Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

نقاط التفتيش: روليت روسي - لعب قمار- في بغداد

قاد الوعي بالوعي الامني الى ان يحاول العراقيون تقليل المخاطر وهم يناقشون فيما بينهم مسالك طريقهم عبر بغداد
By IWPR Reporters
.



قد تكون من المناظر المالوفة في دول اخرى في المنطقة تزداد فيها التوترات مثل لبنان، العربية السعودية، وتركيا، لكن نقاط التفتيش تلك لا تكتسب اهمية كتلك التي تكتسنها نقاط التفتيش في بغداد. لقد اصبحت العاصمة العراقية التي كانت يوما مختلطة الاعراق والطوائف مقسمة بالكتل الكونكريتية وعدد لا يحصى من نقاط التفتيش.



لقد ازداد عدد نقاط التفتيش بشكل كبير منذ سقوط نظام صدام حسين في نيسان عام 2003. هناك ما يقارب من 1000 نقطة تفتيش في بغداد اضافة الى العدد غير المعروف من النقاط غير الرسمية التي تقيمها الميليشيات المختلفة وكذلك الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون.



تدار نقاط التفتيش الرسمية من قبل وزارتي الدفاع والداخلية، وقد طرأ تحسن كبير على اداء تلك النقاط منذ انتخابات عام 2005. يتواجد في النقطة الواحدة من خمسة الى عشرة جنود او شرطة مسلحين ببنادق الكلاشنكوف ومجهزين بعربات مدرعة او سيارات ذات الدفع الرباعي، بينما يتم نصب نقاط تفتيش اخرى في اي مكان يتطلب الوضع الامني فيه ذلك.



تقاسمت الوزارتان مناطق بغداد المختلفة فيما بينهما. تسيطر وزارة الدفاع التي تعتبر مؤسسة سنية على نقاط التفتيش في الكرخ التي تعتبر منطقة سنية وتقع على الجانب الغربي من نهر دجلة، بينما تسيطر وزارة الداخلية التي يسيطر عليها الشيعة على نقاط التفتيش المنتشرة في جانب الرصافة ذات الاغلبية الشيعية والواقعة على الجانب الشرقي من نهر دجلة.



ينتقد البرلمانيون العراقيون كلا الوزارتين متهمين اياهم باقامة نقاط تفتيش يقوم عليها عناصر غير كفوءة وغير مدربة وينقصها التجهيز.



تعتقد شذى العبوسي عضوة البرلمان عن جبهة التوافق العراقية ان ليس باستطاعة نقاط تفتيش الشرطة او الجيش فرض النظام في الشوارع.



واضافت "انهم بلا قوة، وان قوات الامن لا تتبع نظاما عسكريا صارما يضعهم امام المحاسبة في حالة ارتكابهم الاخطاء".



القى محمود عثمان العضو عن القائمة الكردية باللوم على الاداء الضعيف لنقاط التفتيش بسبب غياب المعلومات الاستخباراتية والاجهزة المتطورة للكشف عن المتفجرات.



ورغم تلك الانتقادات، يقول المسؤولون ان تلك النقاط تلعب دورا اساسيا في عكس سيطرة الدولة على ارض الواقع، وتساعد على اقامة قوة القانون والنظام والحد من هجمات المسلحين.



قال محمد العسكري المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع "واجبهم هو التحقق من السيارات التي لاتحمل لوحة ارقام مرخصة، ووضع حد للميليشيات التي تقوم بالاعتداء على المواطنين".



يفترض بقوات الامن حجز كل المشتبه بهم والسواق الذين لا يحملون وثائق رسمية او انهم لا يحترمون القانون بشكل او باخر.



يعترف العسكري بوجود نقاط ضعف مثل نقص التدريب وانخفاض مستوى التعليم بين افراد الجيش والشرطة. اعترفت وزارة الدفاع في كانون الثاني الماضي ان الوزارة مخترقة من قبل الميليشيات وان القانون العسكري لا يستخدم لمعاقبة المنتسبين الذين يخرجون عن طاعة الانظمة.



اياد علي،25، منتسب الى وزارة الداخلية، ويخدم في احدى نقاط التفتيش في الرصافة. لا يملك هو وبقية زملائه اجهزة الكشف عن المتفجرات ويستلمون من مسؤوليهم معلومات – ان وجدت- ضعيفة عن السيارات المشكوك فيها. كل مايمكنهم عمله هو تفتيش السيارات المشكوك فيها. لكنه اضاف "ان ذلك لا يكفي لتوقيف الاشخاص المطلوبين".



