Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

لحاجة الى ثقافة للعدالة

خطوات مهمة اتخذت، لكن على السلطات العراقية ان تولي اهتماما اكبر الى إعطاء اولوية أكبر لمواجهة الافلات من العقوبة و الى إضفاء صفة المهنية على طريقة تعاملها و فهمها لحقوق الانسا
By IWPR Iraq
. كلمات مثل الشفافية والحكم الجيد هي ببساطة غير موجودة في قاموسنا السياسي. ثقافة حقوق الانسان هي ثقافة العدالة، و لكن خلق مثل هكذا بيئة يتطلب زمنا ووقتا.



ارث ثلاثة عقود ونصف من الدكتاتورية هو ارث قاسي. فعبر عدة حروب وابادات جماعية و اكثر انواع القمع الداخلي وحشية، تم قتل اكثر من مليوني انسان وتعويق مليون ونصف اخرين وتهجير مليون ونصف في الداخل ولجوء ثلاثة ملايين الى الخارج.



تم القضاء على الأمن الشخصي و المدخرات الشخصية. فمع انتعاش طبقة صغيرة من المجتمع، كانت هناك مئات الالاف من الزوجات قد ترملن، وعدد لا يحصى ازدادوا فقرا الى جانب عشرات الالاف الذين اصبحوا بلا مأوى.



ليس من الامر اليسير تغيير ثقافة التعامل الانساني هذه بين عشية وضحاها. في النضال لتحقيق العدالة لتلك الملايين من الضحايا، فانه لأمر يؤسف له و لكنه من المحتم ان يحصل انتقام و ثأر.



اعدام الرئيس السابق هو اوضح مثال على ذلك.



كناشط في مجال حقوق الانسان، ناضلت طوال فترة حياتي ضد عقوبة الاعدام. كنت الوزير الوحيد في الحكومة اثناء انشاء المحكمة الخاصة الذي لم يوقع على العودة بالعمل بعقوبة الاعدام. وكان موقفي حول ذلك واضحا دائما.



الا ان صدام حسين دفع ثمن ما اقترف. لقد ادخلت الحكومة العقوبة القصوى بإسناد شعبي و تم تطبيقها. مهما تكن العدالة قاسية، فان ذلك يمثل نموذج للمسؤولية بشكلها المتطرف.



الطريقة التي جرت بها تنفيذ حكم الإعدام كانت غير ملائمة. كان يجب ان تكون محاكمة ومعاملة صدام احسن من ذلك، لكن كانت محاكمة و اعدام صدام افضل بكثير من محاكمته و اعدامه للآخرين. في الحقيقة، فقد تم اعدامه في نفس الغرفة التي كان هو ينفذ فيها احكام الاعدام مرتان في الاسبوع، كل اثنين واربعاء على مدى عقود. لم تكن العوائل تتسلم جثامين احبتها من المعدومين ولم يسمح لهم باقامة مراسيم العزاء عليهم. حين كان يتم الاعدام رميا بالرصاص، كانت ترسل الفواتير للعوائل الثكالى لدفع ثمن الرصاصات.



على اوربا ان تنظر الى ماضيها ايضا. انتقد المعلقون ومجموعات حقوق الانسان في الغرب الاعدام وقالوا ان في إظهارها للوحشية فان الحكومة الحالية مرتبطة بالنظام الذي حلت محله. لكن اوربا، التي هي الان البطل المفتخر ضد عقوبة الاعدام، فقد الغت تلك العقوبة حديثا.



ظل العالم لعقود صامتا ازاء اعدام صدام لاحبتنا.



ليس هذا لخلق الاعذار، ولكن لتقديم فهم للموضوع. في الحقيقة، ورغم ظرف الفوضى ومشاهد اراقة الدماء، والعنف والارهاب، فانني ارى اسبابا للامل. فقد اتخذت خطوات مهمة، نأمل ان لا تذهب سدى.



هناك الاحداث الواضحة، و بالتحديد إجراء عدة انتحابات التي انتجت الحكومة الممثلة للشعب. وقمنا بانجاز الدستور- ليس مكتملا ولكنه انجز في وقت قصير جدا.



في بلد يخلو من مؤسسات مستقلة ومن مجتمع مدني، القضاء فيه مستقل شكليا ويحاول الوقوف على قدميه. عندنا هيئة النزاهة العامة وديوان الرقابة المالية العليا. واسسنا دائرة المفتش العام والموقع الذي شغلته انا وهو وزير حقوق الانسان. كل تلك المؤسسات بحاجة كبيرة للتدريب والتحديث. لكن العملية قد بدأت.



و حرية التعبير مصانة في الدستور. الانفجار في الاذاعات والاعلام المطبوع، من ضمنها القنوات الفضائية التلفزيونية ووكالات الانباء والمواقع الالكترونية، رغم انه يبدو فوضويا، وبحاجة الى تحسين النوعية، الا انه وبعد عقود من سيطرة الدولة ، هذا الوصول الى المعلومات وخاصة في مجال الانترنت هو بمثابة ثورة في عقول العراقيين.



