Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

نحو سياسات عراقية جديدة

بقلم رند رحيم فرانك ـواشنطن ـ ( تقرير ألازمة العراقية المرقم 1 في 28 شباط 2003 )
By Rend Rahim

حيث يشرق على العراق عهد جديد, فان أعدادا من العراقيين في المنفى يسودها الصخب حول اعتماد سياسات معارضة جديدة ـ ليس مجرد طروحات أيديولوجية مفروضة على الواقع العراقي ـ بل سياسات عملية وواقعية تنبع من خصوصيات المجتمع العراقي بعد أفول صدام ونظامه, وقد يتسامح العراقيون مع سياسات أشخاص و سياسات التكتلات لفترة ما, لكن عليهم أن لا يسقطوا في براثن النماذج السياسية القديمة.


في شباط في عام 2002, عقد موظفون كبار في الإدارة الأمريكية اجتماعا مع ممثلي ستة من أحزاب المعارضة لمناقشة مستقبل العراق في حال سقوط نظام صدام.


و تتكون تلك الأحزاب أو ما سمي بمجموعة الستة ( G 6 ) من الحزب الديمقراطي الكردستاني, الاتحاد الوطني الكردستاني, الحركة الشعبية الإسلامية, المؤتمر الوطني العراقي, الوفاق الوطني العراقي و الحركة الملكية الدستورية. ومن أهداف ذالك الاجتماع هو خلق حالة من الوحدة بين المعارضة, ومن اجل ذالك وافقت مجموعة أل 6 على عقد مؤتمر موسع تتوحد فيه كل فصائل ألمعارضه العراقية. وبعد تاجيلات عديدة, ووسط مشاورات كثيرة, عقد المؤتمر في نوفمبر في لندن. ورغم الحضور المكثف ـ أكثر من 400 عراقي ـ يعتقد الكثير أن النتائج لم تكن مقنعة.


وفي نفس الوقت, فقد كتب الكثير حول عدم التوافق والخلافات داخل مجموعة ال6 نفسها وعن الأسباب التي أدت إلى تأجيل عقد المؤتمر. وركزت التقارير الإخبارية حول التنافس, وولاءات المنشقين, والتسابق من اجل المكاسب الشخصية والجدل حول" المستقلين" الذين يشكلون التعددية غير المتبلورة للعراقيين الذين يرغبون في حضور المؤتمر.


ما أهملته الصحافة و صناع القرار الأمريكي هو أعمق وأكثر أهمية من عدم الاتفاق بين المعارضة العراقية حول السياسات الأساسية لمستقبل العراق. إن الخلاف لا يشمل مجموعة ال6 فقط, بل يشمل كل فصائل المعارضة التي لها مصالح سياسية.


وإشارة إلى التقارير حول توقعات مجموعة ال6 بأن يضم المؤتمر ليس اقل من 80 عضوا, فأن حوالي200 من العراقيين المستقلين في أوربا والولايات المتحدة والشرق الأوسط قد وقعو بيانا يدعون فيه أن يكون المؤتمر أكثر تنظيما ليشمل كل قوى المعارضة العراقية. وكانت مجموعة صغيرة من العراقيين قدمت الشهر الماضي رسالة يدعون فيها إلى تمثيل واسع للمستقلين.


لقد أثارت الرسالة وصفا جديدا للوطنية العراقية السابقة, حيث وصفتها وللمرة الأولى " المجتمع المدني العراقي" الممتلأ بالمتخصصين والمؤسسات المتخصصة؛ مجموعات حقوق الإنسان, المؤسسات الخيرية الوطنية, الفنانون, الكتاب, الناشطون, قادة المجتمع وغيرهم. وقد وقعت تلك الرسالة من قبل علي علاوي وموفق الربيعي وأنا, وكانت تؤكد على أن مجموعة ال6 لم تمثل إلا وجهات سياسية قليلة, ولا يمكنها احتواء مختلف الأفكار السياسية التي تطورت وسط ملايين العراقيين الذين يعيشون في الخارج. وقد كشفت الرسالة وبعض الكتابات ألمشابهه الأخرى من قبل العراقيين, كشفت الخلل ضمن المعارضة العراقية, بين غالبية المجتمع العراقي وبين قادة مجموعة ال6, والذي يختلف تماما عن الخلل بين المجموعة نفسها.


ما هو أساس الاحتجاج ضد مجموعة ال6 ؟ انه اجتماع ضد السياسات التقليدية من الارتفاع والانخفاض وضد وسائل المنع والمكيدة, انه دعوة إلى شفافية اكبر. لقد كان نقاشا بين السياسات القديمة و الحديثة, بين أولئك التواقين إلى الماضي العراقي مدفوعين بمزاج عمليتهم ألتقليديه و بين أولئك الذين يتوقون إلى مستقبل عراقي بإيحاءات سياسية.


