Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

الأرامل، الضحايا الصامتة لهجمات الأنبار.

نساء ينتظرن رواتبهن المعاشية كانوا بين القتلى والجرحى في الهجوم الانتحاري المزدوج.
By
30 عاماً وهي من سكان الانبار، بوعد بانه سيكون يوم عيد للعائلة.



فقد قالت في الصباح الباكر لأولادها الأربعة بانها ستطبخ عشاءاً كثيراً بعد ان تتبضع بالراتب المعاشي للأرامل الذي كانت ستتقاضاه في ذلك اليوم. كما وأستعارت فستان جارتها الجديد لترتديه وهي تزور قبر زوجها على طريقها.



وبعد أقل من ساعة بعد ذلك، كانت حليمة تنتظر ان تقبض راتبها المعاشي حين هاجمت شاحنة مفخخة المجمع الحكومي الرئيسي لمحافظة الأنبار، حيث كانت الناس تنتظر في طابور لتقبض رواتبها المعاشية.



وبعد فترة قصيرة كانت ترقد في المستشفى تغطيها الضمادات والأنابيب المتداخلة.



قتل الانفجار المزدوج في الرمادي، عاصمة محافظة الانبار، 30 شخصاً وجرح أكثر من مئة شخص. وبالرغم من ان الهجوم أستهدف مسؤولين كبار إلا ان مدنيين، على الاقل سبعة نساء وثلاثة أطفال، كانوا بين القتلى أيضاً.



يتضمن المجمع الحكومي بناية استشارية المحافظة ومركز للمساعدات يوزع رواتب للعوائل ذات الدخل المنخفض والتي فقدت معيليها.



وقد عاشت هاشم وأولادها على بيع الخبز في وسط الرمادي منذ ان قتل زوجها من قبل القاعدة في 2006.



وكانت تنتظر دورها في الطابور حين انفجرت شاحنة محملة بأربعة أطنان من المتفجرات على بعد حوالي ثلاثين متراً.



وبالاضافة الى النساء السبعة اللواتي قتلن، فقد أصابت عشرة أخريات بجروح خطيرة وبقين في مستشفيات الرمادي والفلوجة ، وذلك بحسب الدكتور عبدالله الدليمي وهو أختصاصي جراح.



وكل الضحايا السبعة عشر كانوا من الارامل اللواتي قتلن أزواجهن خلال فترة العنف المسلح الذي ضرب محافظة الأنبار بين 2004 و2006 .



كانت النساء، وبعضهن برفقة أطفالهن، ينتظرن منذ الساعة الثامنة والنصف صباحاً ليقبضن مصروفهن الشهري البالغ 100.000 دينار عراقي، أي ما يعادل حوالي 90 دولاراً أمريكياً. وقتل الانفجار ثلاثة أطفال لم يبلغوا سن السادسة وجرح ستة آخرين.



" كنت السادسة في طابور الانتظار. تكلمت قليلاً مع النساء اللواتي كانوا ينتظرن أيضاً لأننا نلتقي كل شهر. كان هناك شرطي يقف بالقرب منا وهو ينظم الناس في الصف، وأعتقد بانه قتل في الأنفجار." قالت هاشم ذلك لمعهد صحافة الحرب والسلام في الحادي والثلاثين من كانون الأول وهي ترقد في أحد مستشفيات الرمادي. وبينما كانت تتكلم حاولت جهدها ان تغطي سيقانها بفستانها الملطخ بالدم.



وأضافت هاشم " كنا نتهيأ لدخول المبنى في حوالي التاسعة والنصف صباحاً. كل ما أتذكره هو موجة حرارة ودوي قوي. تطايرنا في الهواء مثل سقوط قميص من حبل الغسيل. تساقطت الشظايا وقطع الزجاج على رؤوسنا. كانت الصرخات والنواح ترتفع من كل الجهات."



هنا تيقنت هاشم بانها ستموت، لكن فكرة ان اطفالها يصبحون يتامى أعطتها القوة لتبقى على قيد الحياة. وفقدت وعيها أخيرا حين سقطت قطعة حديدية حارة على صدرها.



وقالت " أستيقظت في المستشفى والأطباء يحيطون بي. وجلبت جارتي التي أستعرت منها الفستان أطفالي. قال لي الطبيب بانني سأكون قادرة على الخروج من المستشفى خلال بضعة أيام. ولكن يجب علي ان اراجع المستشفى اسبوعياً لكي يتأكدوا من عدم وجود إلتهابات."



يقول الدكتور محمد فارس بان حليمة هاشم تعاني من اصابات خطيرة في الرأس والظهر بالاضافة الى جروح في غاية الخطورة في الصدر والتي قد تتطلب عملية جراحية واسعة.



