Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

استرجاع أهوال الحرب

الجنود يعيدون سرد حكاياتهم عن الأيام الأخيرة لنظام صدام
By Dhiya Rasan

لقد وضع سقوط نظام صدام حسين يوم التاسع من نيسان/ 2003, للجيش العراقي نهاية ثلاثة أسابيع من الحرب مكتظة بالخوف والفوضى, وموقف اليأس العرضي الأخير من الأحداث الغريبة الشاملة التي وقعت.


عندما ازدادت احتمالات الهزيمة, بات على الجنود والضباط العراقيين ان يقرروا متى سيتوقفون عن القتال.


وكان الأمر بالنسبة للبعض يتعلق بالولاء للجيش او للنظام, وبالنسبة لآخرين فقد كان الخطر يكمن إما في مقاومة الأمريكان أو في إقدام الموالين للنظام على اعدامهم كهاربين من الجيش.


وقد اتخذ بعض الضباط قرارهم مبكراً, آملين ان ينقذوا أنفسهم ورجالهم, بينما قرر الضباط الآخرون موقفهم لاحقاً, بعد ان شعروا بان قادتهم قد خذلوهم.


ومع ذلك, فقد استمر البعض في القتال حتى أصابتهم نيران قوات التحالف.


وتجسيداً لهذه المواقف المتعددة يستعيد محمد جمعة ما حدث له منذ ان انخرط في الحرس الجمهوري الخاص بعد تخرجه من الجامعة مباشرة وعمره (25) سنة, على الرغم من أنه شيعي ولم ينتم الى حزب البعث.


ويمكن تفسير هذه الحالة باقتراب الحرب وبروز حاجة الحرس الجمهوري الخاص الشديدة للقوة البشرية, بينما كان الحرس قبل ذلك يختار مجنديه بكل دقة اعتماداً على مؤهلاتهم العقائدية.


ونسب محمد الى معسكر يقع شرقي بغداد, تعرض بعد الحرب مباشرة الى قصف جوي كثيف, وبدأت القوات تهرب بشكل جماعي.


وكانت الوحدة في بداية الحرب تضم (150) جندياً و(23) ضابطاً. وقد انخفض العدد الأول الى سبعة بينما انخفض الأخير الى (17) في الأيام الأخيرة من آذار.


وكان محمد منذ البداية متردداً في الهرب, خوفاً من الاعدام, إلا ان آخر من تبقى من الضباط اتخذوا القرار نيابة عنه, عندما خرجوا بالسيارة وهي محملة بأسلحة الوحدة.


وتسلل محمد من المعسكر في صباح أحد الأيام بدلاً من البقاء لوحده ودون سلاح, ولكنه سرعان ما أوقف عند نقطة تفتيش, واتهم بالهروب, وتعرض للضرب والتهديد باعدامه.


واعتقد محمد ان نهايته قد حلت عندما وصلت الى نقطة التفتيش شاحنة عسكرية مليئة بضباط يتحدثون بلهجة تكريت مدينة صدام وهم من أشد الموالين للنظام.


وقال "فكرت ان هذه هي نهاية حياتي, وان أمر اعدامي قد صدر".


وتعرض محمد للضرب مرة أخرى, إلا أنه استطاع ان يشرح لهم ما حدث. وقد خيروه بين أمرين: الاعدام الفوري او الدفاع عن المطار. واختار محمد المطار على الرغم من قناعته بان النتيجة واحدة في الحالتين.


وعند مدخل المطار, شاهد محمد صفاً من الجثث بملابس أمريكية, واعتقد انهم جنود أمريكان قطعت رؤوسهم بسيوف فدائيي صدام ووضعت جثثهم للعرض من أجل رفع المعنويات.


وفي الداخل تجحفل محمد في الخنادق الخلفية. وقام الأمريكان بالهجوم بعد وصوله مباشرة.


ووقفت القوات العراقية على الخطوط الأمامية بثبات في البداية ولذلك, كما قال محمد "اعتقدنا للمرة الأولى باننا سنخرج منتصرين في هذه الحرب".


ولكن, عندما استمر القتال, بدأت القوات العراقية تتراجع الى الخلف, واشتكى الرجال من اصابتهم بالعمى, والصعوبة في التنفس, كما أصابتهم العديد من الحروق الغريبة والمروعة.


واعتقد محمد والآخرون معه أنهم تعرضوا للقصف بالأسلحة الكيمياوية. ويتذكر محمد بمرارة قائلاً "لقد ربح الأمريكان نصراً كبيراً في ذلك اليوم".


وفي بداية صباح اليوم التالي استقبلت القوة في المطار زائرين غير متوقعين هما: صدام وابنه قصي.


