Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الخط الأمامي لجبهة الفلوجة

نفى صحفيو معهد صحافة الحرب والسلام تهمة التجسس والتعاون من أجل التحدث مع
By

بقلم: *عقيل جبار, محمد فوزي وضياء رسن ـ الفلوجة


كان أقرب مكان وصلنا اليه على الطريق الرئيس من بغداد الى الفلوجة هي نقطة تفتيش أمريكية خارج مدينة أبوغريب على مسافة (20) كلم من مقصدنا.


وعندما اقتربنا من النقطة, أخبرنا السواق العائدون بالاتجاه المقابل, اننا بحاجة الى اكمال رحلتنا على الطرق الخلفية. وصاح احد سواق الأجرة وهو يمر بنا "ان الطريق مفتوح فقط لمن تجاوزوا الخمسين". ويمنع مرور الأشخاص في عمر القتال من أمثالنا.


وتحولنا الى الطرق الجانبية التي تخترق البساتين والحقول في وادي نهر الفرات, نسأل من نصادفهم عن الطريق الى الفلوجة.


الطريق معروف جيداً, لقد استخدمه المتطوعون خلال الأسبوع الماضي لنقل الأسلحة والمؤن. ان الممنطقة الريفية في المسافة ما بين بغداد والفلوجة معروفة بعشائرها القوية, وبتعصبها السني وتقاليدها في الخدمة العسكرية. ان المدن هنا أكبر بقليل من شوارع الأسواق المغبرة, محاطة ببساتين النخيل وأشجار الحمضيات.


ان هذه المدن تبدو اليوم مهجورة, وجميع الدوائر الحكومية مغلقة, وتقرأ بعض الشعارات المكتوبة على الجدار المجاور ويقول أحدها "الى أي أمريكي: قل مرحباً للمجاهدين قبل ان يقتلوك".


منذ ان دخل الأمريكان للفلوجة يوم 4 نيسان قام سكان هذه المنطقة, والعديد منهم له صلات عشائرية مع سكان المدينة المقاتلة, بشن هجمات تضامن ضد الدوريات العسكرية الأمريكية التي تمر في المنطقة.


ويقول السكان ان الأمريكان بالمقابل أخذوا يغلقون الطريق السريع, ويطلقون النار على أي واحد يتحرك خارج المدن. أخبرنا الأطباء في المشفى الرئيس في أبوغريب ان (24) مدنياً عراقياً قتلوا في الأسبوع الماضي وحده, كان من بينهم الصبي أنور عزيز وعمره (11) سنة. ويقول الأطباء ان الجنود أطلقوا النار عليه عندما ألقى حجارة على سيارة (هامر) مارة. وقد هشم الرصاص معظم صدره, ويعتقدون ان الجنود لابد وان تصوروا ان الصبي يرميهم بقنبلة يدوية.


وقد أخذنا أحد الأصدقاء لرؤية والد الصبي, عزيز محمد الحيالي. وقد رحب بنا الرجل في بيته, ونفس عن غضبه, وسألنا "هل ان ولدي ارهابي؟ هل هدد الأمن؟ انه مجرد طفل, لكنه يكره الاحتلال, وكان الرصاص جواباً على حجارته. ان دم ابني لن يذهب هدراً, وسوف ننتقم له".


وواصلنا رحلتنا.


وفي مدينة الكرمة, على مسافة نصف كلم من الفلوجة, وكان القتال قد توقف مؤخراً, كانت ثمة سيارتان (هامر) محترقتان عند مدخل المدينة ـ واحدة في الشارع, والثانية تحطمت في مجرى النهر المجاور وكانت بمثابة شاهد على شدة القتال, اضافة الى الثقوب التي أحدثها الرصاص في جدران البنايات.


