Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

مجازر لا تتوقف

الكاتب: قمر السعيد
By Qamar al-Said

إنشغلت قمر في هذه المدونة بفكرة محددة تتمحور حول جملة “لحظات فقط كانت فاصلة بين الحياة والموت”. قبل أن يخطفها صاروخ وترحل قمر..

حجب الغبار والدخان والرماد الرؤيا ولم أكن قد سمعت الصوت بعد، شعرت بالارتجاج قبل أن أسمع صوت انفجار الصاروخ الذي ألقته تلك الطائرة التي فاجأتنا، ولم نكن نحتسب. لم أعد أرى ابني الصغير ضياء، لم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره، ولا أبناء جارتنا صفاء التي استشهد زوجها تاركاً لها 6 أبناء. لم أعد أرى إبن أخي محمد الذي كنت قد أرسلته إلى الدكان ليبتاع لنا بعض الحاجيات. كانت زوجة أخي قد انتقلت للعيش معنا مع أولادها، بعد استشهاد أخي.

كانت الساعة قرابة الواحدة ظهر يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2014، كان الصبية يلعبون أمامي، كنت أنظر إليهم من نافذة المنزل المطلة على الحارة، أسمع أحاديثهم الطفولية وكلماتهم البريئة. لم تكن الحرب قد أفقدتهم عفويتهم وبساطتهم بعد.

زوجة أخي كانت تثرثر كعادتها منذ استشهاد أخي. تريد الخروج من الغوطة، ولكن ابنها الشاب يرفض ذلك. طلبت منّي أن أتحدث معه وأقنعه بضرورة مغادرتهم، ولكنني كنت أعلم أن ابنها يرفض الخروج من الغوطة خوفاً من الاعتقال. فبدأت بمحادثتها وإخبارها بمخاوف ابنها. خاصة بعد أن تم اعتقال زوج ابنتها المقيم في دمشق، خلال مداهمات عشوائية.

غاب صوت زوجة أخي. وحده بقي صدى إنفجار الصاروخ، وتحطم الأوعية الزجاجية الموجودة في المنزل. ساد الغبار وبدأ صوت العويل يصدح في أرجاء المكان. رحت أنادي ابني من النافذة أصرخ ولكن دون جدوى. لم أتمكن من رؤية شيء. وزوجة اخي تنادي ابنها وزوجي مازال على سريره. لا يستطيع أن يتحرك وهو أيضاً يصرخ، ركضت بسرعة ووضعت غطاء الرأس وبدأت أنادي وأبحث في الركام. هناك رجال كثر حضروا بسرعة إلى موقع الانفجار. صفاء هي الأخرى كانت تصرخ بأسماء أبنائها.

رائحة الدم تملأ المكان، ومن بين الأنقاض سمعنا صوت ابني ضياء ومحمد ابن أخي، كانا قد رمى بهما الانفجار داخل المحل، حماهما ذلك من موت محتم، ولكنهما أصيبا ببعض الجروح. مريم ابنة صفاء وأخويها الاثنين، أصبحوا أشلاء ممزقة. الصاروخ استهدف مكان تواجدهم. توقفت صفاء عن الصراخ لهول المنظر وحجم المصيبة، قبل أن تهنار أرضاً. كان الرجال يحاولون إسعاف المصابين والمنهارين ويبحثون تحت الأنقاض عمن يمكن إنقاذه.

حضرت سيارات الدفاع المدني والمسعفون المتطوعون من أهل الحارة، وبدأوا بعملية نقل الشهداء والجرحى وإخلاء المكان. زوجة أخي صعدت في سيارة الإسعاف مع ابني وابنها. أمّا أنا فعدت إلى المنزل لأطمئن زوجي المصاب عن حالة أفراد العائلة، ومن ثم تركته وذهبت إلى النقطة الطبية.

هناك كانت الحياة متوقفة. الجميع يبكي ويصرخ حتى الطبيب المسعف بدأ يصرخ بالجميع. الوضع هستيري والمجزرة عنيفة جداً. سألت عن إصابة ابني ضياء فطمأنتني صبية في مقتبل عمرها تعمل هناك. قالت لي بأنها مجرد رضوض ولكنه مازال بحاجة إلى تصوير شعاعي حيث سيتم نقله إلى قسم التصوير بعد إفراغ النقطة من المصابين. أما محمد فكان قد تم نقله إلى نقطة العمليات، أجروا له عملية جراحية بسبب إصابته الكبيرة في قدمه .

لم أرَ صفاء هناك. بحثت عنها ولكن دون جدوى. ذهبت إلى الحارس كنت أعرفه منذ إصابة زوجي. أخبرني أن هناك خمسة أطفال شهداء. سألته عن أسمائهم فلم يذكر لي إلا ثلاثة فقط وهم من أولاد صفاء.

بدأت الدموع تنساب من عيني لوحدها. لم أعد أقوى على كتمانها أكثر. وغادرت النقطة الطبية بعد أن اطمئنيت إلى إبني وابن أخي توجهت إلى حيث كانت صفاء لأقف مع صفاء في أزمتها هذه. وهناك كاد قلبي أن يتمزق لهول ما رأيت.

وجدتها جالسة وبجانبها ثلاثة أكياس مربوطة من الأسفل ومفتوحة من الأعلى ليظهر منها وجه أبنائها، الذين مزقت أجسادهم شظايا الموت. لا أعرف كيف أصف ما رأيت. أم ثكلى لديها أبناء قامت برعايتهم لوحدها بعد أن استشهد أباهم، لتفقدهم بعد عامين، وتقف على أشلائهم حائرة مشلولة الحركة. وهي التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها بعد.

ما زلت أذكرها كيف كانت عروساً صغيرة، توفر لها كل شيء. لم تكن تحمل همّا ولم تكن تعرف حزناً. وفجأة أصبحت مصائب الدنيا كلها فوق رأسها.

حاولت تهدئتها ولكن فقدت أعصابي أنا الأخرى. وبدأت بشتم كل شيء. وفجأة تذكرت أن هناك طفلين شهيدين لم أعرف من هما. بدأت أسال حتى عرفتهما. أمجد ابن أم أحمد التي تسكن في ذلك البناء الذي أصابته الطائرة، والآخر هو من أصدقاء ابني. ابني ضياء الذي كان معهم، ولكن رحمة الله نجته وأنقذته.

عدت إلى المنزل لأقصّ على زوجي ما حدث، وأحضر ملابس لابني وابن أخي وبعض الحاجيات. تركت منزلي وقد تضرر كثيراً بفعل الصاروخ. غادرت المنزل وأنا أبكي لحال الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في ذلك اليوم الدامي، وصورة الشهداء لا تغادر مخيلتي. لحظات فقط كانت فاصلة بين الحياة والموت. أطفال يملؤون الدنيا صراخاً وضحكا ولعباً تحولوا إلى جثث هامدة ممزقة موضوعة في أكياس.

قمر السعيد، سيدة في الأربعين من عمرها، أم لثلاثة شبان فقدت أحدهم. وثلاث فتيات هاجرت إحداهن مع زوجها. أما زوج قمر فقد تعرّض للاعتقال كما بُتِرت قدمه وفقد إحدى عينيه. لم يطل الأمر حتى تلقيت الرد بأن قمر فارقت الحياة فعلاً، بجسدها هذه المرّة وليس بروحها فقط. في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تعرضت المزرعة حيث كانت تقيم مع بقية أفراد عائلتها للقصف، ما أودى بحياتها وحياة إحدى قريباتها.