نتج معظم الانتقاد عن الاعتقاد أن معظم الطيف السياسي العراقي إنما هو تجسيد للسياسة العراقية القديمة المتجذرة في الصراعلت الإيديولوجية في منتصف القرن من الأربعينيات إلى الستينيات حيث أصبحت فكرة الصراع والوطنية والتحرر من الاستعمار هي حجر الزاوية في السياسات العراقية.


التكتلات الوطنية العربية ومثيلاتها الكردية والأحزاب الكردية الناشطة اليوم هي ثمار هذه الحركات التحررية الوطنية. الأحزاب الشيعية الإسلامية( وكذلك حركة التحرر من الاستعمار الثقافي) والعودة إلى الاصالة أخذت شكلا في العراق خلال تلك الفترة حيث أن القمع اجبرهم على العمل بشكل سري وجعل سياستهم سرية في السبعينيات والثمانينيات. ومهما يكن من أمر إعلانهم الحالي, فان المعتقدات الأساسية لتلك الأحزاب تحتفظ بإحساس المحاصرة التي تمثل السياسات في منتصف القرن. ونتيجة لذلك, فان طرقهم بقيت هي نفسها من حيث كونها حركات سرية تعمل في أجواء عدائية. كانوا يناورون بحذر وبسرية. وقيادتهم تمارس السيطرة المركزية, وتركيبتهم وصنع القرار والموضوعية تبقى مبهمة ليس لبقية الأحزاب السياسية بل لجمهورهم أيضا.


إن إيديولوجيات الوطنيين والإسلاميين والاشتراكيين ترى العراق كجزء من كل وليس كغاية في ذاتها, وتأتي في اولويات أجنداتهم الأقاليم الإضافية. الوطنيون العرب يعرفون العراق من خلال دوره في القومية العربية حتى إذا استبعد الحلم العربي السياسي بالوحدة. الأحزاب الكردية ترى في كردستان جزء من كل, ويشيرون إلى الإقليم على انه كردستان الجنوبية. منذ وقت قصير صارت الأحزاب الكردية تتحدث عن دورها في السياسات العراقية. وبالنسبة للإسلاميين فان الفكرة الافلاطونية للحكومة هي الأمة الإسلامية وليس الدولة.


تلك ليست قضايا أكاديمية فقط, فالسياسات غير القطرية هذه تضعف فكرة المواطنة وتفصل صناع السياسة عن الحاجات المحددة للعراقيين كبلد.


فشلت المعارضة العراقية العربية بالخصوص في خلق أحزاب ومؤسسات حضارية. معظم الأحزاب صغيرة قوامها أشخاص تجمعهم مصالح مشتركة ويعتمدون على ترتيبات ارتجالية. إنها ليست أحزاب بتكوينات يشار إليها وتمتلك قاعدة جماهيرية و برنامج سياسي وشخص مهيأ للقيادة. باستثناء الحزب الشيوعي, فان المعارضة فشلت في بناء مؤسسات سياسية تتخطى الحدود العرقية.


من السابق لأوانه التركيز على مثل تلك التعقيدات السياسية دون أن يكون هناك تاريخ للمعارضة لا يقل عن 20 سنة, أو أن يكون لها حضورا ومساندة عالمية لمدة 12 سنة.


المشكلة الأساسية التي تواجه المعارضة العراقية هي أن الوعي السياسي العراقي قد تغير خلال العقد الماضي. واعتبار العراق ضمن الموشور الوطني, العرقي والديني لم يعد مقبولا من قبل معظم العراقيين. والسياسات السرية غير المعتمدة على خلفية تأسيسية ودستورية تعتبر من المفارقات خاصة بالنسبة للعراقيين في الخارج حيث الديمقراطية والمشاركة هي العملة التي تجمع كل السياسيين.


من هنا, فان معظم العراقيين خارج العراق يعتبرون أنفسهم مؤسسات مقاومة مستقلة تعمل مع الأحزاب السياسية.


كانت حرب الخليج عام 1991 بمثابة خط فاصل للعراقيين في الداخل وفي المهجر. ولكي يدخلوا المضمار السياسي فهم بحاجة إلى رؤية سياسات جديدة بعد انتهاء نظام صدام, لان السياسة بالنسبة لمعظم العراقيين هي محلية فقط. العراق وجود كامل ويجب النظر إلى مصالحه فقط. العرب من العراقيين استبدلو القومية بالوطنية, وتبنوا فكرة " العراق أولا" و " العراق فقط".


رند رحيم فرانك: مديرة المعهد العراقي في واشنطن