Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

موجة غضب عارم تجتاح كردستان العراق تنديداً بمقتل صحفي

نزاعات سياسية تغذي الخلاف حول مقتل طالب انتقد الحكومة
By IWPR
Recent demonstration by students in Sulaimaniyah over killing of journalist. (Photo: Metrography - Sartip Osman)

نيل آرون (تقرير الازمة العراقية رقم. 337، 24- ايار-2010)

صدم مقتل طالب وصحفي أقليم كردستان العراق برمته، مثيرا قلقاً دولياً وتظاهرات شعبية واسعة ونقاشات صاخبة حول حرية الصحافة.

وقد وصف منتقدو حكومة الاقليم  مقتل سردشت عثمان، الذي كتب عددا من مقالات تسخر من النخبة السياسية، باعتباره اعتداءا سافراً على المعارضة.

ومن جهتها ردت الحكومة على هذه الاحتجاجات باتهام الجماعات المعارضة باستغلال قضية مقتل الطالب للحصول على مكاسب سياسية.

وبالرغم من اتفاق الجانبين على ادانة الجريمة، فانهما يختلفان تماما حول  دوافعها ومضامينها.

وأبلغ أرفع مسؤول أمني في كردستان معهد صحافة الحرب والسلم، بانه من السابق لأوانه ربط الجريمة بحرية الصحافة، رافضا المزاعم بتورط القوات الحكومية في الجريمة، وواصفا اياها بـ"العارية عن الصحة".

وقللت الوسائل الاعلامية القريبة من الحكومة من دور عثمان كصحفي، وصورت مقتله كمحاولة لزعزعة اوضاع الاقليم.

لكن من جهتها شددت الوسائل الاعلامية الخاصة، ومن ضمنها تلك المتهمة بعلاقاتها مع الجماعات المعارضة، على عمل عثمان كصحفي، مصورة عملية قتله كهجوم على حرية الصحافة.

ويقول كمال رؤوف، رئيس تحرير جريدة هاولاتي (المواطن) الخاصة المعروفة بانتقادها للحكومة " نعتقد بان مقتل الصحفي مرتبط بحرية التعبير".

واضاف رؤوف " نشعر بغضب شديد تجاه السلطات لانها لا تاخذ هذه القضية على محمل الجد، وتحاول تصوير الحادثة على انها قضية ارهاب".

كما ويقول أحمد ميره وهو رئيس تحرير مجلة لفين المعارضة للحكومة  بانه "لا يوجد اي شك" بان كتابات عثمان كانت سبباً في مقتله.

"علينا ايقاف هذه الحملة الوحشية ضد الصحفيين" قال ميره. واضاف بانه يخشى اراقة المزيد من الدماء  فيما لو أفلت الجناة من العقوبة.

وقد أبلغ الصحفيان هلكورد صمد وريبين فتاح معهد صحافة الحرب والسلم بانهما تلقيا تهديدات بالقتل لمحاولتهما تنظيم احتجاج على مقتل عثمان. وأفاد الصحفيان اللذان يعملان في صحافة تنتقد الحكومة أغلب الاحيان، بانهما تلقيا رسائل تتهمهما باخذ الاوامر من كتلة التغيير الكردية المعارضة.

وكانت حركة التغيير قد أحرجت في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت العام الماضي، معظم الائتلافات الحزبية الحاكمة، بطرحها برنامجا قويا لمكافحة الفساد والدعوة الى اجراء الاصلاحات.

وتقول الوسال الاعلامية القريبة من الحكومة في اقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، بان التغيير تقود حملة لربط مقتل عثمان بحرية الصحافة.

ويقول كريم قادر، أحد الحررين في جريدة خه بات (النضال) الرسمية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني "كان عثمان طالباً أكثر من كونه صحفياً".

والحزب الديمقراطي الكردستاني هو أحد الحزبين الشريكين في حكومة اقليم كردستان الائتلافية، ويتزعمه رئيس الاقليم مسعود البارزاني.

ويقول قادر " لا أعتقد بان لمقالات عثمان اية علاقة بمقتله. وقد تم تبني "الرؤية" هذه كذريعة من قبل بعض العاملين في الحقل الصحفي ومن قبل بعض الكيانات السياسية".