وقال محمد "لقد اكتظ الميدان الذي كنا نحميه برجال الأمن, وردد الجنود والفدائيون هتافهم (بالروح, بالدم, نفديك يا صدام), والتفوا حول صدام في دائرة كبيرة, وبدأ هو بالتحدث الينا حول كيفية استخدام قاذفة (آر بي جي) المضادة للدبابات, وأخذ قاذفة من حرسه وصوبها نحو دبابة أمريكية تركها طاقمها, وأطلق النار, فاندلعت النار في الدبابة, وترددت ضحكته المشهورة بصوت عال جداً.


وخاطب صدام الجنود قائلاً (ان على كل واحد يخاف من القتال ان يعود الى أمه). ولكن أحداً لم يجرؤ على اخبار صدام بما تكبده العراقيون من خسائر في الأرواح في ليلة واحدة".


ويقول محمد أنه قرر في ذلك الوقت التوقف عن القتال. وقام هو وأحد أصدقائه بتلطيخ وجهيهما بالدماء, ثم اختبآ تحت الجثث المكومة في الساحة.


وبعد ذلك مباشرة, انسحب العراقيون.


ويقول ان الصمت قد خيم لفترة فيما كانت الطائرات السمتية تقطعه بهديرها وهي تطير على علو منخفض.


ويتابع محمد قائلاً ان المشاة الأمريكان اكتسحوا المطار بعد (8) ساعات ووصلوا الى مكانه. وقال "قام أحد الجنود الأمريكان برفسي ليتأكد من أني مازلت حياً, وعندما استجبت, استدعى زملاءه فأحاط بي أربعة جنود وسحبوني وهم يصوبون أسلحتهم نحوي. وعندما حاولوا تقديم الاسعافات الأولية لي اكتشفوا اني لم أكن جريحاً, وهذا ما جعلهم يضحكون".


وأعلن الأمريكان انهم خسروا قتيلين في معركة اليومين في المطار التي انتهت يوم 4 نيسان. أما الخسائر العراقية فلن تحدد أبداً.


وسيق محمد كأسير حرب الى معسكر قرب البصرة, حيث عومل معاملة حسنة كما ذكر, إلا ان مترجم المعسكر أخطأ في اسمه فسجله باسم جمال بدلاً من جمعة.


أما عائلته وبعد ان يئست من تعقب آثاره فقد اقتنعت بانه قد توفي, وأقامت مجلس الفاتحة على روحه.


بعد أربعة شهور أطلق سراح محمد, وعندما دخل بيت العائلة, وشاهدته أمه صرخت من الدهشة قائلة "أنت ميت".


ومايزال محمد يعيش مع عائلته قرب المطار, الذي بات يسميه "خندق الموت", ويقول انه سعيد جداً لأنه مايزال حياً.


أما أحمد كاظم مجمان فهو نقيب في القوات الخاصة منسب الى معسكر في قرية معزولة قرب مدينة الناصرية في وحدة عسكرية تضم (250) ضابطاً مع جنودهم.


يقول أحمد ان الوحدة ليست لديها أوامر لمقاتلة الأمريكان لأن واجبها يقتصر على اخماد أية انتفاضة شعبية قد تندلع.


وقال أحمد أنه لم يكن يحب تلك الأوامر ولم تكن لديه الرغبة في مقاتلة المدنيين العراقيين.


وكان يفضل ان يتفاوض مع القوات الأمريكية المقبلة ويستسلم لها, وحاول فعلاً ان يقنع زملاءه الضباط برأيه هذا, لكنهم اعتقلوه.


وبعد خمسة أيام هجم الأمريكان, وقد أطلق سراح أحمد لكي يقاتل, وكانت المعركة من جانب واحد تماماً, فقد كانت الطائرات الأمريكية تقصف القوات العراقية فيما كانت الدبابات تلتف حولها من الصحراء.


ويقول أحمد "لقد كانت كارثة, كانت قوات الدروع الأمريكية تقصفنا والمقاتلون يقصفوننا, وكان بمقدورنا مشاهدة المواقع التي يقصفوننا منها, لكننا لم نكن قادرين على فعل أي شيء بسبب الخوف والرعب اللذين أصابانا".


وتبع أحمد قائلاً "ذهبت في آخر الليل لتفقد اصدقائي على الخط الأمامي, فوجدت أنهم تحولوا الى أجساد ممزقة, فأصبت بالهستيريا, وفقدت أعصابي. كنت أريد ان أخرج الجثث من المواقع التي قتلت فيها حتى أسلمهم الى عوائلهم. ولم أفكر بالخطر".


