Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

وأنا الآن أستعد للرحيل

الكاتب: حنين عبد الرحمن
By Hanin Abdul Rahman
Two women walk past a school in ruins in Aleppo’s Al-Ansari neighbourhood. (Photo: Hussam Kuwaifatiyeh)

أستيقظ صباحاً لأمضي إلى مدرسة  يتعلّم فيها أطفال مهددون بالموت  في كل لحظة. أطفال يعيشون حياة هي أقرب إلى الموت. أعلّمهم بعض كلمات من لغة لعالم آخر يعيش حياة لا تشبه حياتنا، لأتابع بعدها طريقي نحو نقطة طبية أمارس بها عملاً يفترض ألّا أمارسه إلّا بعد ست سنوات من دراسة الطب. لكن الظروف اضطرتني أن أقوم بعمليات هي أقرب للجراحية. أحتكّ بها مع الموت في كل لحظة، وأنهي نهاري بجمع أسماء من استشهد ومن أصيب ومن فقد عضواً. أعود بعدها إلى سوق شعبي، خلا من أغلب المواد الغذائية، فيه بعض الفتات نقتاته بأسعار باهظة لنعيش.

أعود إلى  منزلي الذي سكنته الأحزان، وأحدّث أسرتي عن مجريات يومي، وألقي نفسي بسريري. أتذكّر أحلامي التي تبعد عنّي عدة كيلومترات، حرمت منها بسبب حصار جائر و وظلم حلّ بمدينة أرادت أن تشرق فيها شمس الحرية. لأصحو على قذيفة وقعت على بيت سكني أو نداء من النقطة الطبية لأكون هناك بسرعة، بسبب غارة طيران أو صاروخ موجه.

أنا التي لم أبلغ العشرين من العمر، أحمل هموماً وأحزاناً لا يألفها أبناء جيلي وأصدقائي الذين نأوا بأنفسهم عن الثورة، وتابعوا حياتهم وصمّوا آذانهم، كما فعل العالم عن إجرام بشار الأسد، وفتكه بشعب حاول أن يحصل على أقل حقوقه فكان مصيره الموت.

أستيقظ صباحاً لأمضي إلى مدرسة  يتعلّم فيها أطفال مهددون بالموت  في كل لحظة. أطفال يعيشون حياة هي أقرب إلى الموت. أعلّمهم بعض كلمات من لغة لعالم آخر يعيش حياة لا تشبه حياتنا، لأتابع بعدها طريقي نحو نقطة طبية أمارس بها عملاً يفترض ألّا أمارسه إلّا بعد ست سنوات من دراسة الطب. لكن الظروف اضطرتني أن أقوم بعمليات هي أقرب للجراحية. أحتكّ بها مع الموت في كل لحظة، وأنهي نهاري بجمع أسماء من استشهد ومن أصيب ومن فقد عضواً. أعود بعدها إلى سوق شعبي، خلا من أغلب المواد الغذائية، فيه بعض الفتات نقتاته بأسعار باهظة لنعيش.

أعود إلى  منزلي الذي سكنته الأحزان، وأحدّث أسرتي عن مجريات يومي، وألقي نفسي بسريري. أتذكّر أحلامي التي تبعد عنّي عدة كيلومترات، حرمت منها بسبب حصار جائر و وظلم حلّ بمدينة أرادت أن تشرق فيها شمس الحرية. لأصحو على قذيفة وقعت على بيت سكني أو نداء من النقطة الطبية لأكون هناك بسرعة، بسبب غارة طيران أو صاروخ موجه.

أنا التي لم أبلغ العشرين من العمر، أحمل هموماً وأحزاناً لا يألفها أبناء جيلي وأصدقائي الذين نأوا بأنفسهم عن الثورة، وتابعوا حياتهم وصمّوا آذانهم، كما فعل العالم عن إجرام بشار الأسد، وفتكه بشعب حاول أن يحصل على أقل حقوقه فكان مصيره الموت.

أعاني من مجتمع ذكوري لا مكان فيه للمرأة ولا لأحلامها، وكأنه لا يكفيها ظلم الحرب. مهمتها فقط أن تعمل تحت ظلّ الرجل، دون أن يكون لها الحق في أن تعبّر عن آرائها.

أعمل مسعفة في مكان الموت هو الزائر الأساسي فيه. ومع ذلك فقدت حقوقي في التعبير والطموح. حكموا بأن أعود خطوات إلى الوراء لأقف خلف الرجال. أفكّر بهم، هؤلاء أطباء درسوا في كلية الطب، وبعضهم كان خارج البلاد، ما الذي حلّ بأفكارهم ولماذا يتصرفون معنا بهذه الطريقة؟

لم أعد أحتمل ذلك الظلم الذي أعيشه بين مجتمع فرض علي قيوداً لا تليق بي، وبين نظام مجرم أفقدني أحلامي ومنع عني دراستي ومارس القتل والتجويع بحق أهلي.