كذلك كانت مراكز الشرطة مهجورة, وفي الداخل شاهدنا رجلاً بساق واحدة يملأ سيارته البيكاب بأجهزة استقبال المحطات الفضائية بمساعدة ولديه البالغين. وكان يسخر من الشرطة لهروبهم, ويتساءل "الى أين تتصورون انهم قد ذهبوا؟" لقد هرب معظم السكان عبر الصحراء خلال الفترات التي يتوقف فيها القتال, بينما عبر الآخرون عن غضبهم تجاه مشاة البحرية لتحويل مدينتهم الى ساحة معركة.


وصرخ عبد عيد وهو يشير الى بقايا ثلاث أغلفة معدنية لصواريخ (نار جهنم ـ 114أجي أم) التي اطلقتها الطائرات السمتية لتنفجر في داره "ان بوش ليس بحاجة لحفر مقابر جماعية فهو يهدم بيوتنا على رؤوسنا".


وعلى الرغم من غياب الشرطة, فما يزال هناك من يراقب الأمور. توقفت سيارة البيكاب, وتلاشى ضجيج الأصوات, ترجل من السيارة رجلان غطيا وجهيهما بيشماغين مرقطين باللونين الأحمر والأبيض من النوع الذي يفضل المتمردون ارتداءه. طالبانا بتعريف أنفسنا, وان يطلعا على هوياتنا. وسألنا أحدهما "هل أنتم جواسيس؟" واقتنعا باننا صحفيون, ثم أشارا الى الزميل عقيل وقالا "انت تأتي معنا, والبقية, ينتظرون هنا".


وشدا عصابة على عيني عقيل, ووضعاه في سيارة البيكاب. واخبرنا عقيل لاحقاً انه شعر بالخدر, وقال "لا أستطيع وصف تلك اللحظة, فقد كنت أرى الموت أمامي تماماً". ولكن أحد المتمردين قال له "نريدك فقط ان تقابل أبا وليد". عندها شعر عقيل بالراحة.


وظهر ان "أبو وليد" هو قائد مجموعة من المقاتلين وكان قناصاً في القوات الخاصة العراقية, واشترك في جميع الحروب التي خاضها العراق ضد الايرانيين, والمتمردين في أهوار الجنوب, وضد الأمريكان في عامي 1991 و2003. ويزعم رجاله انه لم يخطئ في طلقة واحدة أبداً.


وبعد عشرين دقيقة, أزيلت العصابة من عيني عقيل, فرأى أمامه رجلاً يرتدي سروال بيجامة وقميصاً بأزرار.وكانت عيناه فقط تظهران من خلال يشماغه, وكانت الى جانبه بندقية القنص الروسية (دراغانوف) التي لا تعطى إلا الى النخبة من العسكريين العراقيين. كل شيء عن الرجل, الغرفة,والسلاح يشي بالنظافة تماماً. وبصوت متمهل وعميق, اخبر ابو وليد عقيلاً, انه قد جلب الى هنا لكي "تعرف القوات الأمريكية قوتنا".


وقال أبو وليد ان القول بان خسائر الأمريكان في العراق بلغت (70) جندياً قتيلاً منذ نيسان هو محض كذبة, ويؤكد قائلاً "انا نفسي ربما قتلت (100) جندي. وندمر كل يوم (3) عجلات في الأقل في منطقة الكرمةفقط, عند مدخل الفلوجة. ان الأمريكان كاذبون".


وسخر أبو وليد من مطلب الأمريكان بتسليم المسلحين الذين قتلوا مقاولي وزارة الدفاع الأمريكية الأربعة يوم 31/ آذارالأمر الذي تسبب في الهجوم الأمريكي, وقال "هؤلاء الناس (المسؤولون عن القتل)ليسوا من الفلوجة. ولكن حتى لو كانوا كذلك, فليس هذا سبب يبرر قتل (700) شخص". في اشارة الى عدد القتلى المدنيين على وفق ما ذكرته مصادر المشافي المحلية.


وتوقع أبو وليد بان عدد المتمردين سوف يزداد, وقال "فيما سبق كان الكثير من الناس لا يحبون المقاومة, والآن فان هناك الكثيرين ممن قتلت عوائلهم. وهم الآن يرغبون في الانتقام لعوائلهم".


