Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

لا مؤشر لنهاية الوباء

تمت في العام الماضي معالجة نحو أربعين ألفاً من ضحايا العنف الجنسي في المراكز الطبية التابعة للأمم المتحدة ولشركائها.
By IWPR ICC
2002 ، كانت الآمال كبيرة بانتهاء وباء الجرائم الجنسية المروع الذي يجتاح البلاد.



ولكن بدلاً من ذلك ساءت الأحوال مع ارتكاب جنود الحكومة والمتمردين جرائم اغتصاب بحق مئات الآلاف من الفتيات والنساء، ورغم أن الحكومة الكونغولية أصدرت في عام 2006 قوانين أشد صرامة لمعاقبة الجرائم الجنسية فلا تزال النساء يتعرضن للاغتصاب ولا يزال الجناة المزعومون أحراراً طليقين.



لقد تصاعد العنف الجنسي في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال حرب الكونغو الأولى التي انتهت إلى الإطاحة بموبوتو سيسي سيكو، كما واستمر في الازدياد خلال حرب الكونغو الثانية.



قال الباحث آنيك فان ويدينبيرغ من منطمة هيومن رايتس ووتش :"كان هناك ارتفاع كبير في عدد حالات الاغتصاب عندما بدأ النزاع المسلح أثناء الحرب الأولى ـ من 1996 وحتى1997ـ ثم في الحرب الثانية في الفترة ما بين 1998 وحتى 2003 ".



وأضاف :"لقد أصبح واضحاً خلال حرب الكونغو الثانية أن كل الجماعات المسلحة كانت تستخدم الاغتصاب كسلاح في الحرب، الأمر الذي أدى إلى نتائج مدمرة بالنسبة للضحايا ولأسرهم ولمجتمعاتهم المحلية أيضاً."



ووفقاً لما جاء عن الخبراء، كان ضحايا الاغتصاب صغاراً في السن بعمر الأطفال الرضع وكبارأ في السن ممن بلغ الثمانين، وقد قامت مجموعات من الجنود باغتصاب البعض بينما تم اختطاف أخريات واحتجزن واستخدمن كرقيق جنسي.



وقد تعرض العديد من الضحايا إلى التشوه على يد مغتصبيهم، أو إلى الإصابات بجروح خطيرة جراء ضربهن بالعصي الخشبية وقد بلغ الأمر حد إدخال المسدسات في مهابلهن.



ووفقاً لتقرير نشرته مؤخراً مجموعة برلمانية لجميع الأحزاب في منطقة البحيرات الكبرى الإفريقية، تلقى ثمانية وثلاثون ألف شخص ممن تعرضوا للعنف الجنسي العام الماضي العلاج في المراكز الطبية التابعة للأمم المتحدة لرعاية الطفولة أو لشركائها، ويعتقد معظم الخبراء أن هذا العدد لا يمثل سوى جزء بسيط من عدد الضحايا الفعلي.



وتشكل مقاطعات كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية التي مزقتها الحرب ـ على الحدود الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية مع روانداـ المكان الأساسي لهذا الوباء.



وقد جاء في رسالة وجهتها مؤخراً في نيسان الماضي الجماعات النسائية الكونغولية إلى مجلس الأمن الدولي، أن منطمات الإغاثة ووكالات الأمم المتحدة سجلت ثمانمائة وثمانين حالة اغتصاب في شمال كيفو، وقد أشارت الرسالة إلى أن عدد حالات الاغتصاب المسجلة يمثل عشر الحالات الفعلية فقط لأن معظم الحالات لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف والخجل والإفلات من العقاب.



يشكل الحصول على أرقام دقيقة لحالات الاغتصاب إحدى أكبر المشاكل بالنسبة للباحثين، ويقول أندرو فيليب من منظمة العفو الدولية إن "العديد من النساء والفتيات اللاتي يعشن في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة مجموعة مسلحة يعانين الخوف من التعرض لأعمال انتقامية إذا ما حاولن التبليغ أو التماس الرعاية الطبية لمعالجة آثار الاغتصاب".



ويستمر الصراع في مقاطعات كيفو المضطربة مع استمرار نضال الميليشيات للسيطرة على شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بودائع الذهب والماس والكولتان وغيرذلك من الخامات.



وفي حين أن عشرين ميليشيا موجودة في كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية وحدها، فإن الجيوش الرئيسية هي من الكونغوليين ومن قوات التوتسي العرقية بقيادة لوران نكوندا ومن مختلف مجموعات المتمردين الهوتو الإثنية، وقد ارتكبوا جميعاً جرائم العنف الجنسي.



قال فان وودينبرغ :"لقد تم استخدام الاغتصاب في الكونغو كسلاح من أسلحة الحرب، حيث استخدمته القوات المسلحة كأسلوب لمعاقبة المجتمعات المحلية بسبب دعمها المزعوم لأعدائها، أو لإثبات أنها تملك السيطرة أو لغرس الخوف في قلوب الناس."



وغالباً ما يكون الاغتصاب جزءاً من هجوم على المجتمع، وذلك لتخويف القرويين أو تقديم المتعة الجنسية للجنود، ويشير فيليب إلى أن الأساس العرقي يكون على ما يبدو عاملاً أساسياً في اختيار الضحايا في كثير من الحالات.