ويرى كاروان علي المحرر في جريدة نوى (الجديد) الرسمية لاتحاد الوطني الكردستاني، شريك الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة، انه من المبكر جدا الافتراض بان عثمان قد قتل بسبب كتاباته.

وقال علي "ان الصحفيين الحقيقيين يخدمون الحقيقة ومجتمعاتهم من خلال كتاباتهم." واضاف "وانا لم ار اسم عثمان ولا مقالاته في الصحف ولها السبب لا استطيع ان ادعوه صحفياً او اي عنوان وظيفي آخر".

وقد عبر كل من علي وقادر عن صدمتهما وحزنهما لمقتل عثمان، معربين عن املهما في ان يواجه القتلة العدالة.

الاجهزة الامنية ترفض الاتهامات

وكان عثمان قد تم اختطافه بسيارة من قبل أشخاص مجهولي الهوية صبيحة يوم 4 ايار، وذلك حال وصوله للمدخل الرئيسي للجامعة في عاصمة الاقليم الكردي، اربيل.  

وقد عثر على جثته بالقرب من احدى الطرق السريعة في مدينة الموصل المضطربة امنيا غرب اربيل بعد يوم واحد من اختطافه. وكان طالب اللغة الانكليزية الذي يبلغ من العمر 23 عاما، قد تعرض الى التعذيب قبل قتله بعيارين ناريين في الرأس.

وفي الاسبوع التالي تجمع أكثر من ألف شخص في اربيل في مسيرة احتجاج على جريمة قتل عثمان. وكان معظم المتظاهرين من الطلبة في العشرينيات من أعمارهم ويلبسون ملابس العزاء السوداء.

وتصدت شرطة مكافحة الشغب للمتظاهرين اللذين ألقوا بالاحذية وقناني الماء البلاستيكية عبر الجدران الخرسانية العازلة التي تحمي مبنى برلمان الاقليم.

والقت شعارات المتظاهرين باللائمة على الحكومة لعجزها في التصدي لهكذا اعتداء. كما اتهم عدد من المحتجين، الذين تحدثوا على انفراد وبدون اعطاء اسمائهم الكاملة ، السلطات بشكل مباشر بضلوعها في الجريمة.

ودانت حكومة اقليم كردستان عملية القتل وتعهدت باجراء تحقيق شامل ونشر نتائجه. كما وحذرت من افتراضات ناقصة عن دوافع جريمة القتل.

وقال كاوه محمود، المتحدث باسم حكومة الاقليم، معهد صحافة الحرب والسلم "لا تستطيع الحكومة  التحدث عن الدوافع الحقيقية وراء الجريمة إلا بعد استكماال التحقيقات الضرورية".

كما وقال بان السلطات مستعدة لمتابعة اي تقرير يدعي بتعرض الصحفيين للتهديد بعد مقتل عثمان.

ونشرت مواقع الكترونية يديرها معارضون اكراد في اوربا مقالات عثمان الهجائية. وتتحدث المقالات عن الحياة الباذخة التي يعيشها قادة الاقليم.

وفي احدى مقالاته المنشورة في كانون الاول الماضي، يتخيل عثمان الامتيازات التي كان سيحصل عليها لو كان متزوجاً أبنة رئيس الاقليم، معددا وسائل الترف الغريبة عن المواطن الكردي. وينظر الكثيرون الى الاشارة المباشرة الى لاحدى نساء عائلة الرئيس كانتهاك للاعراف الثقافية للمجتمع الكردستاني المحافظ.

وفي مقاله التالي يقول عثمان بان رسائل التهديد التي يتلقاها عبر هاتفه النقال لن توقفه عن متابعة كتاباته تلك. ويقول منتقدو الحكومة بان ذروة هذه التهديدات انتهت بمقتله.

وأبلغ عضو البرلمان عن قائمة التغييرعدنان عثمان، معهد صحافة الحرب والسلم، بانه هناك "احتمال قوي" بان قتل الصحفي كان بسبب مقالاته المنتقدة للقيادة السياسية الكردية. ومع ذلك شدد عثمان، الذي لا تربطه أية صلة قرابة بالصحفي المغدور سردشت عثمان، على الحاجة لانتظار نتائج التحقيقات الرسمية.

واضاف عثمان بان زملائه في البرلمان دعوا الى "ممارسة الضغط على الاجهزة الامنية بهدف كشف ملابسات الحادث".

