ونتيجة لذلك فان أغلب اعضاء الجماعة في الموصل الآن هم من أهالي المدينة، من سكان المدينة الاصليين او من العرب الذين نزحوا من مدينة تلعفر المتاخمة للموصل.

و أجبر نقص التمويل الخارجي الجماعة على البحث داخل المدينة عن مصادر مالية، ووجدت أحد هذه المصادر في الاعمال التجارية الكثيرة التي لازالت تزاول هنا، حيث يساعدها موقع المدينة الواقع على طول الطريق التجاري الذي يربط بين تركيا وسوريا وايران وبقية أجزاء العراق.

ويدفع التجار من مختلف المهن التجارية الضريبة للتنظيم، الشيء الذي يساعد على دوران حركة الاقتصاد والتجارة في المدينة، كما ويحافظ على خزين الاسواق المحلية من السلع والبضائع الضرورية ويضمن مرور المواد الانشائية والمنتجات الزراعية عبر الحدود القريبة من مدينة الموصل.

وعلى الرغم من عدم جرأة التجارعلى التحدث في هذا الموضوع مع الصحفيين، إلا ان أحاديثهم اليومية مليئة بقصص عن عمليات الابتزاز ودفع الاتاوات.

وساهمت الشكوك والخوف في تدمير مجتمع التجار الوثيق الصلة ببعضهم البعض، الذين كانوا يشاركون في الماضي بعضهم البعض نجاحاتهم. كما واصابت النشاطات التجارية العريقة في المدينة  باضرار كبيرة، حيث تم استهداف بعضها من قبل قادمين جدد يبدو ان لهم علاقات مع تنظيم القاعدة.

وأخبرني أحد معارفي بان أحد رجال الاعمال الوافدين حديثاً الى الموصل عرض عليه 100 الف دولار مقابل محله التجاري. وبعد البحث والتحقيق وصلته معلومة بان ابنه سيخطف حال عقده الصفقة، وسيكون مبلغ البيع فدية لاطلاق سراح ابنه.

كما وقال صديق آخر يعمل في مجال صيرفة العملات بان جميع أصحاب المحلات التجارية المجاورة له يدفعون الضريبة للقاعدة. اذ يزورهم وكلاء عن القاعدة كل شهر ويهددونهم بالقتل والخطف في حال عدم دفعهم الضرائب.

ورفض صديق يملك مولدة كهربائية دفع الضريبة في البداية، لكنه خضع أخيراً بعد تحذيره من ان مولدته سيتم تفجيرها في حال عدم الدفع.

وأخبرني صاحب محل بانه تلقى مكالمة هاتفية من جماعة مجهولة تطالبه بدفع مبلغ من المال، وذلك بعد دفعه الضريبة الشهرية المفرضة عليه للقاعدة. وأخبر جماعة القاعدة بالمكالمة ، ومن ساعتها لم يزعجه أحد باية مطالب من الجماعة الاخرى.

وليس الاثرياء هم وحدهم الضحايا. فأحد الباعة المتجولين الذي يحصل على 15 الف دينار عراقي فقط  في اليوم (ما يعادل 13 دولار امريكي) يدفع 30 بالمئة من ارباحه كضريبة للقاعدة.

وقد خلق وضع الموصل الامني المتدهور والنزاعات السياسية ، بيئة مثالية لاشتغال القاعدة في المدينة. وتضم المدينة خليطا سكانياً من الكرد والعرب. وبعد مرور اكثر من سنة على انتخابات مجالس المحافظات، لم يستطع قادة القوميتين من التوصل الى اتفاق حول كيفية ادارة المحافظة.

وتشكو الاقليات الدينية، كالمسيحيين، من وقوعهم في فخ التنافس على المصالح من قبل جماعات كبرى.

وبالرغم من ازدحام شوارع الموصل بنقاط التفتيش ورجال الشرطة، إلا انه لا يؤثر على ما يبدو على عمل المتمردين. ونادراً ما يتحدث الضباط الى الصحفيين، مصرين على انهم غير مخولين بالتحدث الى الصحافة. كما وان الناطق باسمهم غير متوفر بالعادة.

كما ويبدو ان القوت الامنية تعيش في عالم آخر مختلف عن الذي يعيشه سكان المدينة. يبدو وكاننا نعيش في واد وهم في واد آخر وتفصلنا الجبال.

وقال لي أحد الاصدقاء بان القوات الامنية تقول الحقيقة، شكلياً، حين تدعي بانها تهاجم من يدعمون القاعدة، وذلك أثناء غاراتها على بعض الاعمال التجارية المحلية.

لكن هذا الصديق قال لي بان تقاريرالسلطات تورد نصف الحقيقة فقط. حيث لا يتفق معظم التجار مع آيديولوجية القاعدة لكنهم يجبرون على دفع الدعم المالي لها.

وقد تعهدت الحكومة بالقضاء على الفساد المستشري في الدوائر الرسمية وعلى نفوذ المتمردين فيها.

ولكن يتساءل الموصليون عن قدرة الحكومة في تحقيق ذلك. ويعتقد الكثير منا بان المتمردين يملكون علاقات وثيقة داخل دوائر المحافظة، خصوصاً وانهم يبدون بانهم على معرفة دقيقة بجميع العقود والصفقات التي تطرحها الحكومة المحلية.

كما ويبدو ان القاعدة استطاعت اختراق القوات الامنية في المحافظة ايضاً.

وقبل فترة أخذ شرطي، وهو صديق لصديقي، اجازته خارج المدينة مع ثلاثة من زملائه. وكان جميعهم يرتدون ملابسهم المدنية ويستقلون حافلة صغيرة مع مدنيين.

وركب أحد المتمردين الحافلة و نادى على اسماء ثلاثة من الرجال الشرطة، طالباً منهم النزول، إلا ان احدهم ابدى احتجاجه قائلاً بانه ترك جهاز الشرطة منذ وقت بعيد.

لكن المتمرد رد عليه باظهاره نسخة من قائمة الرواتب قائلاً "اليس هذا توقيعك يؤكد استلامك لراتبك قبل يومين؟"

واقتيد الرجال الثلاثة الى خارج الباص. الرجل الذي روى القصة يقول، منذ تلك اللحظة لم يسمع عنهم أي شيء.

سعد الموصلي هو الاسم المستعار لصحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلم.