Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

وما نزال بين الجدران

ما تزال الجدران , سواء تلك التي بناها صدام أم الأمريكان تذكرنا أكثر من أي شيء آخر بشعور العراقيين بالعزلة
By IWPR Iraq

وأخيراً زالت الجدران القديمة التي سجنتنا في عهد صدام, لكن جدراناً جديدة صنعت من الكونكريت ارتفعت مكانها, بعضها نصبتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, وبعضها الآخر نصبها السياسيون, والسفارات, والشركات الأجنبية.


في ظل النظام السابق, أحاطت الجدران العالية ببيوت و عقارات الدولة لعائلة صدام حسين لترمز الى الكيفية التي صودرت فيها ثروات الشعب.


وكنت بشكل خاص على معرفة بنوعين من هذه الجدران.


لقد عملت لمدة سنة في تثبيت مكيفات الهواء في نادي الفارس العربي وشاهدت ( 10 ) آلاف هكتار من البحيرات, والغابات, والمروج الخضراء, والأماكن التي تبدو تماماً مثل العديد من قصور صدام.


وكان النادي محاطاً بجدار مزدوج مزود بأبراج حراسة.


وكنت على معرفة جيدة أيضاً بالجدران التي تمتد على الطريق السريع بأكمله ولمسافة ( 15 ) كلم حتى المطار الدولي. وكانت قوافل السيارات الرسمية تستخدم الطريق عادة, لأنه كان يربط القصر الرئاسي في وسط بغداد بالمجمع الرئاسي خارج المدينة.


وكان يبدو ان صدام يزداد شعوره بالأمان كلما شيد حوله جدراناً أكثر فأكثر.


لكن تلك الجدران الواقية, جعلت الحي الذي أعيش فيه يبدو وكأنه سجن.


وبعد سقوط نظام صدام, بدأ العديد من العراقيين الذين يعيشون قريباً من تلك الجدران بتمزيقها, واقتطعت العديد من العرائل المشردة أجزاء من هذه الجدران واستخدمتها لبناء بيوت جديدة لها.


وساعد الآخرون في تهديم هذه الجدران فقط لأنهم كاموا يرغبون في التخلص من أي رمز يذكر بالنظام السابق.


وأخذ أحد جيراني ويدعى كريم الجبوري فأسه واتجه نحو أحد الجدران قائلاً "لكي نخلص أنفسنا من الاضطهاد والعبودية".


ومع ذلك, ولسوء الحظ فاننا لم نخلص أنفسنا من الجدران كلية.


مرة, كان شارع أبو نواس على امتداد نهر دجلة محاطاً بالأشجار الخضراء, مع شريط وسطي مزروع بالزهور, والحدائق, ومتنزهات الأطفال, والمطاعم, والمقاهي المجاورة تظل مفتوحة حتى الساعات المبكرة من الصباح.


لكن الشارع احتوى على موقعين لإثنين من منظمات الأمم المتحدة, وفنادق عديدة يقيم فيها حالياً الأجانب , اضافة الى مسؤولين في التحالف, وكل هؤلاء هم أهداف للمخربين. ونتيجة لذلك فقد خيم الصمت في شارع أبو نواس وتم استبدال المناطق السياحية الترفيهية بالاسمنت المسلح والأسلاك الشائكة, والدبابات الرابضة. وقد اقتلعت الأشجار للحيلولة دون استخدام القاومين لها كغطاء.


وعلى هذه الصورة تظهر معظم شوارع بغداد.


أما الأحياء التي تمتد بالقرب من مقرات التحالف في المنطقة الخضراء او بالقرب من البنايات الحكومية فقد سقطت تحت ظلال الحواجز الكونكريتية الطويلة.


وتمتد الشبكات المعدنية على الجسور لتمنع مقاتلي المقاومة من رمي القنابل على السيارات التي تمر من الأسفل.


وثمة أحياء أخرى مثل حي المنصور الذي تفضل السفارات والشركات الأجنبية الاقامة فيه, تعرضت شوارعها الى التقطيع بحواجز الطرق الخاصة, وتحولت الى مناطق مغلقة أمام العراقيين العاديين الذين يحاولون زيارة أصدقائهم وأقاربهم.


قد يتوافر لديك في يوم من الأيام مجال للوصول الى طريق او حي, ولكنك قد تجد في اليوم الذي يليه تماماً ان الطريق قد أغلق بسبب وقوع هجوم.


ربما يدرك العراقيون ان أسباب بناء الجدران قد تغيرت, لكن الجدران نفسها ما تزال علامة على ان القوى الموجودة ـ التي لا نستطيع ان نراها أو نقارعها الحجة بالحجة ـ بمقدورها ان تفرض سيطرتها على أي جزء تريده من مدينتنا.


ان اولئك الذين يريدون استعداء العراقيين ضد الأمريكان, يمكنهم ان يشيروا الى الجدران ويقولون "هل هذا هو كل ما جلبوه لكم؟ هل هذه هي الحرية"؟


ربما تغير النظام, لكن الجدران ـ أكثر الرموز ثباتاً ووضوحاً في الدلالة على افتقارنا للحرية ـ ما تزال جدراناً.


سلام جهاد ـ صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلام ـ بغداد