Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الصراع من اجل السلطة في البصرة

توجيه الضربات القوية والحصول على الاعمال المربحة هو الشغل اليومي الشاغل للسياسيين في الجنوب العراقي.
By IWPR Reporters
.



في الربيع الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة بين حزب الفضيلة وجيش المهدي، وهم المجموعة البرلمانية الموالية لرجل الدين المتشدد مقتدى الصدر. تم قتل الكثير، ودمرت مباني وممتلكات تعود لكلا الطرفين.



حاول وسطاء من شيوخ العشائر والاحزاب السياسية وضع نهاية للمواجهات، الا انه وكما قال ابو علي البعاج وهو من الكوادر الوسط في جيش المهدي من ان " الخلافات لم تنته كليا وان الصراع سيبقى مفتوحا بيننا وبينهم".



كان سبب المعارك بسيطا جدا – حيث قام حزب الفضيلة المسيطر في البصرة بأبدال مدير دائرة الكهرباء الموالي للصدر –



خلف واجهات المؤسسات الديمقراطية مثل المجالس وقوات الشرطة، وقعت البصرة- ثاني اكبر مدينة عراقية حيث يسكنها اكثر من 2.6 مليون نسمة- في قبضة الميليشيات المتصارعة التي لا تثق احدها بالاخرى على غرار ما يحصل من تنافس بين عوائل المافيا.



حين بدأ الطرفان الحرب من اجل منصب مدير الكهرباء، انقسمت الشرطة فيما بينها وبدأت استخدام السلاح ضد بعضها البعض ، وصارت سيارات الشرطة تستخدم لنقل اعضاء الميليشيا.



يسيطر حزب الفضيلة على المجلس المحلي لمحافظة البصرة ويسيطر على الكثير من المؤسسات الحكومية هناك. تم تشكيل حزب الفضيلة بعد الاطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 وحصل على 15 مقعدا في البرلمان العراقي. يقود الحزب رجل الدين الشيخ محمد اليعقوبي الذي يعتبر قائدا روحيا، ويعتمد محافظ البصرة محمد الوائلي كواحد من قيادييه البارزين.



ليس للبصرة ما تخسره، ولكن لديها الكثير لتجنيه من سقوط نظام صدام حسين لانها استفادت على الاقل من كل النجاحات التي سبقت عملية التحرير.



اهملت البصرة لاكثر من عقد من الزمان كعقاب لاهلها الشيعة لمساندتهم الانتفاضة التي حدثت عام 1991 ضد حكم نظام البعث.



ولضمان وضع البصرة تحت السيطرة، كان معظم القياديين في البصرة بعد الانتفاضة بدءا من القيادات الامنية الى مسؤلي الحزب والادارة يعينون من قبل السنة المسيطرين على وسط العراق.



يقع في البصرة الميناء الوحيد واكبر حقول النفط، وبدلا من العودة الى ماضيها المجيد من كونها مركز الثقافة والاقتصاد لا يعكر صفوها العنف الطائفي ، فقد اصبحت رمزا ونموذجا للسقوط للنظام السياسي الجديد.



الاحزاب السياسية في البصرة التي شاركت في انتخابات 2005 والقوات البريطانية المنتشرة ساهمت في بناء العديد من المؤسسات وبضمنها القوات الامنية. وحين تم تسليم الملف الامني للسلطة المحلية، كانت جميع تلك الاحزاب موجودة على الارض.



زعزعت الاحزاب وقوات الامن العراقية الامال في اقامة حكم مسؤول.



بسبب سيطرة الشيعة على المدينة، فان المعتقد ليس من العوامل الاساسية في السياسة المحلية. لكن الاحزاب الفاعلة مثل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي ، الصدريون، الفضيلة، والحركات المتنفذة الاخرى مثل حركة ثأر الله تعتمد كلها في شرعيتها على الارضية الدينية الشيعية وتبرر انشطتها العنفية على كونها من متطلبات المعتقد.



لا يتوانى اي حزب تسنده المليشيات في السيطرة على السلطة بسبب عدم وجود خوف من عقاب قد يطاله، ويتصرف احيانا تصرف العصابات الاجرامية اكثر من كونه تصرف قوى سياسية، والفجوة بين الانشطة السياسية والبرلمانية غير واضحة المعالم. استخدمت تلك المجاميع السياسية عملية الانتخابات للمشاركة في نظام يجهلون اساسيات انشائه عن قصد.



