Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

من اللاذقية الى ريفها المحرر خرجت ولم تعد

الكاتب: بانة ديب
By Bana Deeb

هو هتاف الحرية الذي سمعته ليلى للمرة الأولى في الخامس والعشرين من مارس/ آذار 2011، سمعته من خلال فيديو عرض على اليوتيوب، صوره احد الشبان بكاميرا رديئة ظهر فيه مجموعة مصلين خارجين من جامع خالد بن الوليد الشهير على طريق الحرش. الدهشة وارتجاف القلب كان حالة عامة عند كل من اعاد مشاهدة الفيديو ولو لأكثر من ألف مرة. لكنها لم تتوقع يوما أن تكون واحدة من ابطال هذه التسجيلات التي كانت تكلف حياة من يظهر فيها بداية الأمر. أرادت ان تشاهد بأم العين ماذا يحصل… هل هو الفضول أم انها نسائم الحرية التي لامست روحها… لم تستطع تحديد مشاعرها وقتها لكنها وجدت نفسها أمام المسجد عند صلاة الظهر…تنتظرهم!

كانت هادئة الطباع ميسورة الحال، إبنة لوالد سوري وأم أجنبية, علاقاتها الاجتماعية متواضعة متحررة فكريا بشكل كبير. لم يتوقع أحد من أصدقائها ان تنخرط في أوساط الثورة وتحدياتها. لكنها وفي أول مظاهرة شاركت بها، وهربت في الأزقة خوفا من الأمن علمت أنها وقعت في سحر الثورة. باتت تنتظر جمعة وراء أخرى لتشارك في المظاهرات التي تخرج من جوامع الرمل الجنوبي، المنطقة التي كانت ثقل الحراك في وقتها، والتي حضر فيها العنصر الأنثوي بقوة بعد أن أصبح التظاهر عادة يومية، وينقل بشكل مباشر على قناة الجزيرة.

التشديد الامني كان عنوان بداية الصيف في مدينة اللاذقية، بعدما بدأ الحراك الثوري يتمدد فيها ويتوسع بشكل كبير. إنضمّت أحياء الصليبة وقنينص التي شهدت أيضا مظاهرات واسعة واعتصامات سلمية استمرت لأيام قبل أن تنتهي بمجزرة مروعة كانت من رواد هذه الإعتصامات أيضاً، فكونت مجموعة لا بأس بها من الأصدقاء الذين بات وجودهم ركناً أساسياً من أركان مظاهرات الرمل الجنوبي. وجدت نفسها محمولة على الأكتاف في إحدى المظاهرات، ومصورة بفيديو دون لثام عكس الثوار الذين كانوا يغطون عادة وجوههم خوفا من التعرّف عليهم من قبل الأمن، ومن هنا بدأت ملاحقتها أمنيا بشكل رسمي.

أصيب والدها بالذهول فهو الطبيب المقتدر المعروف بتدليل بناته. لم يتوقع أن يجد ابنته الصغرى متورطة ضد الدولة التي تؤمن لهم “الأمن والأمان” … لم يصدق ما قاله عنصر الأمن الذي حاول أن يكون لبقاً عندما تحدث معه عن وضع ابنته التي يجب أن تراجع فرعهم للإجابة عن بعض الأسئلة … هو يعلم جيداً أن هذه الحثالة من البشر لا يمكن أن تعاملها بشكل آدمي عندما تزورهم، ولن يقتصر الموضوع على سؤال وجواب .

هل هو الفراغ العاطفي ؟ هل هو الانعزال الاجتماعي ؟ إنتظر منها جواباً مقنعاً عندما واجهها بأن أمرها قد كشف. حدثها وكأنها ارتكبت جريمة بحق شرف الأسرة، وأبلغها أن قرار خروجها من البلاد بات محسوماً، وليس عليها سوى التنفيذ. وبالفعل خلال يوم واحد وجدت نفسها عند الحدود اللبنانية التي كانت مفتوحة بوجه السوريين دون أي عقبات.

لم يكن بإمكانها معارضة رغبة والدها لكنها  لم تستطع أيضا التصدّي لرغبتها بالعودة… وبالفعل عادت بعد أن تواصلت مع صديقة لها تقطن في الرمل الجنوبي، استقبلتها في شقتها لمدة أسبوع كامل. كان الحراك الثوري في أوجه وتهديدات اجتياح جيش النظام للحي باتت تتحول لأمر جدي، لكنها لم تكترث وبقيت موجودة في الرمل الذي اعلن منطقة عسكرية. وكان اقتحام الجيش الفعلي لها في بدايات أغسطس/ آب 2011…

هربت مع الناس الذين هاموا على وجوههم، ولم تستطع العودة إلى منزل والدها الذي وقف ضد الثورة جملة وتفصيلاً، فهي لا تجد شيئا تقوله خاصة بعد انقطاع الاتصالات في ما بينهما.

كانت رحلة الخروج الثانية لكن هذه المرة بارادتها… توجهت مع مجموعة من أهالي الرمل المطلوبين للأمن إلى منطقة الحفة التي كانت معقل ثوار الرمل بعد خروجهم من اللاذقية في شهر رمضان 2011 ، وأعلنوها بعد فترة منطقة خاضعة لسيطرتهم … هناك تعرفت على أسعد الشاب الفقير الثائر، الذي رفض الخروج وترك الجرحى في الرمل الجنوبي أثناء اقتحام الجيش. بقي يتنقل من بناء إلى آخر خوفاً من عناصره الذين يمشطون الأحياء التي تقصف من جميع الجهات، لكن عناية آلهية ساعدته على الفرار من طريق غير معبد ليلتحق بركب رفاقه في الحفة التي جمعته بها للمرة الأولى.

لم يكن حباً جنونياً أو علاقة عقلانية بينهما، لكنها شعرت أنها بحاجة إليه ليكون معها. هي باتت واحدة من المطلوبات للأمن رسمياً الآن، ولم يعد بإمكانها العودة إلى المدينة حتى لو استخدم والدها جميع علاقاته، فالأمن لم يكن يرحم أحدا من الناشطين، وتصفيتهم كانت سبيلاً لإخماد الصورة المدنية برأيهم… طلب منها الزواج فوافقت على الفور ليصبح بعدها عنصرًا فاعلا ضمن صفوف الجيش الحر الذي سيواجه جيش النظام مرة أخرى في الحفة في بدايات شهر سبتمبر/ايلول 2012، عبر اشتباكات لم يصمد بها الحر رغم بسالة مقاتليه للحفاظ على مواقعهم. كان مصيرهم الانسحاب نحو الريف الشمالي والتمركز في سلمى وبعض القرى المحيطة.

هي اليوم تعيش متنقلة ما بين سلمى وتركيا .. ارتدت الحجاب وانجبت ابنتها الوحيدة. تشارك في الكثير من الأنشطة المدنية وورشات العمل وما زالت تعتبر زوجها بطلها المغوار الذي لن تندم على ارتباطها به… تتصل بوالدتها باستمرار رغم توبيخ الأخيرة لها عمّا فعلته … لم تنكر حنينها لحياتها المريحة لكنها تعتبر أن انخراطها في صفوف الثورة أهم قرار اتخذته في حياتها ولن تندم عليه.