Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

منافسة شيعية اشعلت معركة الزركه

إدعى مسؤولون عراقيون انهم حققوا انتصار عسكري كبير على المسلحين السنة قرب النجف في الشهر الماضي. لكن مصادر رسمية تكشف ان المسلحين المزعومين كانوا في الواقع شيعة من جماعة دينية رغبت السلطات التخلص منهم- بمساعدة القوة الجوية الامريكية
By IWPR Iraq
16 كم شمال شرق مدينة النجف المقدسة، ظهر الصراع واضحا.



تقول الحكومة العراقية ان المسلحين الذين خاضوا معركة مع القوات العراقية والامريكية بضراوة، واستمر القتال فيها على طول اليوم، هم عدد كبير من المقاتلين السنة ينتمون الى تنظيم القاعدة و كانوا في طريقهم الى مهاجمة العتبات المقدسة في النجف وكذلك رجال الدين الكبار التابعين للمرجعية والزوار الشيعة الذين تجمعوا لاحياء ذكرى العاشر من محرم.



كانت الجماعة مدججة بالأسلحة حيث تمكنت من اسقاط مروحية امريكية وقتل اثنين من الجنود الامريكان.



لقد حصل من قبل ان هاجم السنة الزوار الشيعة خلال الايام المقدسة. ولهذا فان إدعاء وزراء الحكومة في بغداد ومستشار الامن القومي موفق الربيعي بدى جديرا بالتصديق.



إدعوا بان النجف كانت على وشك ان تتم مهاجمتها من قبل عناصر القاعدة، وكمحاولة لتفادي الهجوم، تم قتل "المئات من المقاتلين الاجانب."



شكل الهجوم الناجح نصرا كبيرا للحكومة العراقية المثقلة بالمشاكل في محاولتها لتثبيت سلطتها، خاصة في النجف، و التي جنبا الى جنب مع القوات الامريكية كانت قد تسلمت المهام الامنية في المدينة المقدسة قبل شهر.



جنود لمن؟



ولكن بعد يوم واحد، بدت الصورة مختلفة جدا. فما يقارب ال300 مقاتل الذين تم قتلهم في المعركة لم يكونوا من المسلحين السنة كما ادعت الحكومة، لكنهم كانوا من طائفة دينية غير معروفة جيدا تسمى جند السماء. كان يقود تلك الجماعة الدينية رجل يدعى ضياء عبد الزهرة الكرعاوي، الذي ادعى انه الامام المهدي الذي يعتقد الشيعة بانه المسيح المسلم.



اذن لماذا تمت مهاجمتهم، والى اي نوع من المعركة قادت الحكومة العراقية القوات الامريكية؟



بعد انتهاء المعركة وبعد تسرب الاخبار عن ارتباط الجماعة الدينية ، كررت البيانات الحكومية الادعاء بان الجماعة كانت مصرة على مهاجمة النجف. باختصار، وبعد الكشف عنهم كونهم من الشيعة وليسوا من السنة، إدعت السلطات ان الجماعة كانت لا تزال تخطط لهدم الصحن الشيعي.



قال بيان صدر عن مكتب محافظ النجف اسعد ابو كلل ان الجماعة المسلحة كانت تخطط لشن هجوم "لتدمير المجتمع الشيعي هناك، وقتل المراجع الكبار، وتدمير قوافل الزوار واحتلال الصحن الشريف المقدس."



قال ابو كلل ان اعضاء تلك الطائفة تظاهروا بكونهم فلاحين، لكن مصادر استخباراتية وزوار قدموا معلومات بكون الحركة دينية "مما جعلنا ندرك ان شيئا ما سيحدث في عاشوراء" واصر على "تورط كل من سوريا، العربية السعودية، بريطانيا، الامارات، وحزب البعث في الامر. كانوا يخططون لتدمير النجف."