ومن جهته أبلغ مكتب مسرور البارزاني، مدير جهاز الامن والحماية في أقليم كردستان، معهد صحافة الحرب والسلم، بان محاولات المعارضة تسيس جريمة القتل" غير مساعدة". ومسرور البارزاني هو ابن رئيس الاقليم ويدير أجهزة الاستخبارات والامن الرئيسية في الاقليم والمرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني.

وقال المتحدث باسم مكتبه " قتل السيد عثمان كان صدمة للجميع" و اضاف "غير اننا لا نستطيع القفز الى اية نتيجة وربط مقتله بحرية الصحافة".

وطالب المتحدث أولئك اللذين يعزون قتل عثمان الى كتاباته بابراز الادلة. " وإلا فان تصريحاتهم تكون تشهيراً بالآخرين".

الضغط الدولي

وفي التظاهرة خارج مبنى البرلمان في اربيل، تساءل عدد من المحتجين عن كيفية اختطاف عثمان من أحد الشوارع المزدحمة ونقله بالسيارة عبر عدد من نقاط التفتيش المنتشرة بكثافة على طول خط السريع الى الموصل بدون علم الاجهزة الامنية.

وتعتبر الموصل مدينة ذات تنوع عرقي ومتاخمة لحدود اقليم كردستان. وتحتفظ الاجهزة الامنية تحت امرة قيادة اربيل بوجود ملحوظ وقوي في أجزاء من المدينة التي فيها نسبة كبيرة من الاكراد.

وأبلغ المتحدث من مكتب مسرور البارزاني معهد صحافة الحرب والسلم بان " المزاعم التي تشكك في نزاهة الاجهزة الامنية لا أساس لها من الصحة".

وقال " بما انه لا يوجد اي اثبات رسمي للاشاعات التي تتعلق بالاختطاف، فانه من الصعب معرفة ماذا حدث".

كما واضاف المتحدث بان نقاط التفتيش التي تحيط بمدينة الموصل تتكون من ثلاث قوات مختلفة : الجيش الامريكي والقوات العراقية تحت سيطرة حكومة بغداد اضافة الى القوات الكردية تحت امرة قيادة اربيل.

" من الصعوبة الاعتقاد بان كل جانب من هؤلاء متورط ومشارك في عملية الاختطاف" قال المتحدث. " فهناك المزيد من الامور يجب الكشف عنها".

ووصف بيان رسمي صادر عن مكتب مسرور البارزاني في 14 من هذا الشهر التحقيق في مقتل عثمان بانه "من أوسع التحقيقات الجنائية في الاقليم".

وحسب البيان فان التحقيق يجري بالتنسيق مع هيئة من وزارة الداخلية وبدعم من وحدات مكافحة الارهاب.

وأثنى دبلوماسي رفيع المستوى من الاتحاد الاوربي في اربيل على سجل السلطات الكردية في متابعة التحقيقات في قضايا الارهاب، معرباً عن أمله في الحصول على نتائج سريعة في التحقيقات الجارية حول مقتل الصحفي الشاب.

وصرح الدبلوماسي لمعهد صحافة الحرب والسلم، شريطة عدم ذكر اسمه، بان المشتبهين في الهجمات السابقة قد تم اعتقالهم "خلال ايام"  واضاف " ان مستوى الكفاءة في الاقليم استثنائي، نحن على ثقة بان السلطات المحلية لديها الخبرة اللازمة لاجراء مثل هذا التحقيق وذلك اعتمادا على خبراتهم في قضايا سابقة".

ووفقاً للديبلوماسي الاوربي  فان وفدا من الاتحاد الاوربي قد ناقش مقتل عثمان مع مسؤول كردي رفيع .

وقد أصدر كل من الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة بيانات تطالب باتخاذ اجراءات سريعة بشأن حادثة القتل، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها لحرية التعبير في الاقليم.

ولم يتم القاء القبض على اي شخص حتى الآن في سياق التحقيقات. ويقول المتحدث باسم مكتب مسرور البارزاني بان التحقيق في "مثل هكذا جريمة نادرة الحدوث" قد تأخذ وقتا اطول من غيرها من القضايا.

وفي حين لم يعلق المتحدث على سير التحقيق، فانه قال بانه هناك مؤشرات تدل على ان عثمان "ربما ذهب ضحية من أجل مكاسب سياسية لدى البعض".

