Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

استغلال المسلحين لهشاشة الوضع السياسي العراقي

سلسة من الانفجارات تضرب مدن عراقية في ظل استمرار ازمة تشكيل الحكومة الجديدة بعد أسابيع من انتهاء الانتخابات.
By Abeer Mohammed
Former prime minister Ayad Allawi’s Iraqiya bloc won the most seats in recent election, but looks set to be sidelined by a new Shia alliance. (Photo: Flickr/Omar Chatriwala)

عبير محمد- بغداد (تقرير الازمة العراقية رقم 336، 13-ايار-2010)

يقول خبراء وسياسيون ان الجماعات المسلحة استغلت الفراغ القيادي وظهور ائتلاف شيعي قوي لشن موجة من الانفجارات والهجمات المسلحة في انحاء العراق، وذلك بهدف اشعال الفتيل الطائفي من جديد.

وقد ذهب 119 شخصاً ضحية الهجمات المسلحة والتفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة التي ضربت مالايقل عن 10 مدن في ارجاء البلاد في يوم العاشر من الشهر الجاري ، حيث كان أعنفها في المناطق ذات الغالبية الشيعية في البصرة والحلة. وقتل انفجاران آخران في اليوم التالي خمسة أشخاص في بغداد.

كما وتعرض مقهى شعبي في مدينة الصدر بالقرب من أحد مقرات رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، الى انفجار مخلفاً تسعة قتلى من رواد المقهى وعشرات الجرحى. ويرى البعض ان تصاعد الهجمات وخصوصاً ضد أهداف شيعية هو بمثابة ردفعل طائفي ضد التطورات السياسية التي يشهدها العراق. ويخشى الكثيرون من تصاعد وتيرة العنف في المستقبل القريب.

وبعد انفجار يوم 12 من أيار، قال النائب البرلماني من الكتلة الصدرية، أمير الكناني "ان الهجوم على أحد معاقل الصدريين المعروفة كان انتقاماً على حسن أداء الشيعة في الانتخابات".

وأضاف " سيستمر الارهابيون بارتكاب المزيد من الاعتداءات وبالاخص على الناس الفقراء. هدفهم الرئيسي هو اذكاء الاحتقان الطائفي في وقت لاتتمكن فيه الحكومة ولا القوات الامنية من حماية شعبها. يتوقع الناس في مدينة الصدر انفجارات في اي وقت، وسيكون عليهم عاجلا أو آجلاً حماية أنفسهم في حال لم يتمكن الآخرون من توفير الحماية لهم".

ولا يعرف حتى الآن هوية مرتكبي التفجيرات الاخيرة، إلا ان المسؤولين ألقوا بمسؤولية هجمات العاشر من أيار على تنظيم القاعدة، قائلين ان الجماعات المتطرفة تقوم بالهجمات كرد انتقامي على سلسلة حملات عسكرية ناجحة قامت بها الحكومة والتي شملت القيام بغارة جوية  الشهر الماضي وأدت الى مقتل قائدين بارزين من التنظيم.

ويرى محللون سياسيون ان المناخ السياسي الراهن قد أعطى المهاجمين الفرصة لاشعال شرارة حرب طائفية، وستبرهن الايام والاسابيع القادمة ما اذا كانوا سينجحون في ذلك.

مأزق سياسي

وجاءت الاعتداءات في وقت يستمر فيه الساسة في خلافاتهم حول تشكيل الحكومة المقبلة. كما وأعقبت الهجمات المنسقة بدقة دمج كتلتين شيعيتين رئيسيتين الاسبوع الفائت، والذي يعتبر خطوة مؤكدة في اثبات دور قيادي في الحكومة المقبلة.

ويرى البعض في تحالف كل من قائمة دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي مع التحالف الوطني العراقي الذي يهيمن عليه التيار الصدري المتشدد والمعادي للامريكان بزعامة مقتدى الصدر، كتهميش للاقلية السنية التي ابدت استيائها الواضح من الحكومات الشيعية التي تعاقبت على السلطة بعد 2003.

وأثار التكتل الجديد، الذي أطلق عليه السفير الامريكي " الحزب الشيعي الضخم" القلق من عزوف السنة من المشاركة في العملية السياسية والعودة الى الميليشيات والتجمعات العشائرية بهدف حماية انفسهم.

