Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

محكمة الفلوجة تجديد لثقة المواطنين بالمحاكم المحلية

سكان المدينة اللذين ضاقوا ذرعا بالاحكام العشائرية مسرورن لعودة المحاكم المحلية.
By Uthman al-Mukhtar
.



بعد مرور عام، تلقت هيفاء ضربة اخرى عندما قرر احد رؤوساء العشائر اعطاء الوصاية على ابنها البالغ من العمر سنة واحدة لصهرها بعد ان تزوجت. لم تكن المحاكم في محافظة الانبار فعالة في ذلك الوقت ولم يكن امامها خيار آخر سوى الرضوخ لحكم شيخ العشيرة.



إصرار هيفاء لإسترجاع ولدها، دفعها للعودة الى محكمة الفلوجة بعد ان عادت للعمل مؤخرا. وعندما حكم القاضي بنقل الوصاية اليها، أوقفها الحراس حين حاولت رمي الورود على القاضي.



فقد قامت بتوزيع الحلوى على جميع الذين حضروا الحكم، وقالت هيفاء لمعهد صحافة الحرب والسلام، "لا يمكن وصف شعور الام التي تسترجع ولدها بعد ان كانت قد فقدت الأمل برؤيته مرة اخرى".



ورددت هيفاء "لا يمكن نسيان الشعور بالظلم. ساحتفل مع ولدي لان كل شيء عاد الى مكانه الصحيح".



استعادة محكمة الفلوجة لمكانتها مرة اخرى اعادت الثقة في قلوب السكان المحليين بسلطة القانون في هذه المدينة، حيث كانت النزاعات القانونية تفض من قبل رؤوساء العشائر لعدة سنوات، اثناء غياب سلطة القضاء.



فقد أغضبوا بتحاشيهم القانون العراقي و اللجوء الى "العدالة العشائرية" الكثير من الموطنين اللذين ادعوا بان قرارتهم كانت ظالمة وغير قانونية.



وقد ادت الاضطرابات التي سادت في الأنبار لعدة سنين الى اغلاق قاعات المحاكم ومكاتب المحامين، بالاضافة الى معظم المؤسسات و الأعمال الأخرى، حتى بداية عام 2008. بعد ذلك، بدأ القضاة في الفلوجة بالإستماع الى العديد من القضايا بشكل متقطع، والآن يقومون بتسير حوالي 40 قضية في اليوم الواحد.



القاضي عبد الله جاسم، وهو احد سبع قضاة في محكمة الفلوجة، قال بأن المحكمة تستقبل كلا من القضايا الجديدة وتنظر في القضايا التي تم اصدار الحكم فيها من قبل رؤوساء العشائر.



و شدد جاسم بأن القضاة الآن لا يعترفون بالاحكام او القرارات العشائرية.



و أضاف بأن القضايا في ازدياد مستمر كل يوم، مما يشير بان ثقة السكان بالنظام القضائي في نمو مستمر. اما اجور المحامين فانها تصل الى حد 1000$ للقضية الواحدة نظرا للطلب المتزايد.



بعض المراقبين يرى بأن رؤوساء العشائر اقاموا احكامهم اعتمادا على الأعراف العشائرية وفي بعض الاحيان فانهم يستمعون الى جانب واحد من النزاع فقط قبل ان يصدروا حكمهم.



مستشار محافظ الانبار، كمال العاني، يقول، "يحترم الناس المحكمة والقضاة، فهذا شيء أكيد. فهم قد سئموا من الاحكام العشائرية والقرارات غير الواضحة التي اعتمدت على سلطة العشيرة، وقوتها وثروتها".



وتختلف إجراءات النظم العشائرية والعقوبات بشكل كبير. فقد يتم قطع يد السارق اذا ثبتت ادانته لدى شيخ العشيرة الذي يلتزم بأحكام الإسلام الصارمة. وقد يختار شيخ عشيرة اخرى بطرده من منزله في حال عدم ارجاعه للاغراض المسروقة او يجبره ان يرجع ضعف المبلغ الذي سرقه.



الشيخ مالك الزوبعي، احد شيوخ العشائر ممن اشرفوا على العشرات من القضايا المتعلقة بنزاعات المياه والملكية والقتل والطلاق ما بين 2006-2007، يقول بان شيوخ العشائر الذين ما زالوا يقيمون العدالة في بعض قرى ومدن الانبار، يتعاملون في اغلب الاحوال مع النزاعات بين شخصين ينتمون الى نفس العشيرة.



