Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مقتل مترجم عراقي يضع الدين في مواجهة القانون

قتل مرتد مزعوم عن الاسلام يكشف عن خلافات بين التقاليد الدينية والسلطة القضائية
By Abeer Mohammed, Neil Arun
Abdul Hakeem Ahmed al-Daraji, older brother of Hameed al-Daraji, a Christian convert and former US military interpreter who was shot dead last month, watches as police search his brother's house in Samarra the day after he was killed. Security officials say the victim's son confessed to the killing. (Photo: Mahmud Salih)

عبير محمد ونيل آرون (تقرير الازمة العراقية رقم 344، 9 – تموز- 2010)

كشفت جريمة قتل مترجمعمل سابقاً مع الجيش الامريكي، والذي يزعم انه كان قد تخلى عن دينه الاسلامي، عن صعوبات تواجه القوانين العراقية الهشة حيث يمكن ان يتعارض احترام العقيدة الاسلامية مع واجب حماية الانسان.

وقد قتل حميد الدراجي برمياً بالرصاص يوم الاربعاء، 14 حزيران في مدينة سامراء السنية في شمال بغداد. وبحسب أقوال المسؤولين الامنيين، فان ابنه المودع  قيد الحجز قد اعترف بقتل والده بسبب تحوله الى الدين المسيحي.

كما ان الابن الآخر للقتيل بالاضافة الى ابن اخيه مطلوبين للعدالة بسبب مشاركتهما في الجريمة. ويشتبه في ان الثلاثة على علاقة بجماعة متمردة محلية ترتبط بتنظيم القاعدة.

وتنتشر العدائية تجاه الذين يتحولون عن دينهم الاسلامي في العراق مثلما في كل العالم الاسلامي. وفيما تضمن القوانين الحقوق للاقليات الدينية الكبيرة، إلا انها تخضع للاسلام باعتباره السلطة الدينية العليا.

ويقول معظم العراقيين، وبضمنهم اهالي سامراء وبغداد ورجال الدين البارزين من الطائفتين السنية والشيعية، بان المترجم السابق استحق القتل وفقاً للأحكام الاسلامية المتشددة حيال التحول عن الاسلام.

ويقول آخرون بأنهم يؤيدون الدافع وراء القتل، لكنهم يرون بانه كان على عشيرة المترجم تنفيذ القتل بدلاً من ابنه.

ويقول عدد من الزعماء الدينيين والسياسيين بانهم لا يستطيعون ادانة عملية قتل الذين يتحولون عن دينهم الاسلامي لان هذا الامر محرم حسب الدين الاسلامي.

ومع ذلك يقول عدد من ابناء الاقليات المهمة في البلاد، وبضمنهم نائب مسيحي، بانهم اصيبوا بالروع من هول الجريمة.

وتطبق القوانين العراقية عقوبات متشددة على جرائم القتل، ولا تستثني جرائم القتل على خلفيات التحول عن الاسلام. لكن ومن ناحية ثانية يصف الدستور الدين الاسلامي بانه المصدر الاساسي  للتشريع، وعليه يمنع سن قانون يتعارض مع مبادئ الاسلام او الديمقراطية.

ولم يكن باستطاعة مراسلي معهد صحافة الحرب والسلام الاتصال بأي فرد من عائلة الرجل القتيل للتعليق على الحادثة.

وسيمثل الابن المتهم بارتكاب الجريمة امام المحكمة، لكن وبالرغم من اعترافه المعلن فانه يعتبر بريئاً حتى اثبات العكس.

وبالرغم من ان اصدار حكم في القضية سيستغرق بعض الوقت، فان المسائل التي تثيرها هذه القضية تعكس التحديات الكبيرة التي تواجه النظام القضائي العراقي الضعيف والمضطرب.

وفي الوقت الذي يعتبر التحول عن الدين الاسلامي نادر الحدوث في العراق، فان ردود الافعال حول جريمة سامراء تجسد صعوبة التوازن بين الاحكام العريقة للدين الاسلامي في مقابل الالتزامات الديمقراطية بحماية الاقليات الدينية.

 

عدم الوضوح في النظام القضائي

ويقول خبراء قانونيون قابلهم مراسلو معهد صحافة الحرب والسلام بان للقضاة الحرية في تبيان المعتقدات الدينية في أحكامهم.