وحين يمسكون السلطة، لا يسعون الى الحصول على دعم جماهيري اوالحكم بشكل مؤثر. الخلط بين الادارة الضعيفة وانتشار الاعتداءات وسياسة التخويف يفقدهم الدعم الجماهيري المطلوب. ترتكز سلطتهم على مقدرتهم في توفيرقوة الحماية ا وتحقيق الانتقام .



في النهاية، صار من الصعب توفير نظام ديمقراطي حيث لايحترم القادة الاسس المعتمدة مثل المصداقية الجماهيرية، احترام الاقليات، والانتخابات النزيهة.



قال غسان العطية المقيم في لندن والذي هو اصلا من البصرة" دون نخلة ليس هناك تمر. دون ديمقراطيون، ليس هناك ديمقراطية".



باستثناء الكهرباء التي تحصل عليها البصرة الان من ايران والتي ينعم بها الناس 20 ساعة باليوم، فان البنى التحتية الاخرى شهدت تحسنا بسيطا. بقي توفير الماء على سوئه الذي كان عليه قبل الحرب مما يضطر المواطنين لشراء الماء الصالح للشرب. جمع القمامة اسوا مما كان عليه قبلا والازبال تملأ الشوارع.



شهدت اعمال اعادة الاعمار والرعاية الصحية، التعليم والمجاري القليل من التحسن. يقول المسؤلون المحليون وبشكل مستمر انهم مهمومون بأشياء اخرى اكثر اهمية مثل الامن مما دعاهم بالنتيجة للتضحية باعمال اعادة البناء.



ليس لدى الاحزاب السياسية ما تعطيه فيما يخص البرامج غير افكارهم الاسلامية المتصلبة. اجبرت النساء على لبس الحجاب، واضطر المسيحيون في البصرة الى ترك المدينة، وهدرت الاحزاب السياسية الكثير من وقتها في لوم بعضها يعضا كونها تقف وراء العنف، الفساد، وسوء الادارة.



يتهم البعاج قائد جيش المهدي حزب الفضيلة والمحافظ الوائلي بسوء الخدمات العامة والفساد وقيادة حملات الاغتيالات والخطف لاعضاء الجماعات المنافسة لهم. رغم كون البصرة امنة بالقياسات العراقية، تقول الشرطة ان هناك مابين ثلاثة الى عشرة من حالات القتل والخطف تحدث يوميا في البصرة يقوم بها متنفذون فاعلون.



يتهم البعاج ايضا المسؤولين المحليين باعطاء المناقصات والمقاولات الى اقاربهم الذين لا تتم مسائلتهم او محاسبتهم حين يكون تنفيذ المشاريع غير مطابقا للمواصفات او في حالة التأخير في مدة التنفيذ.



يرفض عضو حزب الفضيلة ابو زينب العيداني ما يشاع بان الحزب يقف وراء العنف.



وقال "الفضيلة غير متورط بالعنف الطائفي وتهجير السكان. رفضنا ان يكون لنا ميليشيا لان ذلك من الامور التي لا يمكن السيطرة عليها".



ويصر على ان الحزب عمل جيدا في السيطرة على البصرة, "البصرة اوفر حظا من بغداد في مجال الخدمات العامة والامن بسبب الاشراف المباشر لليعقوبي والخطط التي يضعها المحافظ الوائلي بالرغم من العوائق التي يضعها بعض المسؤلين الكبار في المحافظة. انهم جزء من حملة العنف ضد حزب الفضيلة واتهامه بسرقة الاموال والنفط.



وبحسب العيداني فان الجماعات الشيعية المنافسة الاخرى ترى في حزب الفضيلة عقبة في طريقهم لانه يعارض فكرة تقسيم العراق الى فدراليات. واضاف "نحن الحزب الوحيد الذي لديه اجندة وطنية".



يتفق يوسف الموسوي السكرتير العام لحزب ثأر الله الاسلامي بوجود "حوار ساخن من اجل السيطرة على المدينة"، الا انه يلقي باللوم على المحافظ والمتحالفين معه بالوقوف وراء تفجر العنف.



واضاف "99% من عمليات القتل والخطف تقوم بها السلطات المحلية".



يقول الموسوي ان حزبه يريد حكومة محلية كفوءة يكون موظفوها من ذوي المهارة والقابلية ولا يعينون بحسب المحاصصة الطائفية.



يقول منتقدو ثأر الله ان الحزب بنى شهرته باستعماله القوة.



