Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

استهداف طائفة عريقة.

إن الهجمات المتزايدة على الأقلية المندائية تركت أبناءها يعيشون في قبضة الخوف ويفكرون في الرحيل.
By Luma al-Shumary

تتجادل أمل مع زوجها يومياً, فهي تريد إخراج أولادها من المدرسة, وهو يرفض ذلك. وكان جارها الصائغ المدعو إيفان بدر قد أخرج أطفاله من المدرسة منذ فترة طويلة, وباع بيته وغادر. ولا يعرف أحد إلى أين ذهب إيفان. لقد جرى اختطافه في الصيف الماضي, ثم أطلق سراحه بعد أن دفعت عائلته فدية من آلاف الدولارات. ولا تريد أمل (وهذا ليس اسمها الحقيقي) إن يحدث الأمر نفسه لعائلتها, حتى أنها اتخذت خطوات صعبة من أجل حماية نفسها فتدربت على كيفية إطلاق النار واستخدام السكاكين.


و لا يعرف جيران بدر على وجه الدقة لماذا جرى اختطافه, إلا أنهم يشكون في أن يكون السبب كونه من المندائيين, وهم أبناء طائفة دينية تعود في أصولها إلى تأريخ ما قبل الميلاد, ويعتقد أن الأردن كان موطنهم الأصلي, وقد أجبروا منذ قرون وبسبب الاضطهاد على الفرار إلى ما يعرف اليوم العراق وإيران.


ويبلغ اليوم عدد المندائيين في العالم حوالي 200 ألف فرد, يعيش معظمهم في العراق وإيران وأستراليا والسويد. ويسكن ما يقارب 100 ألف منهم اليوم في بغداد. ويؤمن أبناء الطائفة بأن الماء هو أساس الحياة, ولذلك نراهم يعيشون قرب الأنهار والبحيرات التي تؤدي دوراً في حياتهم الدينية وطقوسهم الاجتماعية. ولكنهم هذه الأيام لم يعودوا قرب الأنهار في بغداد, لاسيما وان العديد من العصابات تنتشر على ضفاف نهر دجلة.


يقول البغدادي علاء دحلا, عضو مجلس شؤون الطائفة " إننا نمارس طقوسنا اليوم داخل المعبد بسبب الخوف من أن يهاجمنا أحد ".


وقد عانى مجتمع المندائيين في بغداد من 10 جرائم وأكثر من 13 عملية اختطاف خلال ثلاثة أشهر فقط. وقد ترك هذا الحال المجموعة تعيش في رعب, مما جعلهم يدفعون شيخهم لأن يتوجه بنداء للحماية من المسؤولين الدينيين والسياسيين على المستويين الوطني والدولي.


إن المندائيين, وهم طائفة تنبذ العنف, يؤمنون أن الله وحده له الحق في موت الإنسان. وقد أصبحوا عرضة للهجمات, لأنهم من ناحية, لا يحملون أسلحة, وهذا ما يجعلهم أهدافاً سهلة المنال في بغداد ما بعد الحرب حيث تسود الفوضى ويكاد القانون أن يختفي.


ومن ناحية أخرى, يعد المندائيون من الناس الأثرياء, ما داموا يمتلكون, تقليدياً, محلات المجوهرات ويعملون في الصياغة. وتقول أمل "حتى لو كنا فقراء, فإن المجرمين يعرفون أن لنا أقارب أغنياء يعملون في الذهب ".


وطرح مؤيد السوادي, وهو صحفي يعمل في مجلة آفاق المندائية, احتمالا آخر إذ قال "إنهم يستهدفوننا لعدم وجود عشائر أو قبائل تحمينا, لذلك يحسبوننا ضعفاء".


ومهما يكن السبب فإن تصاعد العنف قد ترك آثاره, ويقول خالد أمين, رئيس المجلس الأعلى للمندائيين أن نسبة الجرائم ضد أبناء الطائفة مرتفعة جداً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار عددهم القليل. وأشر على قائمة طويلة من أسماء الأشخاص الذين تعرضوا للاختطاف والهجوم, بما في ذلك سمير نعمة, الصائغ الذي دخل المستشفى مؤخراً إثر هجوم بالمسدسات. وأخبر أمين معهد صحافة الحرب والسلام قائلاً "كل هذا دفع الصاغة إلى إغلاق محلاتهم أو استئجار حراس شخصيين لحمايتهم ".


وقد بادر المندائيون إلى تسجيل العديد من الشكاوى لدى مراكز الشرطة المحلية, ولكنهم يدعون أن أي إجراء لم يتخذ لحمايتهم, و جراء ذلك توقفوا عن إبلاغ السلطات عن الجرائم التي يتعرضون لها, بل اختاروا بدلاً من ذلك, أن يطلبوا النجدة من السلطات العليا. وفي هذا الصدد قام وفد منهم بزيارة آية الله العظمى علي السيستاني في حزيران الماضي ليطلبوا منه إصدار نداء إلى المسلمين الشيعة لضمان أمنهم. وفي شهر كانون الثاني التقى وفد المندائيين مع بول بريمر الحاكم الإداري الأمريكي للعراق وطلبوا منه ضمانات تؤمن لهم ممارسة طقوسهم الدينية بحرية, حتى أنهم طالبوا بريمر بأن يكون لهم تمثيل في الدستور الجديد وفي الحكومة, وأن يكون بإمكانهم إقامة مدارس باللغة المندائية, لكن جهودهم لم تؤد إلى أي شعور بالأمن.


وقال أحد الصاغة, الذي طلب عدم ذكر اسمه, " نحن لا نعرف سبب استهدافا, وسواء كان السبب المال أو أسباب طائفية, إلا أننا نخشى على عوائلنا بسبب تأريخنا المليء بالاضطهاد".


ويعتقد البغدادي علاء دحلا أن عمليات القتل أو الاختطاف هي إما من عمل المجرمين الذين أطلق صدام حسين سراحهم قبل الحرب, أو أشخاص قدموا من خارج العراق بهدف إثارة النعرات الطائفية.


وأياًً كان الأشخاص ومهما كان السبب, فإن علاء يأمل أن تتحسن الأمور قريباً, وهو يقول "نحن نحب بلدنا ولا نود الرحيل". لكن الهجرة هي ما يفكر به مندائيو العراق, لاسيما أن الشيخ ستار حلو, رئيس الطائفة العالمي و زعيمها في العراق, أخذ يسعى للحصول على مساعدة الحكومة الأسترالية.


ويعيش في أستراليا أكثر من 700 عائلة مندائية, ويرغب الشيخ حلو بان تسمح كانبيرا للعراقيين من أقارب المندائيين في استراليا بدخول البلاد. و قد يكون هذا قراراً صعباً لبعض أبناء الطائفة, ولكن السوادي, من مجلة آفاق مندائية, يبدو ميالاٌ إلى هذا الخيار ويقول " قد نغادر في ما إذا ساءت الأمور أكثر. أن أستراليا بلد جميل مثل العراق ".


لمى الشمري مترجمة في صحيفة الإتحاد, ومتدربة في معهد صحافة الحرب والسلام