Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

وتعلّمنا ألّا نغضب ممن نحب

الكاتب: قمر السعيد
By Qamar al-Said

(دوما-سوريا) ظهيرة 3 آب/أغسطس 2014، خرجت من بيتي بعد أن خضت نقاشاً عنيفاً مع زوجي حول طعام الغداء. كنت غاضبة.

منذ بداية الثورة في سوريا بدأت أمورنا المادية بالتدهور، وعندما فرض نظام الأسد الحصار على الغوطة الشرقية ازدادت أوضاعنا سوءًا. اضطر زوجي لبيع سيارتنا، وأدوات المعمل التي كنّا نملكها. صرفنا أغلب مدخراتنا التي كنا نحلم أنها ستوفّر لنا حياة رغيدة. ومع ازدياد تعقيد الأمور وغلاء المعيشة بدأت المشاكل تهزّ بيتي بشكل كبير. خاصة مع استشهاد ابني الذي شكل غيابه ألماً كبيراً في نفوسنا.

في ذلك اليوم خرجت و الدموع تنهمر من عيني أمشي على غير هدى. لا أعلم ماذا أفعل؟ أخي الكبير كان قد استشهد أيضاً قبل عام، هو من كان يساعدني في ظروفي الصعبة. بدأت أمشي في شوارع دوما لا أقصد وجهة محددة. قاطع شرودي هذا غارة عنيفة لطائرات النظام. قلت في نفسي يا ليتها أصابتني وأراحتني من هذا الحزن الذي أحيا به. حاولت أن أعرف اتجاهها ومكانها فأدركت أنها قريبة من منزلي. هرعت إلى هناك متناسية الألم الذي أشعر به، وكل أفكاري تتجه نحو عائلتي التي تركتها منذ قليل. ولكن الغارة الثانية كانت أسرع مني. لم أعد أستطيع التحمل. ركضت في الشارع مسرعة، أصوات سيارات الإسعاف و الدفاع المدني تملأ المكان.

وما إن اقتربت من حارتنا حتى رأيت منظراً تعجز الكلمات عن وصفه. الحارة يعمّها الخراب، وكأنها لم تكن الحارة التي تركتها قبل وقت قصير. ذاك البناء الذي يوجد فيه محل المعاطف، كان الدخان يتصاعد منه. “يا إلهي احمِ محمد، الشاب اللطيف الذي يعمل في المحلّ، يا رب سلّم عائلتي” تمتمت وركضت إلى مدخل البناء. كنت أصعد الدرج وإذ بابنتي تنزل بسرعة وهي تبكي وتصرخ. اصطدمت بها، حاولت أن أهدئ من روعها، لكي أفهم كلامها المتلعثم الذي اختلط بدموعها. قالت لي: “ماما غارت الطيارة أول مرة كنا كلنا بالبيت، صرخوا الجيران إسعاف ركض بابا لتحت ليساعد بالإسعاف، ولما نزل ضربت الطيارة مرة تانية ما بعرف شو صار بعدين”. أمرتها بالصعود إلى المنزل، بعد أن علمت أن الجميع بخير. وذهبت إلى النقاط الطبية بحثا عن زوجي.

ذهبت في بداية الأمر إلى نقطة الإسعاف الوحيدة الموجودة في المدينة. وجدت الحرس عند باب النقطة يحاولون ضبط الأهالي الذين يبحثون عن اقربائهم وهم يصرخون. كان الحرس يحملون لائحة كتب عليها بعض الأسماء التي حصلوا عليها. ويمنعون نزول الناس إلى النقطة كي لا يعيقوا عمل المسعفين.

سألت الحارس عن إن كان اسم زوجي على اللائحة التي أمامه. فقال لي إنه ليس موجودا. هناك التقيت بجارنا أبو صبحي الذي أبلغني أن زوجي في نقطة طبية أخرى وعرض علي إيصالي إلى هناك، وهذا ما حصل.