واشار البيان ايضا الى ان الكرعاوي الذي قتل اثناء المعركة قد حلق شعره ليبدو احد الائمة الشيعة الاثنا عشر الذين هم من سلالة النبي محمد. قال المحافظ ان قائد الجماعة الدينية " قد تدرب وتثفف بشكل جيد" في الامور الاسلامية ويمتلك من الخلفية والمعرفة ما يساعده على اقناع البعض من انه هو الامام المهدي. وتطرق البيان ايضا الى ان الكرعاوي يحمل الجواز البريطاني وقد تم تدريب جماعته في سوريا والرمادي، في محافظة الانبار العراقية المضطربة.



وبحسب رواية المحافظ، فقد قتل 11 جندي عراقي وجرح 27 في المعركة بينما تم قتل 300 عنصرا من الجماعة الدينية وجرح 121 اخرين وأسر 650.



التخلص من منافس



يروي نائب المحافظ قصة مختلفة حول الدافع وراء هجوم القوات الامنية. اخبر عبد الحسن عبطان معهدنا ان العملية ضد جند السماء كانت اقل صلة بالناحية الامنية بل كانت محاولة استئصال جماعة تعتقد بالهرطقة و البدعة.



الهجوم على جند السماء في الزركه هو محاولة " الشرفاء من اهل النجف الانتقام من أعداء الشيعة الهراطقة ومن اعداء الحسين، الامام الثالث من الائمة الاثنا عشر. واضاف عبطان "ستبقى هذه المعركة خالدة في ذاكرة النجف واهلها على مدى التاريخ وذلك لاهميتها بالنسبة لمستقبل عقيدتنا."



وقال عبطان ان حكومة المحافظة اكتشفت منذ عدة اشهر ان "هناك منظمة طائفية يسيطر عليها البعثيون في النجف وفي المحافظات الجنوبية تقوم باستمالة وكسب السذج والفقراء. تحققنا من مكان تلك الجماعة، وقام قائد الشرطة بنفسه بذلك ، لكنه لم يجد شيئا غير طبيعي.لكن مصادرنا اخبرتنا بعد ذلك ان عدد اكبر من الناس ينضمون الى تلك الجماعة".



وبعد اجتماع السلطة المحلية، قرر المسؤولون مهاجمة قاعدة الجماعة الدينية في الزركه، الا انهم تفاجئوا باعدادهم الكبيرة وبتسليحهم الجيد. في الحقيقة، كانوا على وشك سحق القوات العراقية. في النهاية، تم سحق جند السماء بواسطة الطلعات المتكررة للطائرات الامريكية حيث اسقطت المقاتلات ما زنته 225 كغم- من القنابل على مواقعهم.



اخبر مصدر مقرب من شرطة النجف معهدنا بشرط عدم ذكر اسمه ان الشرطة امرت اعضاء الجماعة بتسليم انفسهم قبل ساعتين من بدء الهجوم. واضاف: "الا انهم لم يسلموا انفسهم، فهاجمنا المنطقة".



رغم اصرار محافظ النجف على ان جند السماء كانوا يخططون للهجوم على المدينة، الا ان المسؤولين الامنيين اخبروا معهدنا ان لا علم لهم بذلك. على اية حال، فقد لاحظوا عندما فتشوا في وقت سابق قاعدة الجماعة الدينية ، انها محمية بشكل كبير بواسطة خندق بعمق مترين ومواقع للرمي محاطة بأكياس رملية. لم يكن هذا مخيما مؤقتا.



ان ادعاء المحافظ بكون الجماعة لقيت اسنادا كبيرا من عدة دول خارجية وتدربت في سوريا لم يكن له ما يسنده، او يسند الادعاء بان الكرعاوي كان يحمل الجواز البريطاني وان من تم اسرهم من الضباط والدكاترة هم من المؤمنين بالافكار السنية الوهابية المغالية في المحافظة المرتبطة بالعربية السعودية، بالقاعدة و بنظام صدام.



وليس هناك اي علامات عن وجود لبنانيين وسودانيين ومصريين ممن زعم انه قد تم اسرهم اثناء المعركة بحسب ضابط في الجيش العراقي.



