Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

محاسبة الحكومة

دون قيادة مستعدة لتخطي السياسات الطائفية، لاشيء ممكن الحدوث، وعلى الاقل هزيمة المسلحي
By IWPR
- وخاصة فيما يخص سوء تقدير عدد القوات اللازمة للاحتلال.



منذ اليوم الاول للتحرير في التاسع من نيسان 2003، لم يكن بالأمكان توفيرالأمن- كما ثبت ذلك من أعمال النهب التي حدثت. ومن دون الامن، يصبج الحديث عن الديمقراطية و حكم القانون لا معنى له.



تعزى هذه الاخطاء الى السنة الاولى من التحول من نظام البعث. منذ حزيران 2004، اصبح العراق يدار من قبل العراقيين، ومسؤلية تصاعد العنف الطائفي والوضع المأساوي الذي يجد العراق نفسه فيه هذه الايام، لا يتحملها التحالف، انها تقع على عاتق النخب السياسية العراقية الجديدة التي اوجدها طرد الدكتاتورية.



يؤكد كل من التحالف والحكومة العراقية بأستمرار على تركيزهم الان على دحر المسلحين – أو يجب ان يكون هكذا. لكن هذا لم يعد- اذا كان كذلك في أي وقت مضى- المسألة المركزية للسياسة العراقية. ففقدان البرنامج، السياسة او اي بديل سياسي قابل للتطبيق، يجعل المسلحين يفشلون في المدى البعيد حتى و لو أستغرق ذلك سنين.



ان أمكانية القاعدة او نسخة محولة تحويلا تاما من حزب البعث ان يحكموا العراق لا تزال ، الى حد هذه النقطة المتاخرة، هي ضرب من الخيال. الأولوية الحقيقية- و الشرط المبسق الضروري لدحر المسلحين - يبقى كما هو منذ اليوم الاول الذي تلا سقوط البعث: حكومة عراقية مركزية فاعلة ومسئولة.



بدون ذلك، وبدون قيادة جاهزة لتخطي وتجاوز السياسات الطائفية وتمثيل البلاد ككل، لا شيء ممكن الحدوث، أقلها هزيمة المسلحين.



عدم قدرة الحكومة التي يقودها الشيعة لتناى بنفسها عن الميليشيات التابعة لاعضائها المكونة لها والمتعاطفين معهم، و قيادة حكومة تمثل بحق كل العراقيين وتحظى بثقتهم، اصبح العقبة الرئيسة لدحر المسلحين واستعادة الامن والخدمات العامة للشعب العراقي. الميليشيات هي البلاء الذي يجب تطهير المؤسسات الحكومية منها و على وجه الخصوص وزارة الداخلية والقوات المسلحة.



قد يبدو هذا واضحا جدا للمستفيدين الكبار من حرب العراق عام 2003- النخب الكردية والشيعية التي تسيطر الان على قيادة الدولة التي تضعف يوميا بسبب الميليشيات التابعة لهم. الا ان الأداء على الارض مخيبا جدا للامال.



تصور- على سبيل المثال- محكمة واعدام صدام حسين اللذان أُديرا بشكل سيء.



شكل المحكمة التي صيغت خلال فترة حكم سلطة الائتلاف المؤقتة والافتراضات التي وضعها المسؤلون الامريكان قبل نقل السيادة في حزيران 2004، كل ذلك شجع على طريقة أثنية و دينية للنظر الى و الحكم على إجرامية النظام العراقي السابق.



وصل ذلك الى الذروة في طريقة الاعدام نفسها، ابتداءا من ضعف السيطرة الذي بدا جليا في غرفة الاعدام نفسه بوجود حرس من الشيعة- من عناصر الميليشيات وليس مسئولون من الحكومة- الذين كانوا يسخرون بشكل مهين من الدكتاتور السابق. وبعد ذلك، وكما لوحظ من قبل الكثير من المعلقين، انه اذا كانت الحكومة عاجزة عن السيطرة على 20 شخصا في غرفة الاعدام، فكيف بها بادارة بلد يعاني من حرب طائفية.



ثم هناك القضية الاكبر وهي السرعة في تنفيذ الاعدام بعد ادانة صدام فقط على خلفية محاكمة الدجيل.