حدثت عائلتي، وأردت الهروب من هذا المكان المنفي في الأرض. رجوتهم أن يسمحوا لي أن أخرج وأسعف نفسي، بعيداً عن مكان قتلني دون أن يأويني في قبر.

لشدة الحزن والإحباط الذي أصابني بدأت أتردد على طبيب نفسي. أخبر الطبيب أهلي عن احتمال تفاقم حالتي وإصابتي بالاكتئاب. فسمح أهلي لي بالخروج.

بدأت بالتواصل مع كل من يملك معلومة عن طريقة للخروج من الغوطة المحاصرة. وبين وعود ودفع للنقود استطعت أن أخرج من الغوطة في 2 شباط/فبراير 2015. ذهبت إلى العاصمة دمشق، لأجد الناس تحيا بعيداً عن الغوطة المنكوبة بعدة كيلومترات حياة عادية، وكأن الحرب لا تعنيهم بشيء. وكأن من في الغوطة ليسوا ببشر، وأن تلك الحرب تحصل في مجرة أخرى.

في 5 شباط/فبراير شنّ  نظام الأسد حملة همجية على دوما، استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة، أسفرت عن نحو 300 شهيد والمئات من الجرحى ودمار هائل.

كنت في دمشق القريبة من  دوما، كانت الطائرة تخرج من مطار المزة العسكري والناس تعلم أنها ستلقي صواريخ الموت على أهالي مدينة دوما، ولا أحد يكترث أو يعترض. كنت أحترق وأتألّم، لا أعلم ماذا أفعل يا ليتني لم أترك أهلي و لم أخرج. كنت أتخيّل أنه في مثل هذا الوقت أكون عادة في النقطة الطبية، أعمل و أسعف. أما الآن فأصبحت أشاهد فقط، ولا أستطيع أن أتكلم لأن أجهزة المخابرات تراقب أنفاس الناس في دمشق. ولا أستطيع بنفس الوقت أن أحيا بشكل عادي، لم أعد أطيق حياتي. حتى أهلي لا أستطيع أن أحدثهم وأطمئن على أحوالهم، فالهواتف مراقبة، كل شيء مراقب. كل شيء ممنوع و الحلم الذي خرجت من أجله وجدته لا يستحق لأنه تغير، وأصبح لأعدائنا. أكثر ما آلمني هو حديث الناس في دمشق، الذين دائما ما كانوا يبررون سكوتهم بأن أهل الغوطة هم سبب وصولهم إلى هذا الحال، وبأن الثورة هي مؤامرة وخدعة وهم وقعوا في شراكها. أستحضر تلك المجازر التي عشتها في الغوطة مع كلماتهم فأختنق وأصاب بالكمد، لا أعلم ماذا أفعل. أرى الإيرانيين يتجولون في دمشق والقتلة الشبيحة، في كل لحظة أشعر باغتصابهم لدمشق الطاهرة، وأنا أنظر فقط حالي كحال من بقي في دمشق. عندما كنت في الغوطة كنت أعمل، أشعر بأنني أخدم ثورتي، أما الآن فتحولت إلى متفرجة.

بعد خمسة أشهر من هذه الحال أخذت قراري، و قررت كأغلب شباب بلدي أن أهاجر إلى أوروبا، وأترك سوريا وأبتعد. لا أعرف إن كان هذا جبن مني أم ماذا، لكنني أعلم أن صبري قد نفذ و لم أعد أحتمل. اغتيلت أحلامي، وقتل أغلب أصدقائي وأصبحت وحيدة.

كانت ثورة دفعنا في سبيلها كل شيء، وتركنا كل شيء لنصرتها، فقتلنا الأسد مع عملائه. ولكنه لم يكن المجرم الوحيد، فأهل بلدتي أيضاً قتلونا بعاداتهم وتقاليدهم وقيودهم التي كبلونا بها.  فكانت أوروبا التي هي شريكة بقتلنا أيضاً، أقرب إلينا من بلادنا. اتفقت مع بعض الأشخاص الذين أرادوا الهروب واللجوء إلى أوروبا، وأنا الآن أستعد للرحيل.

حنين عبد الرحمن، تركت دراستها في الطب بشري في سنتها الجامعية الثالثة في دمشق، لتذهب إلى الغوطة وتعمل فيها كمسعفة لمدة سنتين. عملت في العديد من النقاط الإسعافية والطبية. ومنذ شهرين اضطرت لترك الغوطة وعادت إلى دمشق.