صارت نقاط التفتيش مألوفة في بغداد. رغم ان البعض يرى الحاجة الى مثل تلك النقاط، الا ان الكثير من اهالي بغداد يعتبرون ان الاجهزة الامنية لم تستطع تحقيق الامن في بغداد وجعلها مدينة بغداد امنة. انهم يتهمون القائمين عليها بالتسبب في الكثير من المشاكل بدلا من حلها. تتسبب اجراءات التفتيش الطويلة في خلق حالة من الزحام المروري والنكد بين الناس بينما يمر المسلحون بشكل سهل من خلال تلك النقاط.



قال عبد الامير محمد،54، سائق تاكسي، "لا فائدة من نقاط التفتيش تلك، انها مهزلة تتسبب في تأخير الناس لان العاملين في تلك النقاط لا يعرفون الية تفتيش الناس ولا يملكون الاجهزة ".



في مؤتمر صحفي ،صرح العقيد قاسم عطا الناطق الرسمي بأسم خطة امن بغداد او "خطة فرض الامن والنظام " التي بدأت في شباط ان الحكومة استوردت اجهزة الكشف عن المتفجرات الا انها لم تستعمل لحد الان. في ايار، انتشرت اشاعة ان الشرطة تستخدم اجهزة وهمية للكشف عن المتفجرات وذلك من اجل ردع المسلحين من تهريب المتفجرات.



منذ بداية خطة امن بغداد، تم توجيه التعليمات الى كل نقاط التفتيش في ضرورة تفتيش كل السيارات مهما بدى شكلها، والتركيز على سيارات الاوبل والبي ام دبليو التي يفضلها الانتحاريون في عملياتهم الانتحارية.



نمطية العمل قاد الى ضعف اداء نقاط التفتيش في التدقيق الامني، فالسيارات نوع بي ام دبليو التي يقودها الشباب تخضع للتفتيش بينما تمر السيارات الاخرى دون تدقيق. اظهرت الهجمات الاخيرة ان المسلحين يغيرون تكتيكهم باستمرار، فمثلا في هجومهم على الجانعة المستنصرية الذي خلف عشرات الضحايا، استخدموا سيارات من نوع دايو وكيا.



يمتعض الكثير من اهالي بغداد كون نقاط التفتيش تلك تقع قرب المناطق السكنية والمحال التجارية وانها مستهدفة دوما من قبل المسلحين.



وهناك شكاوى ضد بعض القائمين على نقاط السيطرة الذين يطالبون بالرشوة. تتذكر العبوسي كيف ان نقطة تفتيش في الكرخ اوقفتها وطلبت قوات الامن منها ومن حراسها اعطائهم بعض الذخيرة.



وقالت "تم ايقاف و ازعاج حراسي اكثر من خمس مرات عند نقاط التفتيش رغم انهم يحملون الهويات".



كانت وداد محمد،50، في طريقها الى عمان حين اوقفت سيارتها نقطة تفتيش قرب الغزالية غرب بغداد. طلب احد عناصر الامن من السائق اعطائه براد الشاي- قوري- الموجود في السيارة ، الا ان السائق رفض قائلا انه يحتاجه من اجل المسافرين.



انزعج عنصر الامن من جواب السائق وضربه على رأسه.



واضافت وداد "هدد عنصر الامن السائق بمصادرة سيارته على انها من السيارات المشتبه بها، مما حدى بالسائق الى ان يدفع له لانهاء الموقف".



عند حلول الظلام حيث يبدأ منع التجوال، يقل عدد عناصر نقاط التفتيش لان خطر الهجوم عليهم يكون اكبر.



قال خالد محمد،18، من الحرس الوطني " اصبت حين تعرضت نقطة تفتيشنا غرب بغداد للهجوم اثناء الليل. غالبا ما يقوم المسلحون بمهاجمتنا في جنح الظلام".



قلة عدد العناصر الامنية في الليل يسهل على المسلحين زرع العبوات الناسفة والسيارات المفخخة.



يتأثر نجاح الخطة الامنية بالمنافسة وعدم الثقة بين وزارتي الدفاع والداخلية. يبدو انهم في صراع اكثر من كونهم يساعد احدهم الاخر.



احد المصادر المقربة من وزارة الدفاع اخبر معهد صحافة الحرب والسلام ان الوزارتين تتنافسان على نشرالمزيد من منتسبيها . واضاف " ان لهذا تأثير سلبي على ادائهم ويضعف التنسيق فيما بينهم".