اعتمدت محاكمة الدجيل على اساس اعدام 148 انسان في بلدة الدجيل على اثر محاولة اغتيال صدام في عام 1982. ولكن ماذا عن بقية المحاكمات التي يجب ان تجرى، مثلا مقتل ما يقارب 200,000 كردي في حملة الانفال بين عامي 1987-1988؟ او المليون ونصف المليون عراقي الذين قضوا بعنف خلال الحروب واعمال قمع النظام منذ العام 1968. ماذا عن حقهم في مسؤلية مرتكبيها و تحقيق العدالة لهم؟



انه كان دكتاتورا وجه عنفه الى كل العراقيين من كافة مشارب الحياة وعلى كل المجاميع الدينية والعرقية.



ان اعدام صدام بسبب مذبحة الدجيل فقط قد قلل ميزان جرائم الرئيس السابق، بدل ان يعززها. وبعمل ذلك فان الحكومة التي اصرت على تسريع الاعدام قد صغرت نفسها ايضا.



في نهاية الامر لم يبد صدام انه اعدم بسبب سجله في الابادة الجماعية، القمع المتطرف، و شن حروب على دول اخرى، بل بسبب دافع الانتقام. وبذلك تحقق المستحيل: صدام حسين الدكتاتور الذي يضاهي اعظم طغاة القرن العشرين، صار ينظر له في بعض اجزاء من العالم العربي وكانه بطلا.



سوء ادارة الاعدام أحسن مثال على طائفية وضحالة العقول للنخب السياسية العراقية الجديدة التي وضعت في موقع القيادة من قبل التحالف بقيادة امريكا.



العراقيون الذين ظهروا من تحت غطاء نظام صدام الوحشي لايعرف أحد من هم و ماذا يريدون. وللتاكيد، فان الملايين من النساء والرجال الذين وضعوا حياتهم على اكفهم حين ذهبوا للتصويت في الانتخابات التاريخية عام 2005 قد تصرفوا بشكل بطولي بطريقة يكون معها من الصعب على أناس مثلنا لم يخنع للظلم وسوء المعاملة على مدى ثلاثين عاما ان يفهمها. بسبب تخلصهم من الطغيان عام 2003، فقد وضعوا حياتهم على اكفهم وتصرفوا على وفق ما تعرضوا له. و بالنتيجة ذلك شيء جيد، اذ انها هي السياسة في أحسن معانيها.



لكنهم ايضا ضحايا. ما جرى لهم خلال عقود لم يمكن تجاوزه بين ليلة وضحاها. رغم محاولة الثقافة العربية الحديثة اقناعنا في هذه السنين الأخيرة، لا فضيلة وراء الاحساس بكوننا ضحية، فانه وضع فظيع، انها ليست خاصية عظيمة و مسببة للتسامي. انها تتطلب عقود ان لم تكن اجيالا للتاقلم مع هكذا أحساس بكونك ضحية. على العراقيين ان يتصالحوا مع هكذا ارث فظيع، او معاناة، عن طريق الخواص السياسية للمواطنة في العراق الجديد.



بحكم هذا الارث، فان مسؤلية خاصة تقع على عاتق اولئك العراقيين الذين سيقودونهم في الفترة الانتقالية.



الدرس السياسي المستخلص خلال عقود من الصراع العربي الاسرائيلي هو ان القيادة التي ترفع من شأن كون الأنسان ضحية الى مستوى العامل و المبرر الرئيسي للعمل في السياسة ستجلب معاناة و شقاء كبيرين جدا لشعبها. بحكم السلطة السياسية، فان هذا النوع من القيادة بدورها ستجعل من الناس ضحايا، كما يؤكد ذلك متن المعرفة كله علم الاجتماع،علم النفس السياسي والتاريخ.



حتى المسلحين في العراق يفهمون هذه الحقائق جيدا، وفي الحقيقة يراهنون عليها. وهذا هو السبب ان هدفهم لم يكن أبدا كسب عقول وقلوب العراقيين، بل كان هدفهم – و سيستمر في كونه كذلك – هو غرس حالة متغلغة من عدم الشعور بالأمان الشخصي في أعماق الناس تفضي الى ظهور أكثر أنواع السلوك لاعقلانية.



سياستهم هي سياسة الخوف والترويع الذي تعلموه من النظام السابق الذي صنعهم، انها سياسة صممت لخلق رجعة وارتداد بين العراقيين الذين مهروا اصابعهم بشكل رائع عام 2005 كعلامة للشرف حين تحدوا القنابل بشجاعة وخرجوا للتصويت.



