Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

نقص المستلزمات الطبية يسبب الموت لمرضى كركوك

المرضى في المدينة الغنية بالنفط يقضون دون داع على طاولة العمليات في المستشفى الرئيسي للمدينة
By IWPR Iraq
.



و يحدث هذا الأمر في بلد يفترض أن تكون الرعاية الطبية فيه مجانية، كما أنه يحدث في مدينة تضخ مئات الآلاف من براميل النفط يوميا.



وحتى أكثر المواد أساسية، مثل إسفنج الجيلفوم التي تستخدم لإيقاف النزيف، غير متوفرة. انه ليس من غير المألوف أن نرى جراحا يقف عاجزا أمام مريض في حين أن أعضاء من أسرته يذهبون إلى السوق المحلية مع قوائم تسوق تحتوي على الحاجيات اللازمة للعملية.



وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، عثرت شرطة كركوك على شاب فاقد للوعي في الشارع و قامت بإحضاره إلى المستشفى. كان الشاب في منتصف العشرينات من عمره، و تعرض إلى ضرب مبرح وأصيب بجروح بليغة في الرأس. و لم يستطع أحدا أن يتعرف على هوية الضحية.



ولكن في غضون دقائق، بدأت الممرضات بتنظيف جروحه وشرع الجراحون بعملهم حيث كان يوجد أربع اسفنجات جيلفوم احتياطية.



استخدم الجراح قطع الجيلفوم لوقف النزيف في الرأس، و لكنه إحتاج إلى المزيد منها، إلا أنه لم يبق أمامه خيار سوى إستخدام الشاش المعقم. توقف النزيف و لكن المريض مات بالتلوث في اليوم التالي.



و قالت ممرضة تعمل في وحدة جراحة الأعصاب أنه لو كان لديهم ثماني اسفنجات أخرى، لكان المريض بقى على قيد الحياة. ووفقا لما قالته لممرضة، فإن كل اسفنجة تكلف الحكومة العراقية بضعة دولارات أمريكية.



كان الجراحون قد طلبوا من وزارة الصحة شحنة من الإسفنج منذ ستة أشهر. و تلقوا مؤخرا عدة رزم منها - ولكن تاريخ صلاحيتها قد انتهى قبل عام.



و من المعدات الطبية الأخرى التي تنقص الجراحين هي الأدوات التي تستخدم في عملية التحويلات للدماغ (shunting)، وهي عبارة عن أنابيب تستخدم لتفريغ السائل من الدماغ.



أسرة من كركوك جلبت ابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات إلى المستشفى و كانت تعاني من ورم في الدماغ و نوبات صداع شديدة. كان الجراحون في حاجة إلى معدات خاصة بعملية التحويلة لإنقاذ حياتها. و بسبب أنه لم يكن لديهم واحدة في المخزن، استخدموا الحقنة. لم ينجح هذه البدعة وتوفيت الطفلة.



لم يبق مكان لاتبحث فيه أسر المرضى عن الأدوات التي تستخدم في عملية التحويل ولكنها لا تستطيع أن تجدها حتى في السوق السوداء.



وثمة مشكلة أخرى وهي أن الجراحين لا تستطيعون تبديل المثقاب الجراحي القديم، ففي هذه الوحدة ، يستعمل الجراحون نفس المثقاب طيلة ما يقرب من احد عشر عاما. فالأجزاء القاطعة من المثقاب أصبحت كليلة و هي تعمل حفرا أكبر من تلك التي يحتاجها الجراحون، الأمر الذي يسبب أحيانا تصدعا لجمجمة المريض كما أنه يتسبب في الكثير من الآلام.



و قام أحد الجراحين في الآونة الأخيرة بأخذ الجزء القاطع من المثقاب إلى حداد السكاكين في السوق ولكن الأمر لم ينجح. إنهم بحاجة إلى أجزاء جديدة.



و إذا كان كل ذلك لم يكن سيئا بما فيه الكفاية، فإن الوحدة و بقية أجزاء المستشفى قد ابتليت بالفئران، و عندما اشتكي الموظفون إلى وزارة الصحة، أرسلت الوزارة سم الفئران بعد شهر من ذلك، و لكن هذا ليس بشيء مستحب و لا ترغب أن يكون مرميا بالقرب من أي صالة عمليات.



ويشكل الوضع العام لمبنى المستشفى مصدر قلق للموظفين، فهناك أجزاء صدأة و رطبة و على وشك الإنهيار.



إن مسؤولي الصحة العراقية يمنحون تراخيصا لتزويد المستشفيات بالمعدات والأدوية -- ولكن البيروقراطية والفساد وعدم الاستقرار يتسبب في وصول القليل منها إلى المستشفى.



يشكل الأمن مشكلة خاصة، فالطريق من بغداد إلى كركوك سيء الصيت و معروف بخطورته، حيث أنه و في إحدى المرات كان هناك كادر طبي في طريقه إلى العاصمة لغرض إستلام تجهيزات قد مسكو بهم مسلحون و قتلوهم. ولكن لكركوك مطار، لذا فيمكن للمسؤولين أن ينقلوا هذه التجهيزات عن طريق الجو بدلا من أن يقوم الناس برحلة برية محفوفة بالمخاطر.



إن استمرار المشاكل قد أثر على معنويات الموظفين، حيث قالت ممرضة في وحدة جراحة الأعصاب، "عندما أرى المرضى يموتون في مثل هذه الظروف فإن حالة من الاكتئاب تصيبني لأسبوع وأريد أن أعزل نفسي عن بقية العالم."



وبعد خمس سنوات على الحرب، فإن وحدة جراحة الأعصاب ترينا بحزن سوء حالة مدينة تنتج أكثر من نصف مليون برميل من النفط يوميا.



ويدعو الكرد كركوك بقلب كردستان، كما أن العرب يدعونها كجزء لا يتجزأ من العراق. ويذرف السياسيون دموع التماسيح على هذه المدينة في حين أن اصغر سكانها عمرا يموتون فيها على طاولات الجراحة في صالات العمليات بسبب عدم وجود قطعة إسفنج.



أيوب نوري هو صحفي عراقي ومدرب إذاعي سابق لدى معهد صحافة الحرب والسلام. وهو الآن صحفي مقيم في راديو أخبار الحرب، برنامج إذاعي لكلية سوارثمور يركز على العراق وأفغانستان.



تستند هذه المقالة مقابلات هاتفية على نطاق واسع مع كادر الطبي للمستشفى.