اخبرت عناصر امنية في النجف معهدنا بان معلوماتهم افادت ان جماعة جند السماء الدينية كانوا يخططون للاعلان في يوم عاشوراء المقدس- يوم مقتل الامام الحسين في القرن السابع- وهو اليوم العاشر والاكثر اهمية في الذكرى- عن ان مسيح الشيعة، الأمام مهدي قد عاد، وهذا لكان قد ادى الى الفوضى بين الزوار في المدينة والفوضى في بقية البلاد.



قال مسؤولوا الامن انه تم القاء القبض سابقا على اثنين من جنود السماء في كربلاء ليس بعيدا عن النجف، عليه فان الجماعة الدينية قررت تقديم خطتها ثلاثة ايام. وفي الصباح الذي كانوا ينوون فيه الاعلان عن انفسهم، هاجمتهم القوات الامنية.



مصدر مقرب من مجلس محافظة النجف اخبر معهدنا ان السبب الرئيس للهجوم على الزركه هو مخاوف المحافظ الذي تم تعيينه من قبل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق من إحتمال توسع جماعة جند السماء.



واضاف المصدر" اعتقدنا اول الامر ان جند السماء هم اتباع مسالمين لليماني ( الأسم المستعارلأحمد بن الحسن البصري) الذي يقود جماعة اخرى منشقة تتبع الامام المهدي . الا اننا اكتشفنا انها منظمة ميليشيا. وقد خشي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق من ان اي جماعة جديدة قد تتمكن من تحدى المجلس الاعلى –مثلما فعلت حركة الصدر- في النجف وتسيطر على مجلس المحافظة."



لذا كان الدافع الرئيس للهجوم على الزركه هو التخلص من جماعة شيعية منافسة لها معتقدات تتسم يالهرطقة. لم تكن المعركة من اجل الامن او حماية الزوار في النجف بقدر كونها اكبر واقعة للنزاع الشيعي-الشيعي في تاريخ العراق.



كلا المجموعتين الشيعية الرئيسيتين في المنطقة المتمثلتان بالمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وحركة الصدركانا يخشيان منافسين جدد، وهذا يكشف السبب الذي دعا رئيس مكتب الصدر في الديوانية حيدر الناطق ليتهم جند السماء كونهم مدعومون من قبل جماعات معادية للشيعة مثل القاعدة، الوهابيون، انصار صدام، وجيوش اجنبية بل وحتى جهاز المخابرات الاسرائيلي الموساد.



الامام الثاني عشر



كسب الكرعاوي قائد جند السماء اتباعا يعتقدون من كل قلوبهم انه هو الامام المهدي. وقد تتلمذوا بشكل رئيسي على رواية كتابه المثير للجدل الذي كتبه،قاضي السماء، الذي يناقش كونه حقيقة هو الامام الثاني عشرالغائب لدى الشيعة، والذي يفترض ان يظهر في يوم ما ليملأ الارض عدلا وسلاما.



حصل معهدنا على نسخة من الكتاب ذو الـ 416 صفحة والذي يحمل صورة الكرعاوي على غلافه، وقد زين وجهه بضياء ابيض مقدس. تم تداول الكتاب منذ اواخر كانون الأول 2006 في كربلاء، النجف، الديوانية، البصرة، والكوت.



يتحدى الكتاب القصص التفليدية لنسب وهوية مسيح الشيعة-الامام المهدي- كما وردت في الادبيات الشيعية. يرفض الكرعاوي فكرة ان مسيح الاسلام هو ابن الامام الشيعي الحادي عشر الحسن العسكري ويدعي انه ابن اول الائمة واعظمهم الامام علي بن ابي طالب، وانه هو الامام المخلص والمنقذ الذي طال انتظاره. يدعي الكرعاوي ان بيضة مخصبة من فاطمة زوجة الامام علي بن ابي طالب قد تم حفظها في السماء ثم زرعت في رحم امه قبل اربعين سنة.