بالرغم من ان الأطباء قد منعوا أي نوع من تماس جسدي مباشر مع هاشم، إلا ان طفلتها والبالغة من العمر سبعة أعوام أستطاعت ان تصل الى جانبها، وبينما كانت تمطر رأس أمها بالقبلات همست بانها ستجد في دراستها وستبذل ما في بوسعها لكي تُبقي مهنة بيع الخبز تستمر مع اخوتها واخواتها.



"نمنا لوحدنا في اليومين الأخيرين، نخاف حين تنقطع الطاقة الكهربائية في الليل" حين قال أحمد أبن حليمة هاشم والبالغ من العمر 13 عاما ذلك، بدأ كل من في الغرفة في البكاء. و أضاف " لا اريدها ان تتركنا مثلما تركنا والدنا. فنحن بحاجة اليها."



ترقد صبيحة فاضل في الغرفة المجاورة وهي ضحية أخرى للأنفجار. صبيحة، البالغة من العمر 30 عاماً وهي من سكان الفلوجة تعاني من حروق شديدة في وجهها وبحاجة الى عملية جراحية لإزالة قطعة شظية تبلغ ثلاث سينتمترات خرقت ظهرها الى جانب عمودها الفقري.



" كنت في الصف لكي أقبض راتبي مثل بقية النساء،" قالت صبيحة فاضل " حدث الانفجار وقطع الناس الى أشلاء مثل ماكينة. كانت هناك شاحنة كبيرة وسمعت الشرطة يصرخ بالسائق ليتوقف، وأطلق أحد الشرطة النار باتجاه الشاحنة قبل ان تصطدم بنقطة التفتيش وتنفجر على بعد ثلاثين متراً منا فقط ."



تعيش صبيحة فاضل، التي فقدت زوجها ووالدها في هجوم صاروخي أمريكي أثناء معركة الفلوجة في أواخر 2004، في بيت أبيها. والسلوى الوحيدة، تقول فاضل، بانها ترك أبنها مع أمها في اليوم الذي حدث فيه الهجوم لانه كان مصاباً بالزكام.



وكانت قلقة من ان اصاباتها ستجعلها معاقة.



وقالت " أتمنى ان اموت على أن اكون معاقة طوال حياتي. تبدد حلمي في ان اتزوج مرة أخرى وأبدأ حياة جديدة. من يقبل الزواج بامرأة لها ندبة طويلة على ظهرها او إصابة قد تؤدي الى الشلل."



واضافت " يبدو انه قدر عائلتي ان تموت في الهجمات الارهابية، والآن حان دوري."



وفي اليوم ذاته وفي ناحية الصوفية بوسط رمادي، أستقبل عمر جمال البالغ من العمر ستة أعوام المعزين بوفاة والدته خديجة سهيل ، 28 عاماً، وهي أرملة أخرى من الأرامل اللواتي قُتلن في الأنفجارين.



قال خالد سهيل، البالغ من العمر 40 عاما، وهو خال عمر والأخ الأكبر لخديجة " ذهبت أختي لتقبض راتبها الشهري وعادت إلينا جسداً ميتاً. بصراحة ليست هناك من طريقة لوصف الحالة التي نعيشها." وأضاف بانه أصاب بخيبة أمل بسبب قلة الاهتمام الموجه للضحايا المدنيين مثل أخته.



وقال " لم يشر الاعلام الى الضحايا المدنيين وركز فقط على قتل وجرح المسؤوليين. لم تشكل النساء القتلى إلا أرقاماً."



قال الدكتور الدليمي بان حالات ثلاث نساء من أصل عشرة لازلن في المستشفى تعتبر خطرة، ومن الممكن ان يُمتن لان اصاباتهن في غاية الخطورة، ولا يقدر الأهالي على تحمل نفقات ارسالهن الى الخارج للعلاج.



وقال " لم يزر أي مسؤول هؤلاء النساء، على العكس من الشرطة والمسؤولين الجرحى الذين أصابوا في الانفجارات."



وأشار مزهر حسن الملا وهو ممثل مكتب محافظ الأنبار الى ان انفجارات الثلاثين من كانون الأول ليست هي الأولى التي تقتل النساء والأطفال في الرمادي.



" لقد عاد شبح العنف ليُكمل هدفه في إبادة العوائل بأكملها. وهنا ومن خلال هذا النموذج، دمرت الانفجارات العوائل كاملة لان الامهات اللواتي مُتن كانوا يلعبن دور الأباء أيضاً." قال الملا.



ووضح سعدي رجب الذي يعمل في قسم المساعدات في الأنبار، بان 47000 من النساء الأرامل والمطلقات والمعوقات يشتركن في نفس برنامج المساعدات التي كانت ضحايا الاسبوع الماضي يشاركن فيه.



وقال "الحمد لله، فتح قسم المساعدات مكاتب أخرى في بلدات اخرى }في الأنبار{ " و أضاف "كانت ستكون أسوأ مأساة لو كانت مئات من الناس ينتظرون في الصفوف حين حدثت الانفجارات."



عثمان المختار صحفي مدرب في معهد صحافة الحرب والسلام من الفلوجة.