وقدم أبو وليد الى ضيفه طعام الغداء وهو عبارة عن أطباق من الرز والبزاليا الخضراء واللحم. ثم غادر المكان. وتم شد العصابة مرة أخرى على عيني عقيل واقتيد عائداً الى حيث ينتظره زملاؤه القلقون والذي أكمل كل واحد منهم تدخين علبة سجائر أثناء غيابه.


وعند عودته, كانت الشمس قد انحدرت نحو المغيب, وبات طريق العودة الى بغداد شديد الخطورة. وقد ضيفنا أحد رجال المدينة في بيته, ومع ان الليلة كانت هادئة إلا ان نومنا كان متقطعاً. وفي الصباح التالي استأجرنا أحد الشباب ليكون دليلاً لنا, وانطلقنا مرة أخرى على الطريق نحو الفلوجة.


ان المرحلة الأخيرة من رحلتنا كانت ستأخذنا عبر جسر على أحد روافد نهر الفرات,ومن ثم الى داخل المدينة المحاصرة. وبينما كنا نقود السيارة على طريق ترابي باتجاه الجسر, دوى في الجو صوت انفجار قوي تصاعد من البساتين عبر النهر. توقفنا لنراقب, وشاهدنا طائرة حربية من نوع (ف ـ 16) تحوم فوقنا, ثم انقضت الى الأسفل وأطلقت الصواريخ.


حاولنا اجراء اتصال هاتفي باستخدام هاتف الثريا لدينا, وفي تلك اللحظة تماماً, رأينا رجلين مقبلين على الطريق, غير مسلحين ووجهيهما مكشوفين ( بلا يشماغ), لكننا عرفنا انهما من المتمردين يقومان بمراقبة الطريق. وعندما اقتربا منا طالبانا بابراز هوياتنا, وسألا ان كنا من المتطوعين للالتحاق بالقتال. لم تكن لهجتيهما عراقية, ربما سورية.


وعندما كنا نتحدث مرقت الطائرة (ف ـ 16) منخفضة فوقنا, فالقينا جميعنا بأنفسنا في الخندق المجاور, وبعدما صعدنا, اصبح الرجلان يشكان تماماً ان اتصالنا الهاتفي بالثريا كان محاولة لاعطاء إحداثيات موقعهما, ولم يعودا يعتقدان اننا قدمنا لنتطوع كمجاهدين. وسألنا أحدهما بغضب "هل أنتم جواسيس؟ ماذا تفعلون هنا؟ وبمن تتصلون؟"


ولم ينبس دليلنا ببنت شفة, لكننا بالمقابل شعرنا بالغضب, وزعمنا قائلين "كيف يمكن ان تقول شيئاً كهذا؟ نحن عراقيون, نحن مسلمون, وقد جئنا الى هنا لمساعدتكم, لأن الأمريكان لا يقولون الحقيقة عن خسائرهم". وأظهرنا لهم صوراً للمنازل المهدمة في الكرمة.


هذا العرض للكرامة جعلهما يقتنعان, لكنهما قالا انهما اعتقلا وأعدما ثلاثة (جواسيس) قبل يوم. وقال أحد الرجلين "كانوا مثلكم ـ كانوا طلبة, ولديهم سيارة وهاتف ثريا". لم يكن بامكاننا ان نعرف فيما اذا كانا يقولان الحقيقة, او انهما يحاولان إخافتنا, ولكننا لم نحاول ان نسأل عن أية تفاصيل أخرى.


وتركنا الرجلان, وقادنا دليلنا الى النهر, ومن هناك نقلنا أحد الصيادين في قاربه عبر النهر, وواجهنا مرة أخرى اثنين من المتمردين, وقد اقتنعا بتوضيحنا باننا قدمنا الى هنا لكي "نظهر للعالم جرائم الأمريكان". وقادنا الرجلان الى البستان حيث مقر المتمردين.


