Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

أبناء المتمردين العراقيين يواجهون مستقبلاً مجهولاً

تحريم الاطفال غير المسجلين من حق المواطنة، مما يعني عدم امتلاكهم حق التمتع بالخدمات الاساسية
By Ali Mohammed
The children of deceased insurgent fighters gather at the Malak al-Rahma (Angel of Mercy) NGO in Diyala. (Photo: Ali Mohammed)

علي محمد (تقرير الازمة العراقية رقم. 456، 19 تشرين الاول- اكتوبر 2010)

تطالب أرامل المقاتلين المتمردين في محافظة ديالى، بان تعترف الحكومة بمئات الابناء الذين مات آباؤهم، تاركين اطفالهم بدون حق المواطنة العراقية.

فخلال أسوأ سنوات العنف الطائفي التي وقعت ما بين اعوام 2006-2008 ، أخفى الكثير من الرجال الذين التحقوا بالجماعات المسلحة مثل تنظيم القاعدة، أسمائهم الحقيقة وانتماءاتهم العشائرية عن السلطات، وحتى عن زوجاتهم المستقبلية. ونتيجة لذلك، اعتبرت تلك الزيجات غير شرعية حسب القانون العراقي، الشيء الذي يعني بانه لا يمكن تسجيل أولادهم في السجلات الرسمية، وبالتالي حرمانهم من حقوق التعليم والرعاية الصحية والحصص الغذائية التي تقدمها الدولة، وكذلك من حق التصويت في الانتخابات.

ويناشد ناشطون الحكومة العراقية بالتدخل فيما يعتقدون انه قضية حقوق الانسان، والتي من المحتمل ان تعزل عراقيين أبرياء خارج النظام الاداري للبلاد.

وتقول هناء أدور، الناشطة في مجال حقوق المراة ورئيسة جمعية الامل غير الحكومية " هذه مشكلة تستحق أقصى درجات الاهتمام من الحكومة والوزارات والمشرعين، بل وحتى من المرجعية الدينية. وانا اتفق بانها ليست مشكلة سهلة، لكنها تستحق الحل. فكون أحدهم طفلاً لأحد الارهابيين هو ليس ذنب هذا الطفل".

وتروي عائشة -34 عاما- قصة تعتبر من القصص الشائعة بين ارامل المتمردين في ديالى.

"كنت عزباء في عام 2006، لكن أخي الذي كان مقاتلاً في تنظيم القاعدة رتب لي زواجاً من أحد أصدقائه". تقول عائشة.  "ولم يتم تسجيل عقد قراني في المحكمة بسبب كون الشهود والشيخ جميعهم كانوا أعضاء في تنظيم القاعدة. وقد عشت معه كزوجته لمدة عامين، الى ان قتل في معركة مع القوات الامنية عام 2008. ولي من زوجي السابق طفلين."

ووفقاً للدين الاسلامي يعتبر الزواج شرعياً اذا ما أشرف عليه رجل دين وشهود. ومع ذلك فان عائشة لا تستطيع تحديد مكان الشيخ الذي عقد قرانها، ولا الشهود الذين، بالاضافة الى أخيها، قتلوا جميعهم.

"تتمثل مشكلتي الحالية في عدم قدرتي على اثبات بانني كنت متزوجة، أو اثبات نسب اولادي. تعتبرهم الحكومة أولاداغير شرعيين، ويرفض المسؤولون المحليون منحهم وثائق المواطنة" قالت عائشة، التي رفضت الافصاح عن اسمها الكامل خوفاً على حياتها.

وحسب القانون، يجب على جميع الاطفال العراقيين ان يملكوا شهادة ميلاد، ولاحقاً، هوية الاحوال المدنية التي تثبت مواطنتهم. وبدون هذه الوثائق، التي تتطلب ابراز هويات الاحوال المدنية للوالدين وعقد الزواج، يحرم الطفل من حق التمتع بالخدمات الاساسية ومن ضمنها التعليم وتلقي العلاج في المستشفيات.

