Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

يزفون الشهيد إلى مثواه والعريس إلى عروسه

الكاتب: أماني رياض
By Amani Riad

مدينة العنب كما يحلو لأبنائها تسميتها، داريا واحدة من المدن السورية العديدة التي شهدت حالات زواج رغم الحصار الخانق المطبق عليها من قبل النظام السوري، والنقص الشديد في كافة مقومات الحياة الرئيسية والخدمات الإنسانية. على الرغم من كل أشكال المعاناة استمرّت هنا مظاهر الأعراس التقليدية والحفلات.

الفتاة ترتدي ثوبها الأبيض والشاب يذهب ليأخذها بـ “بالعراضة الشامية” محمولاً على الأكتاف، بعد أن يكون رفاقه قد صففوا له شعره وزينوه لعروسه، وألبسوه بأيديهم “بدلة العرس”، لتعلوا أصواتهم متغنية بجمال هذا اليوم لحين وصوله إليها. قد يحدث أن يتزامن أحد الأعراس مع موجة قصف عنيف من قبل قوات النظام، فتأتي ردود الفعل ساخرة بأن النظام يشاركهم فرحتهم ولكن على طريقته الوحشية.

مركز الأمن العام، الذي أسسه ناشطون محليون في المدينة بعد محاصرتها من قبل النظام، وتم التوافق عليه من قبل جميع الهيئات والكيانات الثورية العسكرية والمدنية في المدينة. يضم هذا المركز مكتب شرطة، مكتب تحقيق، مكتباً قضائياً و مكتباً خارجياً وقسم ديوان وسجناً. وتم استحداث مكتب سجل مدني لتوثيق حالات الزواج و الطلاق والولادة والوفاة.  وثّق هذا المكتب نحو 150 حالة زواج داخل المدينة منذ شهر نيسان/أبريل من العام 2013 وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

أثنى كثيرون على مبادرة مركز الأمن العام، إذ أنها تسهم في ضمان حقوق الزوجين على حد سواء، والحد من الفوضى في موضوع تثبيت عقود الزواج في محاكم مدنيّة لاحقاً.

تختلف أسباب ودوافع الفتيات اللواتي قبلن الارتباط بشبان يعيشون ضمن  مناطق تابعة لسيطرة المعارضة المسلحة وربما أصبح معظمهم من المطلوبين لنظام بشار الأسد سواء بسبب عملهم السلمي أو المسلح. ياسمين (19 عاماً) لاجئة سورية في لبنان منذ أكثر من سنتين، ارتبطت مؤخرا بأحد الشبان المحاصرين. قابلته في المدينة بعد أن دخلتها خلسة. تقول ياسمين أن الدافع الرئيسي لارتباطها كان إعجابها بتمسكه بقضية الشعب السوري ورفضه الخروج من بلده على الرغم من جميع المخاطر المحدقة به. وتشير إلى أنها وجدت بهذا الارتباط تلبية لرغبتها في العودة إلى بلدها الأم والاستقرار فيه بعد غياب طويل “لا بوادر تهدئة في داريا، ولا هدنة وقد فاض بي الحنين لديارنا”.
أسماء ( 26 عاماً) طالبة جامعية من العاصمة دمشق, لم تجد خياراً أمامها لتستمر مع الشخص الذي ارتبطت به لمدة أربع سنوات، إلّا العودة إلى داريا لتكون بجانبه. تركت خلفها حياة كانت مليئة بالرفاهية وكل مقومات الحياة.

ترى معظم الفتيات أن ظروف الحياة المعيشية الصعبة داخل مدينة داريا المحاصرة تعتبر ثانوية أمام المخاطر الناجمة عن القصف العنيف. فبعض الفتيات المقبلات على الزواج داخل المدن المحاصرة يضعن شرطا على أزواجهن باختيار مكان آمن بعيداً نوعا ما عن القصف ومناطق الاشتباكات المستهدفة بشكل يومي.  وكان لرفض أهالي بعضهن  أو لهذه الشروط الدور الكبير في عرقلة أو منع استمرار بعض حالات الارتباط.
تختلف وجهات نظر بعض الأهل ممن طُلبت فتياتهن للزواج من أحد المحاصرين. عبير( 26 عاماً) طالبة جامعية رفض والدها تزويجها خوفا على عائلته ونفسه من المخاطر الأمنية التي قد تلاحقهم “أخاف أن أصبح أنا وأولادي الشباب من المطلوبين للأمن السوري في حال قمت بتزويج ابنتي لشاب من داخل المدينة، فالنظام لا يخفى عليه شيء وهناك الكثير من المخبرين”.
لم تنجح محاولات طلال ( 30 عاماً) بإقناع ذوي خطيبته السماح لها بالدخول إلى داريا والزواج منه، بحجة أنهم لا يستطيعون الدخول معها ولا يوجد أحد من أقاربها  في الداخل. فسخ طلال خطوبته وبدأ بالبحث عن فتاة أخرى.

ولبعض أهالي الفتيات شروطهم الخاصة, فوالد أسماء كان شرطه الرئيسي تثبيت زواج ابنته في محكمة مدنية، ليضمن حقها في حال أنجبت طفلا أو توفى زوجها. تمكن الزوج عن طريق أحمد السماسرة من تثبيت زواجهما، في محكمة مدنية في العاصمة دمشق مقابل مبلغ يسير من المال،  تلبية لشروط الوالد. وتقول أسماء إنها تؤيد شرط والديها هذا لكي تضمن حقها، وتبدي استغرابها لقبول بعض الفتيات الزواج بكتاب شرعي فقط.
تزوجت المدرّسة إيمان (24 عاماَ أخيراً من أحد أبناء داريا المطلوبين للنظام، بموجب كتاب شرعي فقط يقوم تسجيله الشيخ أو “المأذون” بحضور شاهدين وولي أمر الزوجة دون تسجيله في محكمة مدنية. وتخشى إيمان أن تنجب طفلا قبل تثبيت زواجها في المحكمة، لصعوبة حصوله بعدها على أوراق ثبوتية. في حين ترى أخريات  أن أمر تثبيت عقود قرانهن  ليس بتلك الأهمية، ويعوّلن على تغير الأوضاع وسقوط النظام ليتمكّنّ من تثبيت زواجهن، وحصول أطفالهن على الأوراق الثبوتية المطلوبة والهوية.

يبقى للفرح نصيب وفير في حياة السوريين يخلقونه من رحم المعاناة التي يعيشونها،  متحدين قساوة الظروف ومخاطر الحرب. هنا يحملون على الأكتاف شهيدا إلى مثواه الأخير و يحملون عريسا يزفونه لعروسه. هكذا هي الحياة داخل وطن يذوق ويلات الحروب منذ أربع سنوات.