ويلقي المصدر باللوم على الصراع الطائفي.



رفضت الوزارتان التعليق على كيفية اتخاذ القرار حول عدد واماكن نقاط التفتنيش العائدة لهما. في بعض الحالات، يؤدي وجود القوات من كلا الوزارتين الى خلق بعض المشاكل، وفي بعض المرات قاد هذا الى المواجهات المسلحة بينهما.



قال احد عناصر وزارة الدفاع بشرط عدم ذكر اسمه انه في كانون الثاني الماضي حدثت مواجهات بين الحرس الوطني والشرطة عند احدى نقاط التفتيش حيث رفضت الشرطة تنفيذ الاوامر التي اعطاها الجيش.



عند بداية تطبيق خطة امن بغداد، تفائل الناس بثقة اكبر حول نقاط التفتيش وتعاونوا معهم بتزويدهم بالمعلومات. لكن هذه البادرة الايجابية سرعان ما تغيرت بعد ان ادرك الناس ان الكثير من القوات الامنية هي في خدمة الميليشيات المختلفة. هناك شكوك من ان الشرطة في نقاط التفتيش هم من المتعاونين مع جيش المهدي وهي الميليشيا الشيعية التابعة لرجل الدين المتشدد مقتدى الصدر.



تذكر حسين جاسم، من سكنة حي اور شرق بغداد، حادثة حصلت في كانون الثاني عكست مدى التعقيد الحاصل بين القوات الامنية واعضاء البرلمان.



بدأت الحادثة عند وصول رتل من 11 سيارة الى الحي مليئة بالمسلحين واطلقت قذائف الهاون على مناطق اخرى.



طلب المهاجمون من الناس البقاء في بيوتهم. واضاف جاسم "اخبرونا انهم يقومون بقصف الامريكان، لكن الحقيقة ظهرت انهم كانوا يقصفون منطقة الصليخ السنية".



حين علم المسلحون باقتراب القوات الامريكية من المنطقة، قاموا بالاختباء في البيوت القريبة.



وحين علموا انهم ليسوا الامريكان بل انهم دوريات عراقية، ظهروا ثانية واخبروا احد الضباط انهم من منطقة الشعب وهي منطقة شيعية اخرى، حيث سمح لهم الضابط بالمرور دون اي مشاكل.



وتسائل جاسم "كيف امكنهم المرور من خلال ثلاث نقاط تفتيش دون ان يتم ايقافهم وتفتيشهم؟"



يقول احد الرهائن الذي تخلص من الخطف على ايدي احدى الميليشيات المسلحة ان الشرطة تتعاون مع الجماعات التي تخطف المواطنين وتطالب بالفدية لاطلاق سراحهم.



قال الرجل الذي يملك محلا لبيع المثلجات والذي طلب عدم ذكر اسمه خوفا من الانتقام منه انه وقبل اشهر قليلة تم اختطافه في سوق جميلة للبيع بالجملة. وضعه المسلحون الذين اختطفوه في جنطة السيارة التي توقفت بعد فترة وجيزة من السياقة.



وقال " عند احدى نقاط التفتيش فتح احد افراد الشرطة الجنطة واغلقها ثانية وكأنه لم يراني. تم اطلاق سراحي بعدها مقابل 25.000 دولار امريكي.



وسط هذا الجو العام من انعدام الثقة، تكون النقاط المتحركة اكثر خطرا على المواطنين لانه من المستحيل معرفة ما اذا كانت تلك النقاط هي نقاط رسمية، او نقاط تفتيش وهمية للمسلحين السنة او للميليشيا الشيعية. ما يجعل الامر اكثر تعقيدا هو انه قد يكون الذين يرتدون الملابس الرسمية هم فعلا من رجال الشرطة لكنهم يتعاونون مع احدى الميليشيات، او انهم من المسلحين السنة الذين يتنكرون بزي القوات الامنية.



يتذكر مروان، صحفي من بغداد طلب عدم ذكر اسمه الاخير، كيف انه كان يسوق سيارته في حي الدورة، الذي اصبح ساحة للمواجهة، مع ثلاثة من اصدقائه.



"فجأة وجدنا نقطة سيطرة للشرطة امامنا، كنا خائفين من القتل لاننا جميعا من السنة. لكن ظهر ان الجماعة كانت من المجاهدين السنة المتنكرين الذين يبحثون عن رجال الشرطة لقتلهم. بعد ان اعطيناهم هوياتنا، سمحوا لنا بالمرور" .



