Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

معركة دراستي الجامعية في مناطق النظام

الكاتب: هدى محمد
By Huda Mohammad

لم يكن شرطي للزواج به، أن يكون حائزاً على شهادة جامعية، أو أن يكون لديه شقة أو سيارة. هذه الشروط باتت في ظل الثورة من الأحلام الخرافية. كان شرطي الوحيد للزواج هو أن أكمل دراستي الجامعية في كلية التربية في جامعة حلب. كنت أدرك جيداً أنه من ثوار إدلب الأوائل، ومن الذين خرجوا في أول مظاهرة في مدينة كفرنبل. سبق أن شاهدته مراراً وتكراراً على شاشات التلفزة، وقد يكون لديه بعض التحفظات على متابعة تعليمي في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

في مدينتي كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، ماتزال العادات القديمة في الزواج قائمة حتى اليوم. سيدة تبحث عن فتاة تناسب إبنها. عندما زارتنا والدته لنفس الغرض، أعجبتها كثيراً، وتقدمت لطلبي رسمياً، ولكن كان لابد من لقاء بيني وبينه بحضور العائلة لتقديم الموافقة النهائية.

عندما التقينا أعجبني مظهره كثيراً، كان حائزاً على شهادة جامعية وماجستير، وبالرغم من أنها لا تنفعه لأنه مطلوب للنظام. لكنني أعلنت موافقتي عليه في نفس الجلسة بعد أن أعلن هو الموافقة على الزواج.

كان موقف والديَّ هو الرفض بعد أن قام أبي بالسؤال عنه، وعلم أنه مطلوب للنظام بسبب خروجه في المظاهرات والتحريض عليها. أيقن أبي أنه لن يقبل بمتابعتي تعليمي الجامعي. وأثار اهتمام أمي أنه لن يستطيع العمل بشهادته الجامعية، بسبب ملاحقته من قبل النظام .

لم يكن موقفي متماثلاً مع موقف أهلي. قلت لهم أن غالبية شباب المدينة التي نعيش فيها مطلوبين للنظام، وإن قمنا بالرفض فنحن نشجع الناس على عدم الزواج بالمطلوبين من قبل النظام. وبالنسبة للعمل، هو يعمل في إحدى التنسيقيات، ويتلقى أجراً أكثر قيمة من عمله بشهادته الجامعية، ولأزيد اطمئنان والديَّ, قلت لهم سنضع عليه شرط متابعة تعليمي الجامعي.

لم يلاقِ طلبي الرفض من قبله، وبالعكس شجعني على متابعة دراستي، بعدها تزوجنا وانتقلت إلى بيتي الجديد. بعد مضي فترة شهر كان علي الذهاب إلى كلية التربية في حلب، وجدت بعض الصعوبة في أخذ موافقته.  تذرع بالخوف عليَّ من حواجز النظام واستفسر مني عن طريقة اجتياز الحاجز، وكيف تتم عملية التفتيش، وهل هناك مضايقات من قبل الجنود و”الشبيحة” المنتشرين في شوارع حلب وجامعاتها؟ قمت بطمأنته بأن الأمور جيدة على الحواجز، وأن معاملتنا من قبل الجنود محترمة جداً.

في الحقيقة كنت أعرف أنه لم يقتنع، ولا أنا كنت أقول الحقيقة. ولكن بالنهاية ذكرته بشرطي فسكت، وأعلن أنه غير مسؤول عن أي شيء يصيبني في حلب، ولكنه لن يمنعني من الذهاب.

بعد أن انتهيت من السنة الثالثة، قدم لي اقتراح بأن أنقل دراستي من جامعة حلب إلى جامعة إدلب القريبة من مدينة كفرنبل، بالإضافة إلى وجود ابن عمه في نفس الجامعة، عندها يستطيع الاطمئنان أكثر.

وافقت على الانتقال، ولكن برز لنا أمرٌ أخر وهو قرارٌ من هيئة إدارة المناطق المحررة التابعة “لحركة أحرار الشام الإسلامية”، بعدم جواز سفر المرأة لوحدها بدون محرم، إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام. كان علي هنا أن أحارب على جبهتين، الأولى وهي إقناع زوجي بضرورة متابعة الدراسة رغم كل الظروف، والثانية أن أقنع والدي بالسفر معي كل أسبوع إلى مدينة إدلب. الجبهة الأولى وهي زوجي الذي لم أجد صعوبة في إقناعه لأنه اشترط علي أخذ محرم، وهو لا يستطيع، وكان باعتقاده أن والدي لن يوافق على الذهاب معي وقال لي: “دبري محرم وأنا موافق أن تذهبي للجامعة”.

على الجبهة الثانية كان والدي، التعليم لديه أمرٌ مقدس، وسيفعل أي شيء في سبيل تعليمي. ولكن كان هناك سفرٌ إلى المدينة، وأبي يخشى كثيرا السفر واجتياز الحواجز التابعة للنظام، التي شهدت الكثير من الاعتقالات العشوائية. ومع هذا وافق والدي على أن يذهب معي كمحرم إلى مدينة إدلب.

بعد انتهائي من الفصل الأول من سنة التخرج، بدأ الفصل الثاني، مع بداية معركة غزوة إدلب في 24 آذار/مارس 2015 التي قام بها “جيش الفتح التابع للمعارضة المسلحة وجماعات إسلامية”، ولم يمض خمسة أيام حتى انسحبت قوات النظام من مدينة إدلب، وسيطرت قوات المعارضة على المدينة.

كان هذا الانتصار للمعارضة هو انتصار لزوجي علي في معركة متابعة جامعتي، حيث بات يقول: “لم تعد هناك جامعة في إدلب، أين ستتابعين الآن جامعتك؟”، كان يدرك جيدا أنني أخاف الذهاب إلى حلب، خصوصاً بعد الاعتقالات التي طالت بعض الطالبات من مدينتي، وكان آخرها صديقتي المقربة من كلية الطب، فكيف إذا نقلوا جامعتي إلى اللاذقية أو حماه…لن أذهب أبداً.