Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

اغتيال البراهمي يهدد آخر معاقل الاخوان ويرجح بروز أحزاب سياسية جديدة في تونس

By Nabil Khoury
(Photo: Mohammed Jelali)

IWPR/ تونس، سيدي بوزيد

إحدى عشرة رصاصة استقرت في جسد النائب المعارض في البرلمان التونسي محمد البراهمي كانت كفيلة بأن تعيد إلى البلاد شبح الاقتتال الداخلي الذي كثر الحديث عنه نهاية حزيران ٢٠١٣ عقب قيام المجلس العسكري المصري بالإطاحة بحكم الرئيس محمد المرسي المحسوب على الإخوان المسلمين وهو التنظيم نفسه الذي يتولى إدارة البلاد في تونس تحت اسم (حركة النهضة) برئاسة راشد الغنوشي.

البراهمي الذي انضم أخيرا الى تكتل (الجبهة الشعبية) المعارض بعد انشقاقه عن حزب (حركة الشعب) المتعاطف مع حكومة النهضة، هو من النواب المؤثرين في المجلس التأسيسي التونسي (البرلمان المؤقت) عن ولاية سيدي بوزيد (وسط البلاد) قتل قبل ظهر الخميس ٢٥ تموز ٢٠١٣ بإطلاق النار عليه من قبل مسلحين كانا يستقلان دراجة نارية كمنا له أمام منزله في حي الغزالة الذي يسكن فيه الغنوشي ايضا، والواقع بمنطقة أريانا التي تبعد نحو سبعة كيلومترات إلى الشمال من مركز تونس العاصمة.

ولعل تزامن اغتيال الإبراهيمي مع عيد تأسيس الجمهورية السابع والخمسين  الذي اقتصر الاحتفال به خلال السنتين الماضيتين على الأحزاب اليسارية دون الإسلامية التي تدير دفة الحكم في البلاد كان عاملا آخر زاد من وقع الحادثة، وشجع أنصار المعارضة على النزول إلى الشارع والدعوة إلى الإضراب العام الذي أيده الاتحاد العمالي العام في تونس في بيان شديد اللهجة صدر عنه الخميس وحمَّل فيه "حكومة الترويكا" مسؤولية هذا الاغتيال.

وعلى الرغم من أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي سارع إلى إدانة حادثة الاغتيال والدعوة إلى "ضبط النفس والوحدة ومطالبة الاجهزة الامنية والقضائية بكشف المتورطين بها والاقتصاص منهم بأسرع وقت ممكن"، فإن ذلك لم يمنع المعارضين المتربصين لحكومة الترويكا من المطالبة بـ"العصيان المدني حتى إسقاط النظام" كما ورد في بيانات أصدرتا أحزاب معارضة أبرزها (الجبهة الشعبية) و(حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد) الذي كان يرأسه شكري بالعيد مؤسس التيار اليساري الديمقراطي الذي اغتيل في شباط٢٠١٣ في حادثة إطلاق نار لم تعرف الجهة التي تقف وراءها.

أنصار تظاهروا و"مندسون" حرقوا..

وفي ولاية سيدي بوزيد،لم يشفع وصف الغنوشي للحادثة بأنها "عملية نكراء وجبانة" لحركته لدى مئات المتظاهرين الغاضبين من أنصار البراهمي وأقاربه الذين خرجوا في تظاهرات احتجاجية غاضبة تركزت أمام مقار حركة النهضة والدوائر الحكومية وسرعان ما تحولت إلى أعمال شغب أسفرت عن تدمير وحرق مقر إدارة الولاية ومقر الشرطة ومجلس البلدية في منطقة (منزل بوزيان) إضافة إلى مقرين لحركة النهضة في منطقة (الرقاب).

وذكر مراسل (IWPR) في ولاية في سيدي بوزيد أن مئات الغاضبين حاصروا بعد ظهر الخميس مقر الولاية الواقع وسط المدينة واقتحموه بعد وقت قصير وأضرموا النار في عدد من أجزائه بعدما امتنعت قوات وزارتي الدفاع والداخلية عن التدخل وإبعاد المتظاهرين عنه.

وقال المتظاهر أشرف البو عزيزي (25 سنة) الذي يهم خارجا من مبنى الولاية بعد إضرام النار فيه في حديث إلى (IWPR) "من الطبيعي أن يصب الشعب جام غضبه على حركة النهضة لأنها هي الحاكم الفعلي والمسيطر على دواليب الدولة، ومن مصلحتها اغتيال البراهمي مثلما اغتيل شكري بلعيد حتى تطيل أمد فترة حكمها وتؤجل الانتخابات الى زمن غير محددّ".