وأكد مسؤولون في ديالى بانهم غير قادرين على منح المواطنة الى الاطفال مجهولي الآباء، لكنهم قالوا بانهم يتبعون الاجراءات فقط، فيما اكد مصدر في وزارة التعليم بانه لا يمكن لأي طفل التسجيل في المدارس الحكومية بدون المستمسكات المطلوية. ودفعت هذه الاوضاع ببعض الامهات في ديالى ان يقلقن بشأن المستقبل الذي ينتظر أولادهن غير المسجلين في الوثائق الرسمية.

"انا ام لولدين وبنت، وما من احدهم مسجل لدى السلطات" تقول سناء عمر العبيدي -26عاما-. "حتى وان كان ابوهم مطلوباً لدى السلطات، فهل هذا ذنبهم؟ أولادي عراقيون، أليس من حقهم الحصول على المواطنة العراقية؟ سيعاملون بطريقة سيئة، وسيتم ابعادهم عن المدارس بدون اي سبب".

وتقول سعاد حمودي، مديرة فرع ديالى لمنظمة "ملاك الرحمة" غير الحكومية، بان منظمتها عثرت على 428 طفلا في المحافظة، محرومين من حق المواطنة لان آبائهم التحقوا بقوات معادية للحكومة.

وتقدر حمودي بان هناك أكثر من 900 طفل اضافي يعيشون نفس الوضع. وهناك أعدادا اكبر منهم في الانبار والموصل وسامراء، حيث كان ينشط تنظيم القاعدة وجماعات مقاتلة اخرى.

"والمشكلة تتعاظم اكثر واكثر" تقول حمودي.

ويقول مسؤولون حكوميون في ديالى، بان لا خيار لديهم سوى الالتزام بالقوانين. كما وينتاب القلق الموظفين المدنين، من ان موارد المحافظة التي تقلصت بسبب مشاغل اجتماعية اخرى، ستنضب بشكل أكثر بسبب التحايل في قضايا حقوق المواطنة.

وأوضح حسين التميمي- 68 عاما- القاضي في محكمة بعقوبة في محافظة ديالى، بانه اذا لم يكن الزواج مسجلاً، ولا يوجد عقد قانوني، فان السبيل الوحيد لتصحيح هذه الحالة، هو حضور الزوجين غير المسجلين أمام المحكمة وأداء القسم بالقران بانهما متزوجان.

"نحن كقضاة لدينا قوانين وضوابط نلتزم بها" يقول التميمي. "ان مشكلة اولاء النسوة الآن، هي عدم امتلاكهن ما يثبت حصول الزواج أصلاً، لا زوج ولا شهود. حتى انهن لا يعرفن الاسماء الحقيقية لأزواجهن. فكيف للدولة ان تعترف باولادهن. هذه مشكلة جديدة لم تواجهها المحاكم العراقية من قبل مطلقاً" أضاف التميمي.

ويقر ناشطون في مجال حقوق الانسان بان هذه القضية معقدة، وتقول جنان مبارك، رئيسة المركز العراقي لاعادة تأهيل وتشغيل المرأة، بان معظم أرامل المتمردين يترددن في التقدم الى المحاكم خوفاً من ربط عوائلهن بالارهابيين، فيما يوصمن اخريات بالعار بكل بساطة.

فالقضايا غير المحلولة التي تتعلق بالارث وأسماء العوائل، بالاضافة الى القيم والاعراف العراقية التقليدية، تجعل من امر اعادة الزواج مستحيلاً الى حد  ما.

وتقترح مبارك وأدور ان تعمل الحكومة مع رجال الدين وشيوخ العشائر والمجتمع المدني لغرض البحث عن حل لهذه القضية.

"هل سنلتزم الصمت ونحن نشاهد هؤلاء الاطفال يكبرون خارج القانون لكي يصبحوا مجرمين في يوم ما؟ لا استطيع ان اصدق بان الحكومة لا تعمل اي شيء لحل مشكلة هؤلاء الابناء" تقول أدور.

وبالنسبة للعبيدي وأطفالها الثلاثة غير المسجلين في الوثائق الرسمية، فانها ترى باحتمال ان يعيد الماضي نفسه.

"لابد لي من التساؤل حول مصير اطفالي" تقول العبيدي. " فهل ستعترف الحكومة بان لديهم الحق في المواطنة العراقية ام انهم سيوجهون نفس مصير والدهم- خداعهم من قبل الحكومة، واجبارهم على الانضمام الى الجماعات المسلحة؟".

علي محمد، صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام.