Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الصحفي الذي أدار ظهره لعمله

العنف يجبر صحفي عراقي على التخلي عن عمل واعد مع صحيفة عالمية
By Khalid al-Ansary
Bomb attacks are among the many threats faced by journalists working in Iraq. (Photo: Sirwan Aziz/Metrography)

خالد الانصاري (تقرير الازمة العراقية رقم. 342، 25-حزيران-2010)

لم يكن الانفجار دموياً مقارنة بانفجارات اخرى في بغداد ، ولم يكن الاول الذي يشهده آزاد، لكنه كان كافياً لجعله يدير ظهره لمهنة الصحافة.

وكان آزاد بالكاد قد أمضى ثلاثة اشهر في العاصمة بغداد يعمل مترجما لاحدى الصحف العالمية. وقد بدى العمل في البداية لشاب ذكي ونشيط مثله، بمثابة جواز سفر الى مستقبل زاهر.

وكانت عبوة ناسفة قد انفجرت على بعد بضعة مئات من الامتار منه في أحد الاحياء حيث كان يستأجر غرفة ، مما ادى الى مقتل شرطي وجرح ضابط و اثنين من المواطنين.

وفي ليلة الانفجار تلك، قرر آزاد حزم أمتعته والعودة الى مدينته، "على المرء أحيانا ان يفعل ما هو مطلوب منه وليس ما يريده" قال آزاد ذلك وهو يستذكر قراره الذي اتخذه في حينه " لم استطع تحمل دموع والدتي وتوسلاتها الي بالعودة".

واضاف " لم تكن الصحافة قدري".

واشارت احصاءات سنوية نشرتها منظمات لحماية الصحفيين الى ان عدد الصحفيين المقتولين في العراق خلال العقد الأخير يفوق عدد القتلى من الصحفيين في اي نزاع آخر خلال الـ 50 سنة الاخيرة. وتبرز حصيلة القتلى هذه مخاطر مهنة الصحافة في العراق، لكنها لا تبرز المشهد بكل تفاصيله.

فالى جانب هذا الكم من الصحفيين القتلى، هناك عدد لا يحصى من الذين تركوا مهنتهم بسبب العنف المنتشر في البلاد.

ولايوجد سجل بعدد العاملين الاعلاميين الذين يندرجون ضمن هذا التصنيف، حيث لم يتم الاشارة الى تخليهم عن مهنتهم بنفس الطريقة التي يتم فيها تسجيل قتلهم والاعتداءات التي يتعرضون لها. ولكن مع ذلك فان تاثير تخليهم كان مدمراً على حرية الصحافة.

وقصة آزاد هي واحدة من قصص عديدة. لقد أصبحنا اصدقاء خلال الفترة الوجيزة التي قضاها كزميل لي في مكتب الصحيفة العالمية. وبعد مرور حوالي سنتين على آخر لقاء لنا في بغداد، التقيته ثانية في مدينته السليمانية في اقليم كردستان العراق. 

وكان يبدو عليه بانه يعيش حياة أكثر انتظاماً بعد ان اقترن بالمرأة التي كان يحبها. كما وجد عملاً في قسم الموارد البشرية في شركة اتصالات كبيرة.

وقال آزاد " لا أشعر بالخطر هنا، ولم أعد هدفاً للارهابيين".

ودافع عن قراره بترك الصحافة " كلما كنت اسمع انفجاراً بقربي كنت اشعر باقتراب الموت مني،  ولهذا تساءلت لماذا علي ان ابقى؟"

لكنه اعترف بانه مازال يُسائل نفسه ماذا كان سيحدث لو ظل في بغداد.

وأضاف " لقد قبلت العمل مع هذه الصحيفة العالمية بسبب شهرتها. ولازلت أتخيل نفسي اعمل فيها كلما أبحث أسمي في غوغل. فبدلا من مساهماتي العشرين الآن في الصحيفة ، اقول لنفسي،  لكانت عندي الآن 200 لو بقيت أعمل فيها".

"لطالما أردت أن أصبح مشهوراً. ومنذ كنت في الثانوية أردت ان أصبح مذيعاً للاخبار".

وقد نشا آزاد في منطقة كردستان التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في زمن عصيب جداً، كان الاكراد فيه محاصرين بسبب انتفاضة دموية ضد حكم صدام الرئيس السابق صدام حسين.

ففي تسعينيات القرن الماضي عانت المنطقة بشكل مضاعف ، اولا نتيجة للحصار المفروض من قبل صدام  وثانياً بسبب الحصار الاقتصادي الدولي المفروض على العراق من قبل المجتمع الدولي.