وأضاف البو عزيزي الذي أكد أنه لا ينتمي إلى حزب سياسي، أن "حركة النهضة لن تنجو هذه المرة، ولن تنتهي الاحتجاجات إلا بعزلها من الحكم".

واختار بعض الشبان التعبير عن غضبهم عبر تدوين عدد من الشعارات على سور الولاية، جميعها يدين حركة النهضة؛ على غرار "يسقط حزب الاخوان، يسقط جلاد الشعب" و "هديّة النهضة للشعب اغتيال شخصية معارضة كل ستة أشهر".

وغير بعيد عن وسط المدينة وبالتحديد في معتمدية (قضاء) سوق الجديد مسقط رأس محمد البراهمي، تهافت العشرات من مكونات المجتمع المدني على الطريق الرئيسي رافعين صوره ومطالبين بوقف "سلسلة الاغتيالات" و بـ"إسقاط النظام"، فيما عمد عدد من الشبان الى حرق العجلات المطاطية وسط الطريق مما تسبب في تعطل الحركة المرورية لساعات، وهو مشهد تكررّ في معتمديات المكناسي ومنزل بوزيان والرقاب التي شهدت مسيرات احتجاجية تمخّضت عن حرق مقرين لحركة النهضة.

ويتهم أمين عام مكتب النهضة بمنطقة (المكناسي) البرني غابري في حديث إلى (IWPR) إن "أحزاب معروفة" باستهداف مقرات الحركة "من أجل بث الفتنة".

ويقول غابري إنه تلقى تهديدات بالقتل من تلك الجهات (رفض الافصاح عنها)، مؤكدا القول "لن اسكت عن ذلك، وسأقاضيهم للقصاص منهم".

لكن مسؤولين في المعارضة في سيدي بوزيد طلبوا عدم ذكر أسمائهم، نفوا في المقابل أن تكون قواعدهم الشعبية وراء عملية حرق مقار النهضة والدوائر الحكومية واتهموا "طرفا ثالثا" بالاستفادة من عملية الاغتيال.

ولم يقتصر المشهد الاحتجاجي في الولايات التونسية على سيدي بوزيد إذ شهد أغلبها تظاهرات مناوئة لحكومة النهضة، وقام متظاهرون غاضبون في ولاية (المهدية) الواقعة على الساحل التونسي على بعد 300 كلم شمال شرق العاصمة باقتحام مبنى الولاية وطرد الوالي (المحافظ) منه.

تونس... استقالات حزبية واعتصام أمام التأسيسي حتى حله

وفي العاصمة انتشر نبأ عملية اغتيال السياسي المعارض وانتشرت معه أنباء عن استقالة نائبين معارضين على الأقل في المجلس التأسيسي وهما مراد عمدوني عن (حركة الشعب) وأياد الدهماني عن (الحزب الجمهوري) إضافة إلى معلومات عن استقالات بالعشرات بين أعضاء الحزب الجمهوري  احتجاجا على تقارب حصل أخيرا بين أحمد نجيب الشابي القيادي بالحزب وحركة النهضة.

كما اعتصم نحو ألفي شخص بعد ظهر الخميس أمام مبنى وزارة الداخلية الكائن في جادة بو رقيبة منددين بعملية الاغتيال وحملوا الوزارة مسؤولية الفشل الأمني مطالبين بحل البرلمان، لكن هذا الاعتصام لم يدم طويلا وسرعان ما تحول إلى أمام مقر البرلمان بعدما قامت قوات مكافحة الشغب برشق المعتصمين بالقنابل المسيلة للدموع.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه عائلة البراهمي أنها ستقوم بمراسم التشييع السبت في تونس ،كانت حادثة الاغتيال تطغى على أحاديث الشباب القليل الذي تجمع ليل الخميس في المقاهي التي بدت فارغة على غير عادتها، ما عدا بعض المطاعم التي تقدم وجبات سريعة والتي تحولت إلى دور لمجموعات من الشبان تنتظر عودة الاعتصامات إلى الشارع وهي تتبع على التلفاز خبر انتقال المعتصمين إلى أمام المجلس الوطني التأسيسي.

الحكومة تدين وتتوعد..

الشباب التونسي الذي يعد صانع الثورة التونسية الحالية، بدا متفقا نوعا ما على "إسقاط حكومة النهضة" لكنه بدا أيضا فاقدا للثقة في أحزاب المعارضة خصوصا بعد "اختراقها من قبل الحرس القديم للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي".