والزوبعي اليوم يشرف على قضايا اقل بكثير من السابق. فقد كانت آخر قضية اشرف عليها منذ ما يقرب الشهر، قضية توسط فيها لحل نزاع بين مدير مدرسة وأبوان، كان قد فصل ابنهما من المدرسة لسوء السلوك.



لكن بعض شيوخ العشائر يستغربون للنقد الموجه ضدهم من ان احكامهم غير عادلة. حيث يقول الشيخ رائد الدليمي "لا ارى أي مبرر لإداعاءات الناس... لم نسعى اليهم، لقد كانوا هم الذين يأتون الينا لأنهم يعرفون باننا نتمتع بالسلطة والقوة".



و أضاف الدليمي بأن العدالة العشائرية قامت بملء هوة واسعة لدى غياب القانون والنظام في الانبار



ويواصل "إنني لم أنوي ايذاء أي شخص، الا ان الأحكام العشائرية تختلف بالطبع عن الاحكام الرسمية (القضائية). لكن بعض من هذه القرارات التي تصدرها المحاكم غير صالحة مثل ذلك القرار الذي سجن رجلا لقتله كلبا. فهل من المعقول ان يسجن بشر لقتله حيوانا!".



ان قضية الكلب هذه والتي عرضت على المحكمة في شهر حزيران، هي حديث الفلوجة. حيث تم الحكم على رجل شرطة بالسجن لمدة 3 اشهر لقتله كلبا اثناء اداء الواجب.



صاحب الكلب، خميس موذي، يقول بان شيوخ عشائر ذوي سلطة عرضوا عليه المال وستة انواع كلاب من السلالات الممتازة لسحب القضية. الا انه رفض، قائلا بانه يتطلع للعدالة بخصوص حيوانه الأليف.



ويعلق "لقد كان كلبي المفضل... الا انني دائما ما اتذكر بان العشرات من الناس قتلوا في هذه المدينة قتلوا لأسباب واهية، وقد اطلق سراح قتلتهم في الماضي، مما يجعلني افكر بان العدالة طبقت على كلب و لم تطبق على بشر".



محكمة الفلوجة الوحيدة تعج باكوام من القضايا، بوجود سبعة قضاة للنظر فيها، وهي تتنوع ما بين قضايا لنزاعات ملكية الى جرائم قتل. وتخدم هذه المحكمة نحو 750000 شخصا، حيث هناك نقص في عدد القضاة والمحامون، حيث تم استهدافهم عندما دمر العنف هذه المدينة.



لقد تم استخدام بناية المحكمة كثكنات عسكرية اثناء القتال بين القوات الاميركية والمتمردين، وكان القناصين يتخذون من سطح البناية مقرا لهم، مما يجعلها اليوم تحتاج الى اصلاحات بصورة ملحة.



من جانب اخر، فالفساد القضائي لا يشكل مشكلة في الفلوجة، حسبما يقول خبير قانوني، الا ان القضاة بحاجة الى تدريب حول حقوق الانسان والاسس الديمقراطية لتطبيق دستور البلاد الجديد.



ومع ذلك، فلا تزال المحكمة تتمتع بشهر عسل بين السكان الذين يقولون بان قراراتها تبدو اكثر عدلا من تلك التي أتخذت من قبل شيوخ العشائر.



خليل ناصر، وهو نجار، قام بمقاضاة طبيب بعد ان توفيت زوجته البالغة من العمر 33 عاما عقب اجراء عملية جراحية لها. الطبيب الذي كان يعالج رحم المرأة، كان قد نسي مقصا داخل رحمها، مما ادى الى احداث نزيف لديها انتهى بوفاتها.



جرد القاضي الطبيب من اجازة الطب، واغلق عيادته بالاضافة الى ارغامه على دفع غرامة ضخمة.



ناصر قال بان الطبيب كان ينتمي الى عشيرة بارزة، الا ان المحكمة تعاملت مع القضية بعدالة تامة، واضاف "لا اعتقد باني كنت ساحصل على أي شي فيما لو التجأت الى المحكمة العشائرية".



ويضيف "كانوا سيقولون بان الحادث كان قضاء وقدرا، ولم يكن الطبيب ليُدان اعتمادا على اعرافهم".



عثمان المختار متدرب من معهد صحافة الحرب والسلام في الفلوجة