ويقول المحلل السياسي واستاذ الاعلام والصحافة في جامعة بغداد، كاظم المقدادي " سيغذي تشكيل التحالف الجديد العنف في العراق لسببين. أولهما انه يبعث برسالة الى الارهابيين تقول ان السياسيين العراقيين مشغولين بخلافاتهم، ولهذا فالوقت ملائم لشن الهجمات. وثانياً سيسمح للقاعدة والمنظمات الارهابية الاخرى بتحريض السنة على الاعمال المسلحة من جديد من خلال ابلاغهم بان لا موقع لهم في الحكومة العراقية بالرغم من مشاركتهم في الانتخابات وحسن أدائهم فيها".

وشكل اندماج الكتلتين الشيعيتين ضربة سياسية لاياد علاوي، وهو شيعي علماني ورئيس وزراء سابق، والذي أيدت أغلبية السنة قائمته " العراقية". والجدير ذكره ان العراقية حصلت على اكثر الاصوات في الانتخابات التي جرت في السابع من آذار الماضي، والتي لم يفز فيها اية جهة بالاغلبية المطلقة للاصوات. وحسب النتائج الرسمية فقد حصلت العراقية على 91 مقعدا بينما فازت قائمة دولة القانون بـ89 مقعدا، ثم الائتلاف الوطني العراقي الذي حصل على 70 مقعداً.

وبالرغم من ان العد اليدوي الذي من المتوقع انتهائه في بغداد هذا الاسبوع، قد يغير قليلا من نتائج الانتخابات إلا ان تأثيره سيكون طفيفاً وخصوصاً بعد اندماج كتلتي دولة القانون والتحالف الوطني العراقي، حيث يحتاج التحالف الجديد الى أربعة أصوات فقط لتحقيق الاغلبية في المجلس النيابي البالغ عدد مقاعده 325 ليتمكن من تشكيل الحكومة. وستبدأ المفاوضات مع الحلفاء المحتملين حال اعلان المحكمة العليا عن النتائج الرسمية.

وشن علاوي هجوماً على التحالف الجديد معتبراً اياه محاولة وقحة لسرقة حق العراقية في تشكيل الحكومة القادمة، وأمضى عدة أسابيع في جولات لدول الشرق الاوسط للحصول على الدعم. كما وحذر مرارا من اندلاع الصراع الطائفي كرد على اندماج الكتلتين، وهو احتمال نفاه الزعماء الشيعة بقوة بعد الهجمات الدموية الاخيرة.

ويقول العضو البارز في الائتلاف الوطني العراقي وعضو لجنة الامن والدفاع في البرلمان، عمار طعمه " يظهر اسلوب الهجمات الاخيرة بانها ليست طائفية ولا علاقة لها بتشكيل التحالف الشيعي او كرد فعل عليه. ويمثل التحالف الجديد خطوة باتجاه تسريع العملية السياسية في العراق وليس لاذكاء الفتنة الطائفية".

وأضاف طعمه " يجب على مثل هذه الاعتداءات ان تدفع السياسيين خطوة باتجاه تشكيل الحكومة المقبلة. ينبغي عليهم وضع خلافاتهم السياسية جانباً لكي يلحقوا الهزيمة بتنظيم القاعدة واتباع البعث".

 وكان المالكي قد شن خلال التحضير للانتخابات حملة شرسة ضد حزب البعث واتباعه، مما أدى الى منع ،على الاقل، واحد من أبرز مرشحي قائمة العراقية من خوض الانتخابات بزعم ارتباطاته بحزب البعث. كما وتم رفض اصوات عدد من أعضاء العراقية بعد الانتخابات استناداً على نفس المزاعم.

وانتقد مسؤولون في العراقية هذه الاتهامات وعملية العد والفرز المثيرة للجدل التي أمر بها المالكي باعتبار انها تمثل تعطيلا غير قانوني لعملية الانتخابات. كما أسرع زعماء العراقية الى توجيه أصابع الاتهام الى التكتل الشيعي عقب الهجمات التي شنت هذا الاسبوع.

وتقول العضوة البارزة في العراقية، عالية نصيف " ان الارهابيين يستغلون الاجواء الناتجة عن المحاولات اللاشرعية واللادستورية لاجبار العراقية على التخلي عن حقها في تشكيل الحكومة."

وتضيف نصيف بانه حتى لو لم تؤد أعمال العنف الاخيرة الى عوة العراق الى القتال الطائفي فان التوجه السياسي الراهن هو توجه تقسيمي خطير.

وأضافت موضحة " لا يتم تنفيذ الطائفية فقط عبر تفجير القنابل، بل انها ممارسة يتبناها الساسة أيضا."