ويؤكد الشباب التونسي أن الحراك الثوري الشبابي هو السبيل الوحيد للحل، لكن الحكومة النهضوية عقدت اجتماعا طارئا مساء الخميس أدانت فيه بشدة عملية اغتيال البراهمي، واوصلت فيه رسائل شديدة اللهجة للمراهنين على إسقاطها في الشارع.

وقال رئيس الحكومة علي العريض في مؤتمر صحافي عقده عقب الاجتماع في القصر الحكومي بالقصبة إن العملية "تستهدف الاستقرار والتوافق الذي تحقق في البلاد في الأسابيع الأخيرة وتستهدف من في الحكم ومن في المعارضة معا.

وأضاف العريض ان هذا الاغتيال "يهدف أيضا للانقضاض على الثورة ومكاسبها، واستغلال الوضع الجاري في مصر الشقيقة وبعض الصعوبات في تونس للقبض على مسارنا وادخال البلاد في المجهول سواء أكانت فوضى أو تقاتل أو حرب أهلية أو عودة للاستبداد".

وانتقد العريض بشدة التصريحات السياسية الداعية إلى التصعيد ضد الحكومة، وأكد أن هذه التصريحات "تخل بالأمن العام وتكرس أجندات لا وطنية"، متهما المنادين بذلك بأنهم "غير حريصين على مستقبل تونس".

ودعا رئيس الحكومة التونسية الشعب بـ"تفويت الفرصة على دعاة الفتنة والتقاتل"، وناشدهم لـ"الحفاظ على الثورة وبناء دولة مدنية تحتكم الى الشعب والى صندوق الاقتراع"، متوعدا بـ"التصدي للإرهاب والعنف وكل ما ينال المسار الديمقراطي" مهما كانت التكلفة.

مراقبون: الحل بحل التأسيسي وقد تبرز أحزاب جديدة

وكما السياسيين في تونس ينقسم المراقبون في قراءتهم لما يجري وفي الحلول التي يقدمونها لتدارك الأزمة، لكنهم يجتمعون على أن المجتمع التونسي على درجة عالية من الوعي تحصنه من أن تجرفه موجة العنف الشعبي التي تضرب مصر على سبيل المثال.  

ويقول الخبير في الدستور قيس سعيد في حديث إلى (IWPR)  "على الشعب أن يعي أن من اغتال محمد البراهمي لا يستهدف السلطة بقدر ما يستهدف أمن الشعب التونسي واستقرار الدولة والمستفيد"، ويضيف "المخطط  لهذا الاغتيال هي الجهات التي تتسابق وتتصارع على السلطة".

ويبين سعيد أن تنفيذ عملية الاغتيال في ذكرى الجمهورية هو "لتهديد الجمهورية وإسقاطها ولترتيب وضع جديد يمكن الاستفادة منه حتى تعود القوى التي فقدت مصالحها بالبلاد وأيضا القوى التي حرمت من السلطة".

ويرى سعيد أن الحل للأزمة الحالية يكمن في "حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة"، ويوضح مقترحه هذا بالقول "بينت الأحداث المتلاحقة التي عرفتها بالبلاد أن المجلس التأسيسي بني على أساس غير صحيح إذ لم يحقق أهداف الثورة ولا مطالب الشعب، بل تحول مساره إلى صراع سياسي وضع البلاد أما خطر حقيق كبير كالذي نراه اليوم".

ويؤيد مدير الأخبار في قناة (الجنوبية) الفضائية كمال بن يونس حديث الخبير الدستوري عن الخطر الذي يواجه البلاد، لا بل يؤكد انها "باتت على منعطف طرق".

ويقول بن يونس في حديث إلى (IWPR) إن "عملية اغتيال النائب محمد البراهمي تتورط فيها بلا شك جهات خارجية بمساعدة أطراف داخلية، وتستهدف بالأساس التوافق السياسي الذي تحقق أخيرا بين مكونات المجلس التأسيسي والذي بدا واضحا عبر تمرير العديد من البنود الدستورية التي كانت محل خلاف".

وعلى الرغم من أن البنود تلك مررت بأغلبية الثلثين وليس بأغلبية جميع مكونات البرلمان، فإن بن يونس يعد أن تمريرها "نجاح للمجلس التأسيسي".

ولا يستبعد بن يونس أن يكون "الحرس القديم للنظام السابق" الذي دخل على شكل أفراد في الاحزاب التي تمثل المعارضة الحالية لاسيما اليسارية المتشددة، وراء حادثة الاغتيال، ويبين أن "هؤلاء يحاولون استرجاع الحكم في البلاد عبر ضرب الإسلاميين الوسطيين باليسار المعتدل".

ويستبعد بن يونس أن يحدث السيناريو المصري في تونس ويؤكد أن "التونسيين على درجة عالية من الوعي تقيهم م