في نقطة العمليات كان الطاقم الطبي منهمك، فالإصابات مازالت تتوافد وبأعداد كبيرة. أبلغني أبو صبحي بأن انتظره أمام باب النقطة، بينما يبحث عن شخص يعرفه يعمل في النقطة. يمكن أن يخبرنا عن حالة زوجي. عاد ومعه الخبر عن خطورة إصابة زوجي، وبأنه فقد قدميه تحت الركبة مباشرة، وبأنه ما زال تحت العملية.

كاد أن يغمى علي، بدأت أبكي ولكن بصمت. الصراخ والعويل لن يجدي. أو أعتقد أنه لم تعد لدي القدرة على ذلك، بعد كل المصائب التي عشتها. جاءت الممرضة وطلبت منّي أن أجلس على كرسي في غرفة تم إعدادها لاستقبال مرافقي المرضى. جلست وبدأت أفكر بكل شيء حدث معي. فكرت باحتمال موت زوجي بسبب إصابته البليغة. واحتمال عيشه مع هذا العجز الكبير الذي أصابه، وهو الذي ما زال في عقده الرابع من العمر.

بدأت أبحث عن طريقة يمكن أن تساعدني على الحياة بعد هذه المصيبة. ولكن سرقتني من تلك الأفكار الذكريات الجميلة التي عشتها معه ومع ابني. اللحظات الرائعة التي كانت مليئة بالفرح والحب والحياة. ومن ثم بدأت بالبكاء، وارتسمت أمامي صورة ابني وهو يبتسم، ومن ثم زوجي وهو يحضنه.

بدأت ألوم نفسي على ذلك الشجار الذي أخرجني من المنزل غاضبة، وزوجي غاضب مني. وتذكرت هنا أن أولادي ينتظرون خبراً عن أبيهم الذي خرجت بحثاً عنه. عدت إلى جارنا وطلبت منه أن يخبر أولادي بما حصل، وبأنني سأنتظر انتهاء عملية زوجي، فوافق على ذلك.

بعد أربع ساعات عادت الممرضة لتخبرني أن زوجي سيتم إخراجه من غرفة العمليات، ونقله مباشرة إلى قسم الاستشفاء. وأن إصابته كانت هي الأكبر في ذلك اليوم الدامي. ذهبت إلى قسم الاستشفاء، وهناك وجدت زوجي والعديد من الأنابيب الطبية تخرج من جسده. سألت الطبيب المسؤول هناك، فأخبرني بأنه فقد قدميه وإحدى عينيه وتعرض كتفه للكسر، وبأنه الآن يحتاج إلى رعاية نفسية أكثر من الطبية بعد إصابته هذه. مضيت إلى سرير زوجي أنظر إليه وهو مازال تحت تأثير التخدير. وبدأت أبكي بحرقة. الشيء الوحيد الذي أردته هو الاعتذار منه وإخباره بأني أحبه وسأقف إلى جانبه.

أعلم الآن أنه في مدينتي ليس هناك من مكان للغضب. ليس من المسموح أن نغضب من الذين نحبهم. قد نتفاجأ باختفائهم من حياتنا بشكل سريع. بصاروخ طائرة أو قذيفة هاون، دون أن تتاح لنا الفرصة لوداعهم وإخبارهم بمدى حبنا.

قمر السعيد، سيدة في الأربعين من عمرها، أم لثلاثة شبان فقدت أحدهم. وثلاث فتيات هاجرت إحداهن مع زوجها. أما زوج قمر فقد تعرّض للاعتقال كما بُتِرت قدمه وفقد إحدى عينيه. لم يطل الأمر حتى تلقيت الرد بأن قمر فارقت الحياة فعلاً، بجسدها هذه المرّة وليس بروحها فقط. في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تعرضت المزرعة حيث كانت تقيم مع بقية أفراد عائلتها للقصف، ما أودى بحياتها وحياة إحدى قريباتها.