ويقول القاضي أحمد العباسي، وهو واحد من ارفع مسؤولي القضاء في وزارة العدل، بانه يتم اتباع التعليمات الدينية عندما لا يقدم القانون اي دليل او مرشد للتقيد به. " لا يوجد قانون للتعامل مع المرتد، لذلك علينا الاستعانة في مثل هذه القضايا باحكام الاسلام لانه المصدر الرئيس في التشريع" حسب قوله.

ويوافق العباسي على ان عدم الوضوح في القوانين المتعلقة بالارتداد عن الدين قد يكون اشكالياً.

واضاف العباسي " لا أعرف كيف نتعامل مع مثل هذه القضايا اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الديمقراطية الجديدة وغياب القوانين ذات الصلة".

ويجادل خبير قانوني آخر بانه قد يتم اصدار أحكام مخففة في الجرائم المرتكبة بدوافع العقيدة الاسلامية.

ويقول ضياء السعدي، نقيب المحاميين العراقيين السابق " في الحياة العراقية هناك حكم ديني وآخر قضائي" .

واضاف " وقد لا يتطابق الحكمان مع بعضهما البعض، لكنه قد يُنظر الى الحكم الديني كعامل تبريري حين ينظر القاضي الى الدافع".

وربما كان قتلة الدراجي يملكون عددا من الدوافع. فمدينة سامراء تمثل معقلاً لتمرد العرب السنة، كما وتنظر الى العراقيين الذين عملوا مع القوات الامريكية باعتبارهم خونة.

وأشارت تقارير أولية من قبل وسائل الاعلام ، والتي نقلت أقوال مسؤولي الشرطة، بان الدراجي قد قتل بناءا على أوامر من المتمردين بسبب علاقاته مع القوات الامريكية. وكان الدراجي قد عمل كمترجم مع الجيش الامريكي لفترات متقطعة منذ 2003.

ومع ذلك فقد أبلغ مسؤولو الشرطة وعدد من سكان سامراء مراسلي المعهد بان الدراجي قتل بسبب تحوله من الاسلام الى المسيحية.

وفي حين تقف ايديولوجية التشدد الديني التي يؤمن بها معظم المتمردين موقف العداء ضد المسيحيين، فان الكراهية تجاه المتحولين عن الاسلام والذين يعرفون باسم "المرتدين" او المنشقين الدينيين، هي الأوسع انتشاراً بكثير في العالم الاسلامي.

وقال أحد ضباط الشرطة، الذي وافق على الحديث شريطة عدم ذكر اسمه لانه غير مخول بالتحدث عن الصحافة، بان ابن الدراجي اعترف بانه اقدم على قتل والده بسبب الضغوطات الاجتماعية.

وقال الضابط " لم يستطع تحمل عار ردة ابيه عن دينه".

وقد اكد الشيخ طلال حمدان، قائد أحد مجاميع الصحوة المحلية التي قاتلت ضد القاعدة، هذه الرواية. وأضاف حمدان الذي يشترك في التحقيق في الجريمة، بان الدراجي تلقى تهديدات من أبن أخيه بسبب تحوله عن دينه.

" يبدو ان العشيرة بأكملها قد وافقت على قتله" قال حمدان.

 

دعم رجال الدين

يصبح الذين يعتنقون المسيحية في العراق عرضة للهجوم والمخاطر، اذ يصور المتمردون الصراع مع القوات الامريكية على انه حرب مقدسة ضد جيش مسيحي صليبي. وتقريباً لا يسمع مطلقاً عن قضايا التحول الديني هذه إلا في اقليم كردستان الذي يحظى باستقرار نسنبي.

ويقول المزارع علاء الدخيل ، وهو جار الرجل القتيل " رأيت الدراجي وفي عنقه سلسة فيها صليب، وهذا شيء محرم في الاسلام" مضيفاً " ان قتل الكفار واجب ديني".

ويقول الحلاق ثابت صلاح، وهو في الثلاثينيات من عمره، بان لا أحد يلوم الابن على فعلته.

"الرجل الذي يضع سلسلة فيها صليب يستحق القتل" قال صلاح. " لقد كان جاسوساً للامريكيين ولقد علموه ان يهجر دينه".

فيما يقول سراب عماد، وهو صاحب محل بقالة في سامراء، بانه يوافق على قتل المرتد. لكنه مع ذلك قال " كان على عشيرته القيام بقتله وليس أبنه".

واضاف " حتى النبي ابراهيم لم يقتل والده الذي كان كافراً"

ويتفق الزعماء الدينيون والسياسيون من السنة والشيعة على ان قتل من يتحولون عن الاسلام عقوبة يقرها الاسلام.