وعندما اقتربنا من البستان, رأينا اثنين من المتمردين الملثمين يحملان رجلاً مصاباً بجرح كبير في صدره. ووقفنا صامتين بينما جلب المتمردان (15) جثة من جثث رفاقهم الميتين, ودفنوا الجميع في قبور غير عميقة. وكان ثمة رجل مسن واقفاً يرتل آيات من القرآن الكريم.


وبدا ثلاثة من القتلى في مقتبل العمر, مما دفع احد المتمردين الى الصراخ مشيراً الى القتلى وهو يقول "كلهم تقل أعمارهم عن (15) سنة. انظروا ماذا يفعل الأمريكان". وعندما انتهى الدفن, تحركنا الى أقرب نقطة من الخطوط الأمامية. وتوقفنا على مسافة (50) متراً تقريباً وراء مواقعهم المتقدمة. وبالقرب من مستودعات ذخيرتهم لنراقب المعركة المستمرة.


وفي الساعتين التاليتين, كنا نراقب بينما كان الرجلان الملثمان يغدوان جيئة وذهاباً من والى خنادقهم الأمامية ينقلان قذائف (آر بي جي) وشواجير الكلاشينكوف وأحزمة من الذخيرة لرشاشات (بي كي سي) ومدافع (دوشكا) الآلية لاطلاق القذائف الصاروخية.


وأخبرنا أحد المتمردين, عندما سمعنا دوي قصف شديد الارتفاع, انه دوي صاروخ مضاد للدبابات يطلق عادة من الطائرات السمتية وقد كان غنيمة من مخازن الجيش العراقي بعد الحرب. ان الرجل الذي أطلق الصاروخ لابد وانه قد كسى نفسه بملابس اضافية منقوعة بالماء للوقاية من النار الخلفية الراجعة. وحتى لو فعل ذلك فانه سيصاب بالحروق , كما اخبرنا المتمرد.


وشكل الجسر درعاً يحمي المقاتلين من القوات البرية الأمريكية فيما كانت ناقلات الأشخاص المارة تطلق صليات البنادق الرشاشة وقذائف مدافع الهاون التي تمرق من فوق رؤوسنا بلا أذى. ومع ذلك, فقد ظهرت طائرات أباتشي السمتية لست مرات وهي تطلق قذائفها وتصوب المافع الرشاشة من عيار (30) ملم نحو الأشجار.


وأطلق احد المتمردين صاروخاً حرارياً من مدفع (ستريللا) المحمول على الكتف, لكن طائرة الأباتشي راوغت بحركتها فاختفى الصاروخ في الفضاء دون ان يصيبها.


ومن خلال المنظار المقرب الذي زودنا به أحد المقاتلين, شاهدنا سيارتين من نوع (هامر) تحترقان مع ناقلة جنود على جانبنا من الجسر ـ ويقول المتمرد ان هذه هي نتيجة كمين صباحي شكل بداية المعركة, إلا انهم لم يتمكنوا من قتل أي واحد منذ ذلك الحين. وقال أحد المتمردين "ان السيارات مزودة بمجال مغناطيسي يضلل قذيفتنا فتخطيء الهدف".


وسألنا عن مصير وقف اطلاق النار الذي من المفترض ان يكون نافذاً في ذلك الوقت, فأخبرنا أحد المقاتلين ان الأمريكان خرقوا ذلك الاتفاق بمحاولتهم اقتحام الفلوجة عبر الجسر. وقال "لقد دافعنا عن الجسر, فلا يسعنا السماح لهم بالدخول. لا توجد أية ثقة بالأمريكان".


وتركنا المقاتلين لمعركتهم, وعدنا ادراجنا الى سيارتنا, فيما استمرت قذائف (آر بي جي) والمذنبات النارية تروح وتجيء فوق النهر, بينما كان الصياد يجذف للعودة بنا.


يبدو جلياً ان الطريق الى الفلوجة لن يعود سالكاً في وقت قريب.


*عقيل جبار, محمد فوزي وضياء رسن ـ صحفيون متدربون في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد