Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

وزير الخارجية يؤكد: لابد أن تتعامل الخرطوم مع المحكمة الجنائية الدولية

مسؤول يحيد عن سياسة الحكومة في رفضها التام لمحاكمة دولية لمقاضاة جرائم الحرب.
By IWPR ICC
.



وفي مقابلة حصرية أجراها معه معهد صحافة الحرب والسلم خلال زيارة قام بها إلى هولندا قال دينق ألور إن التحرك باتجاه توجيه اتهام إلى الرئيس البشير تسبب في أزمة داخل الحكومة الائتلافية في السودان، وأن اللجنة الخاصة التي أُسّست للتعامل مع أعمال المحكمة الجنائية الدولية كانت تعاني انقساماً حاداً حول ما ينبغي عمله.



أما وجهة نظره الخاصة فهي مع ذلك واضحة وقد عبر عنها بقوله :"علينا أن نتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية فتلك هي الوسيلة السياسية الوحيدة لمعالجة هذه المسألة."



"إن المحكمة الجنائية الدولية أمر لا يمكن تمني إبعاده، إنها موجودة لتبقى وعلينا التعامل معها والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي الطريقة القانونية."



وقد حادت ملاحظات ألور تماماً عن الموقف الذي اتخذته الحكومة الائتلافية التي رفضت بشكل كامل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية منذ أحال مجلس الأمن الدولي الحالة في دارفور إلى المدعين العامين في عام 2005.



هذا وترفض الحكومة اتهام وزير الدولة أحمد هارون وزعيم ميليشيات "الجنجويد" علي كوشيب بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وعندما كشف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو عن الادعاءات الموجهة ضد البشير في الرابع عشر من تموز طالب القضاة بإصدار أمر اعتقال عن عشر تهم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم مرتكبة ضد الإنسانية وأظهرت الأحزاب التي تشكل حكومة الوحدة الوطنية الحالية دعمها الثابت للرئيس.



ويعكس انحراف ألور عن الخط الرسمي حقيقة أنه لا ينتمي إلى حزب البشيرالمهيمن ـ حزب المؤتمر الوطني ـ بل إلى الحزب الرئيسي في جنوب السودان وهو ـ الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ التي وقعت بعد فترة طويلة من الحرب الأهليه بين الشمال والجنوب على صفقة مع الخرطوم عام 2005 في إطار اتفاق السلام الشامل وحصلت بنتيجتها على وظائف في ائتلاف مجلس الوزراء.



وكان قد تم تعيين ألور وزيراً للخارجية في تشرين الأول من العام الماضي ليحل محل آخر من الجنوب هو لام أكول.



وأوضح ألور في المقابلة أنه يمثل الرأي الرسمي للحركة الشعبية لتحرير السودان فيما يتعلق بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، لكنه لم يحدد أنه كان يتحدث بصفته ممثل حزب أو شخص عادي وليس بصفته الرسمية كوزير للخارجية.



وأشار إلى أن النقاش السياسي الناشئ حول المحكمة الجنائية الدولية هو أمر جيد بالنسبة للسودان.



قائلاً:"إنه أمر صحي فقد أثار للمرة الأولى مناقشة وطنية جادة وحقيقية، إذ كان حتى الآن من الصعب الإفصاح عن أشياء ضد حزب المؤتمر الوطني الحاكم ولكن الحركة الشعبية لتحرير السودان قد شجعت الكثير من الناس على الكلام."



وعندما أعلن مورينو أوكامبو عن ادعاءاته قام الرئيس البشير بتشكيل لجنة إدارة أزمات لمعالجة الأزمات مع المحكمة الجنائية الدولية، وقد عين لها رئيساً النائب الأول لرئيس الجمهورية سالفا كيير الذي يشغل في الوقت ذاته منصب رئيس منطقة الحكم شبه الذاتي في جنوب السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان.



ويشير وزير الخارجية الذي حضر مؤخراً اجتماعات اللجنة إلى أن آراء الهيئة منقسمة فيما يخص الاستراتيجية التي على السودان انتهاجها.



بقوله:"إننا نناقش احتمال توجيه أمر اعتقال بحق رئيسنا على الصعيد الوطني ولم نتوصل بعد إلى توافق في الآراء،" وأضاف "نحن نعلم أنه لم يعد أمامنا الكثير من الوقت ونأمل في أن نتمكن من التوصل إلى هذا التوافق في الرأي."