يأتي يوميا العشرات من الناس الى مقر الحزب املا في حل مشاكلهم من قبل الميليشيا المرتبطة بالحزب. البعض يبحث عن حماية من ميليشيا اخرى، والبعض الاخر يتوسط للحصول على وظيفة لاحد اقربائه في الجيش او الشرطة.



بغير انشغاله بمثل تلك الامور، فان الحزب معروفا باغتياله لاعضاء حزب البعث السابق وتجار بيع المشروبات الكحولية، او يتم استئجارمنتسبيه كقتلة لمن يدفع اكثر.



في غياب الالية المؤثرة للتقويم، فأن الميليشيات مثل ميليشيا ثأر الله تصبح هي مصدرتوزيع الحماية والعدالة.



يقول الموسوي بفخر" لقد انشأنا مكتبا للقضايا الاجتماعية لحل المنازعات العشائرية والتوسط بين العشائر والقبائل المتنازعة في الاقليم".



على كل حال، لتحقيق السلام في البصرة معنى مختلف.



اوضح احد قادة ثأر الله تكتيك الحزب للاطاحة بحزب الفضيلة في الانتخابات القادمة التي من المزمع اقامتها نهاية هذا العام. " اخبرت جميع اعضاء مجلس المدينة بأن عليكم ان تختاروا، ام ان تصوتوا ضد المحافظ او تموتوا".



الصراع الحقيقي في البصرة الغنية بالنفط هو حول من يسيطر على الثروات. تصدير النفط بشكل غير قانوني والسيطرة على الامن والثروات العامة هي من مصادر الثروة المهمة بالنسبة لجميع الاحزاب وهي الهاجس الذي يعتريهم جميعا.



ظهرت موازنة القوة الهشة عندما صار حزب الفضيلة هو القوة الحكومية المسؤلة عن حماية النفط وعن الانتاج ومحطات التصدير. بينما يسيطر الصدريون على الشرطة وعلى جهاز حماية المنشات وميناء البصرة. وجنبا الى جنب مع حزب الله العراقي الضغير، لإان لهذه الاحزاب حضورا في دائرة كمارك الشرطة في حين يسيطر المجلس الاعلى الاسلامي العراقي على جهاز المخابرات وعلى الوحدات الفدائية المجهزة بشكل جيد والتي تعمل تحت امرة وزارة الداخلية في بغداد.



بالمقارنة مع بغداد، فان البصرة تبدو هادئة، ولكن اي تغيير بسيط في الموازنة القلقة قد يقود الى تصاعد العنف .



يستعد سياسيو ومسؤولو البصرة الى معركة طاحنة للسيطرة على المحافظة اذا لم يصار الى اجراء الانتخابات المبكرة.



بينما يحاول رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اجراء الانتخابات هذا العام، يجري العمل لانشاء مفوضية جديدة للانتخابات.



يرغب منافسو الفضيلة لاجراء الانتخابات اليوم قبل الغد ويحذرون من مغبة عدم اجرائها.



حذر الموسوي القائد الصدري قائلا "نحن جاهزون للمعركة القادمة والكتل الكونكريتية سوف لن تحميهم – يقصد الفضيلة – ، اذا لم تجري الانتخابات، سنضطر الى طردهم بالقوة".



بقي العيداني واثقا من فرص الحزب الذي يقود الامور هناك وقال " الكثير من الناس تراهن على ان الفضيلة سيخسر الانتخابات القادمة، لكنهم سيصدمون لاننا نملك قاعدة من الاسناد الجماهيري وسنبقى ماسكين بزمام الامور".



سيبقى السكان هم الخاسرون في حالة فوز اي حزب. الكثير يقولون انهم يريدون خدمات عامة جيدة ومسؤلين على قدر المسؤلية.



قال شرطي المرور احمد الحساوي "زرعت الاحزاب الدينية والتحالف الخوف والهلع بين الناس لضمان غلق افواههم. وقد خلق هذا اناسا خائفين لا يجرئون على محاسبة المسؤل حين يقصر في اداء واجبه".



"انا لا اكترث لاسم وطريقة الحزب الذي يقود المحافظة. ما يهمني هو ماذا سيقدم لي ولاطفالي".



على كل حال ، ستبقى البصرة ستواجه مطب اخر قبل الانتخابات. بعد اقالة المالكي للمحافظ الوائلي، هدد حزب الفضيلة بقيامه باحتجاجات في الثلاثين من تموز. الا ان تلك الاحتجاجات الغيت في اللحظات الاخيرة بعدما تسلم الحزب تطمينات بان بديل الوائلي سيكون من نفس الحزب وليس من الاحزاب المنافسة.