ويقول الشيخ محمد الغريري، وهو رجل دين سني وامام جامع العلي العظيم في حي الزعفرانية في العاصمة بغداد " من واجب كل مسلم ان يقتل المرتد".

كما وأكد رجل دين شيعي بارز، رفض الكشف عن اسمه في الصحافة، لمراسلي المعهد بان النبي (صلعم) قال بانه يجب قتل الذين يغيرون دينهم. 

وتقول السلطات من كلتا الطائفتين بانه قد يقتل المرتد عن الاسلام بعد اتباع سلسلة من الخطوات تشرف عليها السلطة الدينية. وتتضمن الخطوات تحذير المتحولين عن الاسلام من عواقب فعلتهم ومنحهم الفرصة، وهي فترة محدودة من الوقت، للرجوع الى الاسلام.  

ويقول زعيم ديني سني، طلب عدم الكشف عن اسمه " لابد من قتل المرتد ولا وجود للرحمة في مثل هذه الامور" ويضيف "لكن الذي ينفذ عملية القتل عليه الحصول على تخويل من رجل ديني رفيع".

 

مخاوف الاقليات

ويقول عضو برلمان مسيحي بان شعر بالحزن بسبب جريمة سامراء التي بينت وبشكل عميق وجود خلاف في النظام القضائي.

ويقول عماد يوحنا عن قائمة الرافدين "هذا تناقض في الدستور العراقي. فالدين الاسلامي الذي يعتبر واحداً من مصادره الرئيسية يفرض واجب قتل المرتد".

واضاف "وفي الوقت نفسه يلتزم الدستور بحماية حقوق الانسان والحرية الدينية. وهذه في الحقيقة فوضى".

 ويتفق عضو برلمان ايزيدي سابق مع ما ذهب اليه يوحنا "يوجد لدينا قانونان في العراق: القوانين الاسلامية وقوانين حقوق الانسان. وينص الدستور على أخذ كليهما بنظر الاعتبار، لكنه من غير الممكن في بعض الاحيان تطبيق كليهما. وفي هذه القضية تكون الغلبة للقوانين الاسلامية في العراق". 

وقال يوحنا ان الدستور بحاجة الى التعديل لكي يحمي حقوق الذين يتحولون عن دينهم "انني احترم الاسلام ولكن اعتقد بانه لابأس في ان يختار الانسان الدين الذي يؤمن به".

وبالرغم من ان الكثير من العراقيين قالوا بانهم يتفهمون الدوافع وراء قتل المتحولين عن الاسلام، إلا ان القليل منهم قالوا بانهم أصابوا بالهلع بسبب جريمة سامراء.

ويقول سامي، وهو في العشرينيات من عمره، الذي كان يتسوق في محل التسجيلات الموسيقية في منطقة العرصات ببغداد "قتل الانسان خطيئة وقتل الاب خطيئة أكبر" مضيفاً " لنترك الامر لله ليحكم على انسان يتحول عن دينه. لماذا نقوم بعمل هو من شان الله"؟

فيما يقول وضاح، وهو مهندس في العشرينيات من عمره ومسلم مؤمن من بغداد بانه يشعر بان الاسلام لا يجيز قتل الذين يتحولون عن دينهم انطلاقاً من عقيدة وايمان حقيقيين.

وقال وضاح " ان الاسلام واضح جدا بخصوص حرية الدين" واضاف " اعتقد ان الذين يؤيدون مثل هكذا قتل قد تم تضليلهم من قبل شخصيات سياسية ودينية  ذات نفوذ وسلطة".

وتقول حنان وهي امراة مسيحية تدرس الطب في العاصمة، بان الجريمة تتحدى المعتقد الديني.

"تستطيع العشيرة طرد رجل كهذا. ولكن لماذا يجب قتله؟ ومن قبل ابنه؟ هذا شيء مرعب" قالت حنان.

 

الاعتبارات الدينية

مع ذلك يجب تحديث معظم القوانين القضائية التي تعود الى زمن حكومة الرئيس السابق صدام حسين التي كانت تتميز بطابعها العلماني الى حد كبير.

وفيما يخص مناطق الغموض في بعض القوانين والتشريعات، فمن المتوقع ان يستعين القضاة بالدستور الذي تمت صياغته عقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003، كدليل لهم. وبينما يقول الدستور بان الدين هو مسالة شخصية بعيداً عن تدخل الدولة ، إلا انه يصف الاسلام كسلطة عليا في التشريع واصدار القوانين.

