Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

طموحات الاستعمار الحديث

بقلم: ديفيد هرست (تقرير الأزمة العراقية المرقم 1 في 28 شباط 2003)
By David Hirst

في مارس عام 1988، كنت ضمن المجموعة الأولى من الصحفيين الذين زارو حلبجة, المدينة الحدودية العراقية التي غزاها الجيش الإيراني، والتي ضربها صدام بالغازات السامة انتقاما من سكانها الأكراد.


أمام هذا المشهد المريع، جاء الرد الرسمي الأمريكي سريعا بعدم الاعتقاد أن العراق هو الذي قام بذلك، بل إيران.


بعد شهور قليلة، شاهدت في شرق تركيا ألاف الهاربين عبر الحدود بعد عملية الأنفال التي أراد صدام منها إخضاع الأكراد العراقيين بضرب ما يقرب من100,000 منهم بالغازات السامة التي كان رد الفعل الأمريكي والغربي ازائها ضعيفا.


يبدوا أن ذلك كان أمرا مدروسا، فسياسة فيها رامسفيلد وزيرا للدفاع وأعضاء جدد من المحافظين في الإدارة الحالية المتنفذة، أدت إلى وقوف أمريكا إلى جانب صدام في حربه ضد آية الله الخميني. وبعد ضرب حلبجة، قامت الإدارة بالكذب و قلب الحقائق نيابة عنه.


رغم حديث الإدارة الأمريكية عن نيتها تحرير العراق من صدام واستبدال طغيانه بنظام ديمقراطي جديد، إلا انه من الصعب أن نوعز قيادة أمريكا للحرب على العراق إلى أي من الأسباب عدا مصلحتها, لكن يبدو سهلا الحصول على موافقة أولئك الذين يرون أجندة المصالح الشخصية التي يعتمدها المحافظون الجدد ويتسترون بها.


يقف الشرق الأوسط على شفا تغييرات جيوبوليتيكية لم تحدث منذ الإمبراطورية العثمانية. فالولايات المتحدة تعتمد المشروع شبه الاستعماري الذي يتطلب غزو مباشر ثم احتلال وهذا يتعارض و موقفها قبل 80 عاما حين عارضت الاستعمار الفرنسي والبريطاني. الفكرة الأساسية هي خلق نظام عميل في العراق، ثم تحويل هذا البلد الغني إلى نقطة ارتكاز لتحويل كل المنطقة تحت التأثير الإسرائيلي المسند من أمريكا.


سيجد الفلسطينيون- المحرومون من أي إسناد عربي – أنفسهم مجبرون للاذعان لخطة شارون الداعية للاستيطان النهائي في المنطقة. وسيكون لأمريكا اليد الطولى في صناعة النفط العراقي غير المؤمم. ومن مركز القوة تلك ستتحكم بالإنتاج وتفرض السياسات السعرية في كل المنطقة مقوضة بذلك الهيمنة السعودية التقليدية ومضعفة "أوبك" ومعلنة عهدا من النفط الغزير والرخيص.


تعتبر تلك الطموحات للاستعمار الجديد أسبابا كافية للعرب للوقوف ضد الحرب. لكن المشكلة إنهم إن فعلو ذلك, فسيقفون ضد بعض العرب وبضمنهم العراقيون الذين لهم الحق في صنع مستقبلهم. فالعراقيون يريدون إسقاط نظام صدام والمعارضة العراقية- المؤيدة للحرب- تعتقد أن كشف أسلحة الدمار الشامل هو سبب ثانوي للحرب لان السبب الأساس هو إسقاط النظام بوجود تلك الأسلحة أو عدمها. وهي تعتقد أن قرار الأمم المتحدة الأهم ليس القرار687 الذي ينص على نزع أسلحة العراق, بل هو القرار688 الذي يقضي بوضع حد للظلم الواقع على العراقيين.


وبالنسبة للمعارضة أيضا، ليس هناك وسيلة لوضع ذلك القرار موضع التنفيذ سوى التدخل العسكري, ولا بأس أن يكون ذلك التدخل أمريكيا صرفا. فالعراقيون حاولو كثيرا خلال السنوات الماضية، و قامو بالاغتيالات والتدخل العسكري و العصيان و كانت الانتفاضة الشعبية عام 1991 على مرمى حجر من النجاح لولا أن إدارة بوش الاب قد منعت قوات التحالف الموجودة في الجنوب من التقدم و الانتشار.


ولأكون أكثر دقة، فان بعض أحزاب المعارضة المهمة قد وضعت تحفظات على التدخل الأمريكي، ليس للأسباب التي قادت بعض العرب لاتخاذ نفس الموقف، بل لأنها كانت تريد الاقتناع بان أمريكا جادة في إسقاط نظام صدام أولاً و إقامة نظام جديد مقبول جماهيريا بدلا عنه ثانيا. لكنهم كانوا في شك من الأمر الثاني.


ذلك هو موضع الخلاف بين الموقف العراقي والعربي حول الحرب المقبلة. تصف بعض الصحف العربية القياديين في المعارضة بالخونة لأنهم على استعداد لتقديم العون للشيطان الأجنبي ضد مواطنيهم. لكن تلك الاتهامات التي صعدت الخلاف الأخلاقي والسياسي هي نفسها التي قادت إلى سقوط العرب في دوامته. فهم يعتقدون أن الحرب القادمة ستكون ضد العرب جميعا وليس ضد العراق فقط.


كان بامكانهم التخلص من هذه المأساة لو ادركوا منذ 20 عاما من هو صدام، انه القائد العربي الأسوأ والأكثر عدوانية، انه المرض الذي أصابت عدواه كل العالم العربي، لو ادركو ذلك لتعاطفوا مع العراقيين الذين عانوا منه كثيرا و لساعدوهم على التخلص منه.


حين ضرب صدام الأكراد بالغازات السامة، لم يواجه سوى تعنيفا بسيطا من قبل الغرب، وكان ذلك سببا كافيا لوقوف العرب من خلال الجامعة العربية إلى جانبه وإسناده بالكامل.


مهما تكن الأسباب وراء الحرب، نزع أسلحة العراق أو إقامة نظام جديد، فستبقى العناوين الرئيسية لأولئك المزايدين الذين يستخدمون المعايير المزدوجة التي صارت سببا كافيا لتصاعد العداء ضد أمريكا. سيكون ذلك عقابا لدولة عربية لامتلاكها أسلحة الدمار الشامل وانتهاك قرارات الأمم المتحدة، رغم استمرار أمريكا بالتستر على إسرائيل التي تمتلك مثل ذلك السلاح منذ زمن طويل.


ديفيد هرست: كاتب و محلل في الشرق الأوسط


نشر هذا المقال في صحيفة النجمة البيروتية