قال الشيخ ابو قاسم الأسدي احد وجهاء عشيرة بني اسد في كربلاء "يقدم الكتاب الكثير من التفاصيل التي ترفض فكرة ان الامام المنقذ هو محمد بن الحسن العسكري. لكن اذا كان ابن الامام علي "الكرعاوي" حيا، فلماذا لم يتعرض لهذه الحقيقة اي امام في اي من مخطوطات الشيعة الدينية؟



يقول الناطق من مكتب الصدر في الديوانية انه عرف الكرعاوي لكنه لم يعرف انه قائد جند السماء الى ان تم الاعلان عن اسمه وصورته من قبل الحكومة.



ويقول ان ادعاء الكرعاوي مستحيل علميا ولكن حتى على مستوى الاعتقاد الديني فليس هناك ما يسنده في المخطوطات. واضاف "ليس هناك قصة شيعية معقولة ومقنعة حول هذا. ان هذا الرجل مجنون ولا شك".



قال المسؤول الصدري ان الكرعاوي جاء اساسا من الحلة وسجن في زمن صدام في سجن ابو غريب في العام 2002 كونه احد اعضاء مجموعة شيعية و هي الحركة المهدوية السلوكية، والتي تسمى المهدوية، وهي حركة تؤمن ان الامام المهدي حي يرزق.



وبحسب الناطق، فان الكرعاوي كان خلال فترة سجنه" متكلما فصيحا. ففي خلال النهار كان يعظ حول الدين بينما في الليل يقامر ويرفض اعطاء اي ايضاح عن سلوكه الديني غير المقبول."



لم يكن الكرعاوي متبعا للشريعة بالطريقة التي يتم تفسيرها من قبل المراجع الكبار وهو احد المتطلبات الدينية في المذهب الشيعي. "كان يمهد الطريق لإدعائه الحالي محاولا جعل السجناء الاخرين يؤمنوا بالامام المهدي- رغم انه لم يدع انه هو الامام. لقد سمعت انه قال لاتباعه ان المهدي سيظهر في العام 2006 او 2007. لقد شوه الدين وحاول كسب التأييد من البسطاء والسذج من الشيعة."



مهما تكن ميزات دعوات الكرعاوي ، فليس هناك ما يسند ادعاء الحكومة بوجود متطرفين اجانب ضمن مجموعته. حينما فحصت قوات الامن العراقية جثث موتى الجماعة الدينية في الزركه، لم يجدوا سوى شيعة عراقيين فقراء واثار استغرابهم وجود جثة شاعر بعثي مشهور بمدحه لصدام. مشاركته مع الجماعة اثارت تعجب الذين يعرفونه، لانه كان معروفا عنه كونه سكيرا ولم يؤمن بالاسلام كمنهج للحياة.



يبدو ان معركة الزركه لم تكن لتمثل ضربة ساحقة للمسلحين العراقيين واستعراضا لتنامي المهنية والاحترافية لقوات الامن والجيش العراقية. بل على العكس، فقد تكون استعرضت التسييس المستمر لاستعمال القوة الرسمي في العراق، ومغامرات كبيرة للقوات الامريكية التي سحبت الى نزاعات داخلية ضبابية لم تستطع استيعابه كما كشفت ذلك الوقائع.



اما بالنسبة لجند السماء، فقد تلقت هذه الجماعة الدينية ضربة قاسية. ولكن على الاقل فانهم يستطيعون مواساة انفسهم بفكرة ان قدرهم يعكس القصة القديمة للشيعة حيث فئة قليلة من المؤمنين الصادقين تم قتلها من قبل قوة ساحقة من اعداء الاسلام.



خلال معركة الزركه، كان اعضاء الجماعة الدينية يبثون على موجة ارسال الشرطة العراقية مرددين رسالة مشؤومة "الامام المهدي قادم! الامام المهدي قادم!". في النهاية، تم قتل معظمهم تقريبا- دون اي علامة على ظهور المهدي.



اعد هذا التقرير من قبل مراسلين عراقيين في النجف وبغداد، مع تنسيق في التحرير من قبل كريستوف رويتر، المدرب الدولي لتقارير الاستقصاء والتحري في المعهد