في زمن صدام، مجرد حيازتك على تلفون ثريا كان من شأنه ان يفضي بك الى الاعدام. الملايين من العراقيين الان لهم حواسيبهم الخاصة و هم على الخط. التلفونات المحمولة في كل مكان، والصحون الفضائية انتشرت بسرعة فائقة. تعرض وامتزاج العراقيين الى الالاف من الموظفين الاجانب في البلد يفتح عقولهم ويعلمهم طرق جديدة.



من بين 18 محافظة في العراق، هناك 5 أو 6 فقط وضعها سيء للغاية. وهذا امر مؤسف. ولكن هذا يعني ان المحافظات الاخرى رغم وجود مشاكل فيها الا انها مستقرة نوعا ما. المناطق الكردية اكثر استقرارا بل واكثر استقرارا من الاردن و العربية السعودية.



خلال فترة وجودي في الحكومة الانتقالية، بنينا وزارة من لا شيء وحاولنا ان يكون لنا تأثير حقيقي في مجال حقوق الانسان. فمثلا، اسسنا مجموعة مراقبة من 20 موظفا لها حق زيارة اي سجن دون اعلام مسبق لتفتيش ظروف ومعاملة النزلاء والعمل على تحسينها. كانت بداية متواضعة لكنها مهمة.



الا ان الكثير من الاخطاء ارتكبت. هناك أناس بعقليات قديمة وخاصة في مجالات الدولة البيروقراطية الضرورية للحكومة. انهم غير كفوءين و انتهى مفعولهم و يعملون بالتقنيات والافكار القديمة، ولا يستجيبون للطاقات والافكار الجديدة الطازجة. انهم يعيقون عملية التغيير.



تقع المسؤلية على المجتمع الدولي ايضا. لم يكن له ميكانيكية استجابة سريعة للعدالة، ولهذا استغرق كل شيء وقتا وهدته الاحداث.



ومن وجهة نظري، احب ان استشهد بثلاث مجالات رئيسة لم يكن التطور فيها كافيا، الفشل في انشاء المحكمة الخاصة بسرعة كافية مع تفكير و إعتبار كافيين للأجراءات و دعم عملها، الفشل في انشاء مفوضية للمصالحة والحقيقة وتعلم الدروس من جنوب افريقيا والمجتمعات الانتقالية الاخرى، والفشل في اطلاق حملة وطنية مهمة للحوار تشارك فيها جميع المجتمعات في كافة انحاء البلد.



نتائج هذا الفشل ستصاحبنا لفترة طويلة. بسبب هجمات متواصلة و منظمة على البلد، فان العراق يمر بفترة من العنف المتطرف و شهدت فيه حقوق الانسان تراجعا كبيرا. الناس في خطر، وعند ذهابهم الى المدارس، الوظائف، والمحلات، فهم لا يعلمون ان كانوا سيعودون الى بيوتهم ام لا.



لقد تأثر كل واحد بهذا، من مسؤلي الحكومة،الى القضاة والصحفيين، الى الاكاديميين و الأطباء، الى الناشطين والمهنيين، الى الحلاقين والخبازين. في المناطق الاكثر سوءا، كل انسان في خطر الآن، ونحن نتكلم ليس فقط عن حقوق الانسان، ولكن عن الحق البدائي في الحياة.



الامن ضروري لكنني اعتقد ان لو كانت الحكومة قد صرفت 20% من الميزانية على الرفاه الرعاية الاجتماعي لكان البلد اكثر استقرارا بكثير. الاستثمار لتقليل الفقر و التوظيف سيكون اجدى و يكلف اقل مع تأثير أكبر من الاسلاك الشائكة والجدران والحواجز فقط.



وفوق ذلك، لو ارادت الحكومة تكريم ضحايا النظام السابق، واولئك الذين يعانون اليوم، فعليها الزام نفسها بالمعايير العالمية لحقوق الانسان وتظهر ان معاناة الناس ستعالج بالعدالة وليس عبر الصراع على السلطة فقط.



يتطلب هذا الاستمرار في إضفاء الصفة المهنية على آليات حقوق الانسان، وبالخصوص تنقية وزارة حقوق الانسان من سيطرة اي حزب والتأكد من انها بايدي شخصية موثوقة و مستقلة بحق.



الاولوية هي في إظهار معارضة لاي نوع من التعذيب، الخطف، والقتل- مهما يكن المتهم- واستبدال ثقافة الإفلات من العقوبة بثقافة العدالة. لكن ذلك لن يحدث في غضون ليلة و ضحاها.



بختيار امين وزير حقوق الانسان السابق في الحكومة العراقية الانتقالية