عدم ثقة السنة

ويرى المحلل السياسي واستاذ العلوم السياسية المتقاعد في جامعة بغداد، عبدالله جعفر، بان معظم السنة يشعرون بانهم مبعدين عن الساحة السياسية، ويتطلعون الى قادتهم من أجل تقرير خطوتهم التالية.

"بالطبع ان السنة قلقين، لان لهم تجربة مريرة في التعامل مع هكذا تحالف شيعي خلال الحكومة السابقة. واذا ما اختار السياسيون السنة معارضة او مقاطعة العملية السياسية، سيلتحق السنة بالتمرد. ولن تكون هذه المرة مثل 2006 ، بل ستكون أسوء". قال جعفر مشيراً الى الفترة بين عامي 2006 و2007 عندما كان القتال الطائفي على أشده.

وقد شكل السنة ما يسمى بـ (مجالس الصحوات) وقاتلوا تنظيم القاعدة جنبا الى جنب مع القوات الامريكية والعراقية. ومنذ ذلك الوقت يشعر الكثير من قادة الصحوات السابقين بتخلي الحكومة عنهم بعد ان حملوا السلاح وقاتلوا القاعدة دفاعا عنها.

ويقول جعفر بهذا الصدد " من المحتمل جدا ان يندلع العنف الطائفي في هذه الاجواء. ولكن اذا ما اختار الساسة السنة الانضمام الى حكومة شيعية فان الاوضاع ستأخذ اتجاها جيداً. كل شيء يعتمد على القرار الذي ستتخذه العراقية. لقد تحالفت الاحزاب الشيعية ولارجعة في ذلك. لنأمل ان يتصرف جميع السياسيين بحكمة هذه المرة."

ولقد دافع مسؤولون شيعة عن تشكيل التحالف الجديد باعتباره أسرع سبيل لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وقالوا بانهم منفتحين على التفاوض مع اي حزب يرغب بالانضمام اليهم.

ويقول المتحدث باسم دولة القانون، حاجم الحسني " كل أهدافنا وبرامجنا متشابهة ولا يوجد فائز مطلق. ان الاتحاد بيننا هو الحل الامثل لتشكيل كتلة كبيرة والتسريع بعملية تشكيل الحكومة لتفادي اي اضطرابات قد تؤدي الى العنف."

ويعتقد محللون سياسيون بان الانقسام بين الكتل الشيعية قبل اجراء الانتخابات كان يعود الى عدم الاتفاق على منصب رئيس الوزراء، وهو خلاف لم يتم تسويته حتى الان. ويقول جعفر بان عناصر داخل الائتلاف الوطني العراقي، ومن ضمنها الصدريين والمجلس الاسلامي الاعلى في العراق بزعامة عمار الحكيم لم يوافقوا على شغل المالكي منصب رئيس الوزراء لولاية ثانية. ورداً على ذلك انفصل المالكي وشكل ائتلاف دولة القانون. لكن وبعد الانتصار غير المتوقع لعلاوي، وافقت الكتلتان على الاندماج وحل مسألة منصب رئيس الحكومة حال اجراء المباحثات لتشكيل الحكومة.

ويقول عمار طعمه، من الائتلاف الوطني العراقي " ستاخذ قضية منصب رئيس الوزراء وقتا طويلا لحلها، ولكنها لم تكن العقبة الوحيدة التي أجلت اندماج كتلتينا. سنقوم بتشكيل حكومة من كل القوائم الفائزة، وهذا مبدئنا. وحتى لو كان تحالفنا يتكون من طائفة معينة فان هذا لا يعني بان برامجه واستراتيجياته ستكون طائفية، بل ستكون لجميع العراقيين."

ويعبر بعض أعضاء العراقية عن شكوكهم، كما وينتظر الكثير من أعضائها كيفية تعاطي كتلتهم وحلفائها مع التطورات.

وتقول المتحدثة باسم العراقية، ميسلون الملوجي " لا نبارك هذا التحالف الجديد. من حقهم تكوين تحالف لكننا نضع علامة على مثل هذا التحالف لانه تشكل بشكل واضح على اسس طائفية"

وأضافت الدملوجي "لم تقرر العراقية خطوتها التالية بعد. لم نقرر بعد ما الذي سنفعله: الانضمام الى الحكومة او معارضتها. سننتظر ونرى مالذي سيحدث خلال الايام القليلة المقبلة."

عبير محمد كبيرة المحررين المحليين في معهد صحافة الحرب والسلم في بغداد.