وبذل آزاد جهداً كبيراً في الدراسة لكنه لم يكن راضياً عن نتائج امتحاناته، وتخلى عن احلامه في ان يكون طبيباً، مركزاً نشاطه على تحسين لغته الانكليزية.

وكغيره من الشباب الاكراد حاول الوصول الى أوربا الغربية وايجاد عمل يقدر من خلاله على اعالة عائلته. ودخل تركيا مرات عدة على أمل الذهاب الى دول اخرى بطريقة غير شرعية.

لكن الامر كان ينتهي به دوماً بالقاء القوات الامنية القبض عليه. لم يكن يمضي فترات طويلة في السجن وذلك بسبب استخدامه اسماء وهويات مختلفة.

وكانت كل محاولة فاشلة ترفع من المبلغ الذي كان يدين به للمهربين الذين كانوا يهربون العراقيين خارج الحدود. ومن أجل ان يدفع ديونه هذه، اشتغل معهم لفترة قصيرة كدليل للاشخاص الذين سيصبحون مهاجرين فيما بعد.

وحين التحق آزاد بمكتب الصحيفة العالمية، أذهلتني روحه المتمردة واصراره على النجاح في العمل في بيئة في غاية الصعوبة.

وكان قد غادرمنزله في كردستان في وقت كان فيه معظم الشباب من البغدادين المتعلمين يتمنون الذهاب الى كردستان. حيث بدت منطقة الاقليم كجزيرة للامان والازدهار بينما كانت الصراعات تمزق بقية العراق. 

وبالرغم من ان شعره كان طويلاً، إلا انه كان يخفيه تحت قبعته تجنباً لاثارة انتباه الناس. فقد كان يوصم صاحب الشعر الطويل في شوارع بغداد بالخائن بسبب تقليده للتقليعات الغربية.

ولكونه كردياً يعيش في مدينة عربية، لم يكن لآزاد أصدقاء كثيرون ، وكان يبدو خجولا وحذراً، كما وكانت لغته العربية ضعيفة ، وفي احيان كثرة يخلط بين الضمائر وياخذ وقتا ليفهم مانقوله. وفي احيان اخرى بدى شارد الذهن وكان فكره لايزال مع عائلته وخطيبته.

وقد سعيت لمساعدة آزاد في تطوير لغته العربية وتعريفه بالمدينة، وبدأ يبني تدريجياً صداقات ويطور علاقاته واتصالاته مع الآخرين.

اغرق نفسه في العمل، لكنه كان يرتعب من فكرة انه لم يكن بمنأى عن اعمال العنف وكانت الانفجارات التي ترسله الصحيفة لتغطيتها تقلقه بشكل خاص.

ويقول آزاد " حدثت احدى الهجمات بالقرب من شقتي" واضاف " وذهبنا انا وزميلي لتغطيتها، لكننا لم نستطع تدوين ملاحظة واحدة او تسجيل اي شيء لان الوضع كان في غاية الخطورة. كانت رائحة اللحم المشوي تفوح من الشارع وقد رأيت يد امراة مبتورة وبركا من الدماء في كل مكان".

وفي مناسبة اخرى كان آزاد يخطط للذهاب الى حي الكرادة ببغداد، لكنه عدل عن خطته هذه في اللحظة الاخيرة وقبل ان يتم تفجير المنطقة مباشرة.

ان أحداثاً مثل هذه ساهمت في اتخاذ آزاد قراره النهائي بمغادرة بغداد.

"أومن بان لله طرقا خاصة في تحذير الانسان من المخاطر" قال آزاد. " فضلت أن اكون عاطلاً عن العمل على ان يكون لي عمل واعد أواجه فيه الموت".

لم يزل آزاد يتابع الاخبار على الانترنيت من موقع عمله الجديد في السليمانية.

ولم يزل ذلك الانسان المفعم بالحيوية، والذي يسعى لتحقيق احلامه. وبعد ترشح أحد أصدقائه للبرلمان في الآونة الاخيرة، يفكر آزاد في دخول المعترك السياسي.

"لوكنت بقيت في بغداد لأقمت علاقات جيدة مع القادة السياسيين، ولكان هذا أمراً جيدا لمهنتي"

خالد الانصاري صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلم في بغداد. تم تحرير هذا المقال من قبل نيل آرون، محرر قسم تقارير الازمة العراقية في بغداد.