كما ان وزارة الداخلية لم تعلن اية تفاصيل اخرى عن تشكيلة هيئة التحقيق ولم تعط أي مؤشر عن الوقت المتوقع الذي قد تستغرقه التحقيقات.

استذكار حادثة قتل في كركوك

وحذر مراقبون اعلاميون باستمرار من تآكل حرية الصحافة في كردستان العراق. اذ ترتبط المؤسسات الاعلامية الرئيسية في الاقليم بالكتل السياسية.

ويتهم الصحفيون العاملون في المؤسسات الاعلامية المستقلة بموالاتهم للمعارضة. وتظل نوعية الاعلام فقيرة عموماً، مع نشر الاشاعات والتشهير ضد الساسة البارزين باعتبارها جزءا من الاخبار.

وكان من المتوقع ان يدعم قانون الصحافة الذي أقر عام 2008 السلطة الرابعة، ولكن تم انتقاده بسبب تعريضه الصحفيين لتهديد المساءلة القانونية بسبب تعريفه الغامض لاساءات من قبيل "اهانة" و "زرع الكراهية".

وكما يقول الصحفيون بانهم غالبا ما يتعرضون للاعتداء والاستجواب من قبل القوات الامنية. وتقول جماعات حقوق الصحافة بان هناك بنود في قانون الاعلام، والتي ينبغي عليها حماية الصحفيين من العنف، لم يتم تطبيقها حتى الآن.

ومع ذلك، تظل عمليات الخطف والقتل نادرة الحدوث نسبياً في الاقليم. واستطاعت قوات الشرطة والاجهزة الامنية تحت قيادة الحزبين الحاكمين، وبشكل كبير، ابعاد المتمردين والعصابات الاجرامية التي جعلت من العراق واحدا من أخطر الدول بالنسبة للصحفيين.

ويعتبر عثمان هو أول صحفي كردي يقتل في شمال البلاد منذ 2008. وقد أعاد مقتله الاهتمام بجريمة سابقة والتي ظلت دون حل حتى الآن.

وكان سوران مامه حمه، مراسل مجلة لفين، يجري تحقيقاً في مزاعم عن تورط الحكومة في الجريمة المنظمة حين قتل في مدينة كركوك ذات التنوع العرقي.

وبالرغم من ان كركوك تعتبر خارج الحدود الرسمية لأقليم كردستان، إلا ان الاعتداء على مامه حمه حدث في جزء من المدينة يقع تحت سيطرة القوات الامنية الكردية.

وقال شقيقه فرمان مامه حمه لمعهد صحافة الحرب والسلم، بانه وجد أوجه تشابه عديدة بين عمليتي القتل. فقد تم تهديد كلا الرجلين وقتلهما في النهاية بسبب عملهما في الصحافة.

وعبر مامه حمه عن رضاه بان مقتل عثمان جذب اهتماماً اكثر من مقتل شقيقه.

وقال " ان الاحتجاجات والصرخات لا تنحصر في مدينة بعينها... بل ان دول العالم أيضا أبدت اهتماما بالحادثة".

وقد أكد الديبلوماسي الاوربي لمعهد صحافة الحرب والسلم، بانه تم الاشارة الى مقتل مامه حمه ايضا في سياق نقاشات الوفد الاوربي مع المسؤول الكردي الرفيع حول قضية مقتل عثمان.

وقال المتحدث في مكتب مسرور البارزاني بان لا علم لديه باي " أدلة مقنعة" في قضية مامه حمه، وان التحقيقات بخصوصها أصبحت أكثر تعقيدا بسبب وقوع كركوك خارج السيطرة الرسمية لحكومة اقليم كردستان. 

وصرح قائد شرطة كركوك، جمال طاهر، لمعهد صحافة الحرب والسلم بان التحقيق لا يزال جارياً في قضية مقتل مامه حمه.

وقال طاهر " في حال الحصول على اية ادلة او حقائق جديدة سيتم اعلانها للشعب".

كتب نيل آرون محرر العراق لمعهد صحافة الحرب والسلم هذا التقرير من اربيل، وبمشاركة كل من الصحفي المتدرب في المعهد خالد شورش من السليمانية، والصحفية المتدربة في المعهد نجيبة محمد من اربيل، والمحرر المحلي في المعهد هوكر حسن وصحفي طلب عدم نشر اسمه من اربيل، والصحفي علي طالب من كركوك.