وأمر أحمد بعض الناجين مساعدته لإخلاء الموتى "لكنهم لم يطيعوني, وكانوا يريدون الرحيل, انهم جنود, ومع ذلك رفضوا أوامري. فقلت لهم أن أحداً لم يرفض أوامري من قبل. ثم أخذت أتوسل اليهم لمساعدتي في نقل الجثث, وقلت لهم انهم أصدقاؤكم فكيف يمكن لكم ان تتركوهم".


وأخيراً استجاب الجنود وبدأوا ينقلون الجثث الى الشاحنة, ولكن أجزاء من الجثث بدأت تتساقط منها عند تحريكها. ولم يرغب أحد من الجنود في سياقة الشاحنة خشية من ان تصبح هدفاً للقصف, لذلك قام أحمد بقيادتها الى الطريق الرئيس حيث سرعان ما تعطلت هناك.


وعند انبلاج الفجر تمكن أحمد من ايقاف سيارة مدنية, إلا ان سائقها رفض نقل الحمولة المرعبة, وعندما بدأ أحمد بمناشدة السائق اندهش لرؤية أحد الضباط الذين اعتقلوه, واسمه كمال ياسين المشهداني وهو مقبل على الطريق.


وقال "أخبرته بما حصل في معسكرنا, ولكنه لم يندهش, (فالهزيمة ثلثين المراجل)".


وتشاجر الضابطان عند الشاحنة العاطلة المحملة بجثث رجالهما. وقال أحمد "قلت له ان ما حدث للجنود كان بسبب خوفكم من صدام .. (لدرجة أنكم لا تستطيعون عصيان أوامره). لقد ضحيتم بالجنود من أجل انقاذ أنفسكم, ولم تشعروا بأية مسؤولية تجاههم".


وفي النهاية رحل المشهداني كما فعل السائق الآخر. وقال أحمد "تركاني لوحدي الى ان وصلت القوات الأمريكية واستسلمت لها. وقد أخذوا الجثث الى مكان آخر".


وثمة حكاية أخرى لمحمد عباس الذي تطوع وعمره (23) سنة ليقاتل في صفوف فدائيي صدام, وهم قوات شبه عسكرية متعمقة في عبادة شخصية صدام, كما انه من بين اولئك الذين ظلوا يقاتلون الأمريكان حتى النهاية.


صدرت الأوامر يوم 9 نيسان لوحدته للقيام بواجب الدورية في الضواحي الجنوبية الشرقية للمدينة للبحث عن قوات المظليين الأمريكان, دون أن يعرفوا ان القوات الأمريكية البرية قد تمكنت من اختراق المدينة.


وبينما كانوا يبحثون, شاهد محمد دبابة أمريكية, فنزل الفدائيون من شاحنتهم الى خندق قريب.


كان يريدون ضرب الدبابة بما لديهم من أسلحة, وهي رشاشة (بي كي سي) التي لا أمل لرصاصاتها باختراق العجلات المدرعة.


وبينما كانوا يهيئون السلاح, أطلقت الدبابة النار عليهم. وقال محمد "لقد تدمر الخندق تماماً, وأصبت في فخذي بشظية من القذيفة, وأغمي علي".


وتابع محمد "بعد دقائق شعرت بان شخصاً ما يحاول فتح عيني, ورأيت امرأة عراقية تقف فوقي وهي تسألني: هل تستطيع الوقوف؟ لكني لم أكن قادراً على الوقوف أو الرد عليها".


وسحبت المرأة محمد عباس الى منزلها القريب وضمدت جراحه.


وبينما كان محمد راقداً هناك, وصل الأمريكان واطلقوا النار على المنزل مدعين انهم شاهدوا قاذفة (آر بي جي) تطلق النار عليهم من المنزل.


وقامت العائلة بتهريب محمد من وراء المنزل في سيارة مدنية الى بيته, فانتهت بذلك حربه.


ويقول محمد "أنه مايزال (يحب صدام)". ويلقي مسؤولية الهزيمة على اولئك غير الكفوئين من المحيطين به, الذين أرسلونا للقتال دون معدات مناسبة".


أما المرأة التي أنقذت محمد فهي منى خالد وعمرها (39) سنة تعمل طبيبة في مشفى اليرموك في بغداد.


وقالت "كانت مجازفة كبيرة, فقد طوقت القوات الأمريكية منزلي لمدة (3) ساعات, حتى أبرزت لهم هويتي وشرحت لهم اني عالجت الرجل ليس لأنه مع الفدائيين وانما لأنها حالة انسانية, فتفهموا ما قلته واعتذروا لي, ودفعوا لي تعويضاً عن القصف الذي تعرض له منزلي".


وأضافت منى "لقد جازفت من أجل تأدية واجبي في حروب العراق, على الرغم من أنني لا أؤيد ما يقومون به في تلك الحروب".


*ضياء رسن ـ صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام في بغداد