ويبدو ان القانون يكون مطاطياً خصوصاً عندما يتعامل مع الضرورات البيروقراطية التي تتبع اي تحول ديني – تغيير المعلومات الشخصية على الهوية الشخصية.

وتدرج في الهويات الشخصية التي يحملها العراقيون كافة ديانة الشخص ولكن بدون ذكر الطائفة. ونظرياً فان من يريد تغيير دينه عليه تقديم طلب الى المحكمة لغرض تعديل ذلك في هويته الشخصية.

ومع ذلك، وبحسب السعدي، نقيب المحامين السابق، فان المحكمة ترفض طلب اي شخص يغير دينه الاسلامي.

وبموجب الدستور، فان على القانون ان يعكس المعتقدات الاسلامية التي تعتبر مثل هكذا تغيير اعتداءاً.

وقال السعدي " في مثل هذه القضايا سيحكم القاضي ضد المرتد" واضاف "انه وضع معقد. وبهذا الصدد فان الدستور العراقي لا يتوافق مع حقوق الانسان".

ويتابع السعدي ان قاتل المترجم في سامراء سوف لن يفلت من العقاب " القاتل هو القاتل. ولكن فترة السجن هي من صلاحيات القاضي الذي ينظر في ظروف القضية".

ويقول طارق حرب، الخبير القانوني الذي له علاقات متينة مع الحكومة، بان الحد الادنى للسجن لجريمة القتل هو 5 سنوات والحد الأقصى هو 15 سنة. وتطبق عقوبة الاعدام في الحالات التي يبدو فيها الحكم بالسجن غير كافياً.

ويرى حرب أيضاً بان الموافقة الدينية على قتل المتحول عن دينه ليست حالة عامة حيث "هناك العديد من رجال الدين الذين يعتقدون بعدم وجود موافقة على جريمة قتل كهذه، اذا ان الله هو الذي يعاقب المرتد".

ويعترف السعدي بان الدين الاسلامي يوافق على قتل المرتد، لكنه يجادل بانه ليس من السهل دوماً اثبات بان القتيل كان مرتداً.

ويقول كل من السعدي وحرب بان القاضي في قضية سامراء قد يكون ميالاً الى اصدار حكم مخفف نسبياً في الجريمة فيما لو ثبت بان ارتداد الضحية عن الاسلام كان الدافع وراء مقتله".

ومع ذلك يقول العباسي، القاضي في وزارة العدل، بانه لا يعتقد بان القاتل في قضية سامراء سينال اية تساهل وليونة.

بينما حذر عضو البرلمان يوحنا، من ان اصدار حكم مخفف نسبياً في القضية قد يشجع على شن المزيد من الهجمات على المتحولين دينياً.  

ويقول عدد من المواطنين الذين قابلهم مراسلو معهد صحافة الحرب والسلام في بغداد بانهم يتفهمون بشكل كبير الدوافع وراء هذه الجريمة.

ويقول ابو رضا وهو معلم في الخمسينيات من عمره " لابد من قتل المرتد وفق الشريعة الاسلامية"

"لن اقدم على قتله بنفسي" قال ابو رضا. " لأنني افضل ان اكون آثماً في نظر الله على ان اكون قاتلاً".

فيما يقول علاء صادق، الموظف في أمانة العاصمة في مدينة الصدر " ان المرتد أكثر اثماً من الكافر لانه ارتد عن جادة الحق مع علمه بذلك".

ومع ذلك يقول صادق بانه كان من مسؤولية العشيرة قتل هذا الشخص بدلاً من ابنه. " لماذا على الابن ان يقتله في حين يوجد آخرون بامكانهم فعل ذلك؟"

ويعتقد صبري علي، وهو مالك متجر في حي الكرادة ببغداد، ان كل انسان حر في اختيار دينه، لكنه محرم عليه تغيير دينه " اذا كان الرجل القتيل مسيحياً بالولادة فذلك امر طبيعي، لكن الردة عن الدين خطيئة".

ويضيف علي بانه شخصياً سيتجنب التعامل مع شخص مثل كهذا، لكنه يتردد كثيراً في قتله.

عبير محمد محررة الاخبار المحلية في معهد صحافة الحرب والسلام -بغداد، ونيل آرون محرر قسم تقارير الازمة العراقية من بغداد. وساهم محمود صالح المراسل المتدرب في المعهد، والذي كتب تقريراً اضافياً من سامراء.