وبما أن المسؤولين السودانيين في حزب البشير الحاكم يحاولون اتقاء خطر المحكمة الجنائية الدولية فإن إحدى الحجج التي استخدموها هي أن النظام القضائي الوطني مستعد وقادر معاً على التحقيق في جرائم الحرب الخطيرة والمحكمة الجنائية الدولية لا تتدخل إلا في البلدان التي ليست هذه حالها.



ولكن مع ذلك رفض الخبراء القانونيون وجماعات حقوق الإنسان بشكل واسع المبادرات التي قام بها حزب المؤتمر الوطني الحاكم لإثبات التزامه بتحقيق العدالة باعتبار هذا الالتزام صورياً.



واعترف ألور بأن هناك مشكلة في الإجراءات القانونية في السودان مشيراً إلى أن "هناك الكثير من الناس الذين يقولون إن السلطة القضائية في السودان غير مستقلة بل تسيطر عليها أو تؤثر فيها السلطة التنفيذية بشكل خطير."



وتابع قائلاً إن "من المفروض أن يقوم القضاء السوداني بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور ومحاكمتها، إلا أن ذلك لا يحدث فوزير العدل لم يقم حتى الآن إلا بتعيين بعض القضاة للتحقيق مع بعض المتهمين وربما تتم محاكمتهم بشكل جدي. وأضاف "رغم محاكمة بعض المتهمين في الماضي يذهب الكثير من الناس إلى أن هذه المحاكمات لم تكن عادلة."



وبما أن السودان لم يوقع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية فهو لا يشعر بأنه ملتزم بقرارات المحكمة رغم أنه مرغم على التعاون معها نظراً للإحالة التي أصدرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبدلاً من ذلك رفع مرتبة هارون بعد إصدار أمر اعتقال بحقه وعيّنه وزيراً للشؤون الإنسانية.



ويؤكد ألور على أن على الخرطوم أن تعمل مع المحكمة الجنائية الدولية إذا كانت ترغب في منع صدور دعوى ضد الرئيس، بدلاً من أن تتجاهلها.



قائلاً:"لتأجيل أمر الاعتقال يتعين أن تقتنع المحكمة الجنائية الدولية بالتزامنا،" و أضاف "إن أردنا أن يساعدنا مجلس الأمن الدولي ويؤثر على المحكمة الجنائية الدولية لتأجيل إصدار أمر اعتقال بحق الرئيس لمدة عام فعلينا إما التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية من خلال التعاقد مع مكتب محاماة أو محامين من السودان قادرين على تمثيل الحكومة، أو التعاون مباشرة عن طريق وزير العدل."



هذا، وحزب المؤتمر الوطني الذي يسيطر على الائتلاف الحاكم لا يشاطر الوزير في آرائه إلا أن ألور أشار إلى أن بعض الأعضاء يؤيدونه ولكن بصمت.



وعندما سئل ألور عن ردود الفعل داخل الحكومة حول آرائه الصريحة بشأن المحكمة الجنائية الدولية قال : "إن حزب المؤتمر الوطني غاضب ولكن ينبغي أن أعبر عن رأيي، بعض الوزراء يوافقوني آرائي خارج الاجتماعات الرسمية إلا أنهم خائفون فالديموقراطية داخل حزب المؤتمر الوطني صعبة ولكن البعض يقولون إن آرائي جيدة وتحررية ويدعموني بشكل غير رسمي."



وصرح بأن العديد من الوزراء الذين يمثلون أقلية من الأحزاب السياسية غدوا بعد إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في حيرة بشأن ما يفعلون وما يقولون.



قائلاً:"إن الكثير منهم متحفظ للغاية بشأن هذه المسألة وعندما يتحدثون فإنهم غالباً ما يبدون التزامهم الشديد بسياسة حزب المؤتمر الوطني."



وكان وزير الخارجية قد سافر إلى هولندا للتحدث إلى وزير الخارجية الهولندي ماكسيم فيرهاغن عن موقف السودان من المحكمة الجنائية الدولية وإمكانية انضمام قوات حفظ السلام الهولندية إلى القوة المشتركة المؤلفة من قوات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي UNAMIDوبشأن التقدم المُحرز في تنفيذ خطة العمل الشاملة.



وخلال جلسة إعلامية صحفية في وزارة الخارجية الهولندية اعترف ألور بأن المحكمة الجنائية الدولية كانت "مسألة صعبة جداً وشائكة في السودان."



وقال : "سيأتي إصدار لائحة اتهام ضد البشير ـ إن حدث ـ في وقت صعب" بالنسبة للسودان: مع دارفور المشكلة الأساسية التي تعقدت بنشر قوات حفظ السلام المشتركة الـ UNAMID، وتوزيع المساعدات الإنسانية، وعلاقة السودان المعقدة مع تشاد، وتنفيذ اتفاق السلام الشامل.



هذا ومن المقرر أن يتم تنفيذ الشروط الواردة في اتفاق السلام الشامل كاملة في عام 2011 عند إجراء استفتاء لاتخاذ قرار حول ما إذا كان جنوب السودان ينبغي أن يصبح مستقلاً تماماً عن بقية البلاد.



وقد حذر ألور من أن توجيه الاتهام إلى الرئيس البشير قد يحول دون إيجاد حل مبكر للصراع في دارفور وقد يعرقل عملية اتفاق السلام الشامل التي تحكم العلاقات بين الشمال والجنوب.



بقوله :" نتوقع أنه ستكون هناك انعكاسات على عملية السلام وأنه قد يطول أمد الحرب في دارفور كما قد تتحطم تطبيقات خطة العمل الشاملة، هناك الكثير من الأشياء التي من الممكن أن تحدث."



وفي غضون ذلك يستمر القتال في دارفور، ولم تقم جميع الجماعات المتمردة بالتوقيع عل اتفاق السلام الذي تم التفاوض بشأنه في أيار 2006 بعد.



وكان المتمردون قد اتهموا الحكومة بالهجوم على المناطق الواقعة تحت سيطرتهم في دارفور في الأشهر الأخيرة، فحسب ما جاء عن متمردي دارفور قامت القوات الحكومية المحاطة بوحدات سلاح الجنجويد والمروحيات والطائرات بالهجوم على قرى ديزا وبيرمازا شمال دارفور في عطلة نهاية هذا الأسبوع.



وقد خلّف هجوم الخامس والعشرين من آب على كلمة ـ وهو مخيم واسع للاجئين بالقرب من نيالا عاصمة دارفور ـ سبعة وثلاثون قتيلاً من المدنيين وعدداً من الجرحى أكبر بكثير.



وقد أصرت الحكومة على أن المتمردين اسستخدموا المخيم لإخفاء الأسلحة والمخدرات، إلا أن عدداً من الوزراء استقالوا في وقت لاحق احتجاجاً على الهجوم.



وقد أشار ألور في الجلسة الإعلامية للصحافة إلى أن الاستقالات قد أحيطت بسرية تامة بقوله:" استقال بعض العناصر من المسيطرين في حزب المؤتمر الوطني إثر الهجوم على مخيم كلمة ولكن لم يتم الاعتراف بذلك مركزياً مما يدل على الضعف السياسي في السودان. "



ومن الجديرر بالذكر أن عداء السودان للمحكمة الجنائية الدولية لا يعني أنه لا مجال لاجتماع وزير الخارجية بممثلي المحكمة ـ و مقرها لاهاي ـ أثناء وجوده في هولندة.



وقد صرحت بياتريس لي فرابر دو هيلين من مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لمعهد صحافة الحرب والسلم بأن البيانات التي أدلى بها وزير الخارجية ألور والزعماء المحليون شجعت مكتبها.



وعندما طالب مورينو أوكامبو بإصدار لائحة اتهام بحق البشير وقف خلفه الاتحاد الإفريقى وجامعة الدول العربية.



إلا أن الدعم قد يتضاءل بين بعض الدول الإقليمية ـ على الأقل الآن ـ لأنها تزن الخطوات التي قد تتحول إلى ضرورة سياسية.



وقد أعلنت لى فرابر دو هيلن أن من المقرر أن يجتمع المدعي العام بـجان بينغ رئيس مجلس إدارة لجنة الاتحاد الإفريقي ووزير عدل جنوب إفريقيا، كما نوهت بالإضافة إلى ذلك إلى أن قادة كل من السنغال وبوتسوانا أشاروا إلى أن الحل لمشاكل السودان مع المحكمة الجنائية الدولية يكمن في الامتثال للمحكمة.



قالت لي فرابر دو هيلين :"أن المدعي العام قدم الأدلة إلى القضاة وقام بما عليه القيام به قضائياً، إلا أننا نتفهم أن بلدان المنطقة التي تساهم في قوات حفظ السلام الـ UNAMID المتواجدة في الميدان تأخذ بعين الاعتبار النتائج في إدارة الصراع."



وأضافت "سيكون على البلدان الإفريقية والعربية أن تتدبر ما يحدث في دارفور ويتعين عليها أن تتكيف مع الواقع القانوني الجديد، إلا أنه قاسٍ وهم يحاولون تقدير العواقب."



كاتي غلاسبورو مراسلة صحفية، معهد صحافة الحرب والسلم في لاهاي.