منذ العام 1968، دأب حزب البعث على نبذ الفكرة الوحيدة التي كان بأمكانها توحيد التنوع الاجتماعي الكبير للعراق: فكرة العراق. وكان جوابهم على السؤال "من انا؟" هو اما ان تكون واحدا منا ، او ان تكون ميتا.



إلتزاما بكلمتهم، فقد قتلوا كل من تجرأ على ان يقول انه كردي او شيعي او يساري او ديمقراطي او ليبرالي.



على النقيض مما يريد من هم في القيادة الشيعية المجادلة بشأنه هذه الأيام، فان البعث لم يكن يريد أبدا في بناء دولة دينية سنية في العراق. وظهرت الطائفية ضد الشيعة على نطاق واسع فقط بعد انتفاضة 1991. الدولة التي بناها البعث في العراق لغاية حرب الخليج في 1991، كانت في الحقيقة اسوأ من طائفية. إزدهرت بفضل اللاثقة و الشك و الخوف و شرع في غرسه في كل واحد.



و بهذا المعنى كانت مساواتية على الدوام. لقد جزأت المجتمع بتبني الكراهية والعطش الى الانتقام وتلك كانت اعلى طموح السلطة واداتها الرئيسية في السيطرة على المجتمع. صار كل عراقي كردي او عربي، مسلم ام مسيحي، شيعي او سني، متورط في المشروع البعثي وضحية له في الوقت نفسه.



حين اصبح الشيعة يشكلون الاكثرية في المجلس الوطني، وبدأو بادارة الحكومة، فقد ورثوا ذلك العبء الكبير لوطن مجزأ تأكله الكراهية وتملأوه الاقليات، التي عرفت جميعها المعاناة بشكل او باخر. كيفية تحملهم لتلك المسؤليه ستحدد نوعية السياسة في العراق.



التناقض هو ان فكرة كون العراق تعددي ويأوي الجميع هي متناقضة تماما مع الحس الشيعي للأستحقاق السياسي النابع من معاناتهم السابقة. الحقيقة الأكثر اساسية لسياسة ما بعد صدام في العراق هي ان الشيعة فقط يمكنهم وقف الخراب الحالي الذي يعتبر ارث الدكتاتورية. بفضل تفوقهم العددي، يتحمل الشيعة في المقام الاول أكبر مسؤلية في هذه الفترة الانتقالية، اكثر من اي مجموعة طائفية او عرقية في العراق.



و لديهم اكثر بكثير ليخسرونه من أي طرف آخر، وهذا ايضا درس فهمه المسلحون بشكل جيد. ولذلك فهم يستهدفون الشيعة، ويفجرون الجوامع، مثل تفجير مرقد الامامين العسكريين في سامراء واللذان يعتبران مقدسان لدى الشيعة.



الحقيقة ان العراقيين لا زالوا في تنافس حول من منهم عانى اكثر، ومن منهم تعاون او لم يتعاون مع صدام، وهي اشارة الى ان سواء كان صدام في السجن أم لا، ما كان يمثله لازال يعيش داخل قلوب العراقيين. وهنا يكمن الخطر الأكبر على مستقبل العراق.



السياسة، كما يقال، هي فن الممكن. لكن هذا صحيح حين تكون هناك رؤية كبيرة للمستقبل – اكبر من المصالح الفردية الخاصة- تقود المتخصصين في هذا الفن.



في حالة المستفيد الكبير من حرب العراق- النخبة الشيعية التي وصلت الى السلطة بالانتخابات التي جرت في 2005- فان القيادة ذات الرؤية كانت غائبة تماما. النتيجة كانت حكومة بقيادة الشيعة التي كانت هي نفسها جزء من المشكلة و ليس الحل لأزمة العراق.



في نهاية المطاف، فان شيعة العراق الفقراء و المحرومين من حقوقهم الذين يشكلون 60% من مجموع السكان هم الذين سيدفعون الثمن الأكبر لفشل الساسيين الذين يتحدثون باسمهم. فشل القيادة الشيعية في العراق، المنتخبة اصوليا وشرعيا، بدأت تطلق العنان لقوى الشر. مالم تتبنى تلك القيادة رؤية اوسع وتقبل بمسؤولية اعمق، فان البلد الذي ناضلنا جميعا بكد لتحريره سوف ينحدر الى اوقات مظلمة ولا يمكن التكهن بها.



كنعان مكية: استاذ الدراسات الاسلامية والشرق اوسطية في جامعة برانديز، مؤسس معهد الذاكرة العراقية، ومؤلف جمهورية الخوف: سياسة العراق الحديث، من بين اعمال اخرى .