تم اعتيال الالاف من الناس من قبل فرق الموت الشيعية والسنية لانتمائهم الى الجماعة الخطأ، والتحرك هذه الايام في المدينة هو بمثابة لعب قمار على الطريقة الروسية.



وهذا حقيقة ما يحصل للاشخاص التي تدل اسمائهم على خلفياتهم المذهبية مثل اسم عمر الدال على السنة واسم علي الدال على الشيعة.



جميع الذين يسوقون في بغداد يحملون نوعين من الهويات معهم – هويتهم الاصلية مع اخرى مزيفة. احداهما تظهرهم كسنة والاخرى تظهرهم كشيعة. واظهار الهوية المناسبة تنقذهم من الموت.



هذا النوع من فن التنكر صار في تزايد، حيث صار الناس يتخذون احتياطاتهم بانفسهم و بشكل شخصي لاظهار الهوية المناسبة عند اقترابهم من نقطة التفتيش.



فمثلا، عند اقتراب سائق سني من نقطة تفتيش يعتقد انها للشيعة، فانه ليس فقط يظهر الهوية التي تظهر انه شيعي، بل ايضا يدير مسجل السيارة وبصوت عالي على احدى الاغاني الدينية الشيعية. وييعلق صورة الامام علي ابن عم النبي محمد عليه السلام والشخصية الاكثر تقديسا لدى الشيعة على الزجاجة الخلفية للسيارة.



وقد يضطر الى لبس المحبس الفضي الذي يشتهر الشيعة بلبسه وخاصة اولئك المنحدرين من سلالة النبي محمد ، وقد يحمل معه "التربة" وهي قطعة من طين مدورة يضع الشيعة جباههم عليها عند السجود في الصلاة.



هذه التعليمات وغيرها تراها على موقع "الرابطة" الذي ينصح السنة كيفية المرور من نقاط التفتيش الشيعية. يعطي الموقع 12 نصيحة للسنة للتنكر مذكرا اياهم بضرورة ان تكون في بيوتهم صورة للامام الحسين حفيد النبي محمد عليه السلام ، مع نسخة من كتاب الصلاة للشيعة، وطقم من الثياب السوداء التي يرتديها الشيعة في مناسباتهم الدينية الخاصة.



ينصح السنة كذلك بحفظ تواريخ ميلاد ووفاة الائمة الاثنا عشرللمسلمين الشيعة. وعليهم تعلم العبارات الخاصة بلعن يزيد الخليفة السني الذي قتل جيشه الامام الحسين في القرن السابع. وان فشلت جميع هذه المحاولات، فان النصيحة رقم 11 هي في الاعلان "عن كونك كنت سابقا سنيا ولكنك اهتديت ورأيت النور اخيرا واصبحت شيعيا".



اخضع عمار،تاجر سني شاب، نفسه الى الممارسات الشيعية كوسيلة لانقاذ حياته.



وقال :بدأت بتصفح المواقع الالكترونية الشيعية لاتعلم حفظ اسماء الائمة الاثنا عشرحسب تسلسلهم واضاف "سمعت انهم يسألون عنها في نقاط التفتيش للتأكد من حقيقة كونك شيعيا".



يحتفظ عمار بنغمة اللطمية - وهي القصائد الحزينة حول الائمة الاثنا عشر- في تلفونه المحمول والتي يمكنه تشغيلها في المناطق ذات الاغلبية الشيعية.



في ظروف استثنائية مثل تلك، حتى اليقظ قد يتعرض الى الاهتزاز.



حقي اسماعيل، شيعي يعمل حارس امن في احد وزارات الدولة، لكن لانه يسكن مدينة العامرية ذات الاغلبية السنية، عليه ان يظهر هويته السنية المزيفة حين يتواجد هناك.



تم اختطاف اسماعيل مؤخرا من قبل اعضاء جيش المهدي معتقدين خطا انه من السنة. من حسن حظه انه يتكلم اللهجة الشيعية التي يشتهر بها اهالي الجنوب، لذا رق له الرجال المسلحون اخيرا وتركوه.



داود، مهندس سني ، خدمته نفس الصدفة حين اوقفه مسلحون سنة في احد اطراف بغداد الغربية.



"سألوني عدة اسئلة وتركوني اتكلم لنصف ساعة. لم يكونوا مرتاحين لاجوبتي قدر ارتياخهم لطريقة كلامي. كنت ابدوا سنيا بشكل واضح، مما حدى بهم ليتركوني امر".