ويعتقد فيليب أن التسامح في الاغتصاب على يد القادة العسكريين سمح للعنف الجنسي بالانتشار والتكاثر. يقول:"ومن هذا المنطلق أعتقد أن ارتكاب الاغتصاب على نطاق واسع يتماشى مع أهداف الحرب."



إن استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح من أسلحة الحرب ليس أمراً جديداً.



فخلال الحرب في البوسنة قام صرب البوسنة بارتكاب عمليات الاغتصاب الجماعية ضد النساء المسلمات.



وبالمثل قامت ميليشيات الهوتو بارتكاب العنف الجنسي على نطاق واسع ضد نساء التوتسي كجزء من الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.



ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة تعرضت بين مائتين وخمسين إلى خمسمائة ألف امرأة للاغتصاب خلال الصراع الذي دام ثلاثة أشهر في رواندا، مما دفع المحكمة الجنائية الدولية لرواندا إلى إصدار حكم بإدانة رئيس البلدية السابق في رواندا جان بول أكاييسو على جرائم الاغتصاب التي ارتكبها باعتبارها جزءاً من جريمة الإبادة الجماعية بعد مرور أربع سنوات على ارتكابها.



إلا أن هذا الحكم لم يمنع مع ذلك اغتصاب الآلاف من النساء في الحرب الأهلية في سيراليون التي استمرت حتى عام 2001.



ورغم أن من الصعب مقارنة حالات رواندا وسيراليون إحصائياً مع الكونغو، يشير فان وودينبرغ إلى أن النتائج كانت متماثلة قائلاً:"لقد تم استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحرب في هذه الحالات الثلاث الأمر الذي أدى إلى معاناة عشرات الآلاف من النساء والفتيات معاناة مروعة."



ووفقاً لتقرير بعثة الأمم المتحدة في الكونغو يبدو أن الغالبية العظمى من حالات الاغتصاب التي سجلت خلال النصف الأول من عام 2007 ارتكبتها القوات الحكومية والشرطة.



وقد لاحظت هيومن رايتس ووتش أن من الممكن أن يكون التعرف على الجناة المزعومين صعباً لأنهم كثيرا ما يتنكرون بارتداء ثياب موحدة مختلفة لتجنب أن يتم الكشف عنهم.



وزاد الإفلات من العقاب الذي خبره الجنود الذين يغتصبون المدنيين نسبة الجرائم الجنسية التي يرتكبها المدنيون.



وقد أفادت جماعات الإغاثة ومسؤولو الأمم المتحدة أن ما يقارب 13 بالمائة فقط من حالات الاغتصاب ارتكبها المدنيون، وبعد ثلاث سنوات ارتفعت النسبة إلى 40 بالمائة.



وأشارت بيرنيل إيرونسايد الأخصائية بالحماية في منظمة الأمم المتحدة للطفولة من مقرها في الكونغو الديمقراطية، إلى أن المدنيين غالباً ما يستهدفون الأطفال بقولها:"وفي بعض المناطق يصل عدد الضحايا من الأطفال إلى نصف عدد الضحايا."



ورغم أن جمهورية الكونغو الديمقراطية قامت بتشديد قوانين الاغتصاب في عام 2006 فلا يزال الوضع القانوني للضحايا ضعيفاً لأنه نادراً ما يتم فرض أحكام قاسية.



وبدلاً من ذلك ازداد عدد الحالات التي يتم التوصل إلى تسويتها خارج إطار المحكمة ـ حيث كثيراً ما يتم تسويتها عن طريق وساطة زعماء القبائل المحليين أو مسؤولي السلطة.



ولا تنتهك مثل هذه الترتيبات القانون المدني والعسكري فقط بل إنها تقوض الجهود الرامية إلى السيطرة على وباء الاغتصاب.



وقال منسق الـ APPG ستيفن كارتر:"تشكل هذه التسويات مشكلة كبيرة لأنها نادراً ما تتوافق ومصلحة الضحية" وأضاف "كان من المعروف عن الرجال قبول زوجين من الماعز على سبيل التعويض حتى قبل اغتصاب الفتاة، وذلك علامة واضحة على الانهيار الكامل لسيادة القانون في حين ليس لدى الناس نظام آخر."



ويقول فيليب إن شعبية مثل هذه الصفقات أمر مفهوم بما أن العديد من الضحايا يترددون في اللجوء إلى المحكمة.



ونظراً لأن معظم القضاة غير مدربين تدريباً جيداً، ولا يتقاضون رواتب كافية ولا يميلون إلى مساعدة ضحايا الاغتصاب فإن هناك عدم ثقة واسع النطاق بنظام العدالة.



ووفقاً للخبراء فإن النقص في تمثيل النساء بين العاملين في المجال القضائي أمر مزمن، ولذلك لابد من مواجهة القضاة والمدعون العامون وعناصر الشرطة من الذكور الذين غالباً ما يكون فهمهم للعنف الجنسي محدوداً.



والدليل على عدم فعالية المحاكم الكونغولية انخفاض عدد أحكام الإدانة.

وحتى وإن كان الضحايا على استعداد لمواجهة المحاكمة، فإن الرسوم التي يطالب بها المدعون العامون والقضاة سواء كانت قانونية أم غير ذلك باهظة جداً بالنسبة للكثيرين منهم.



كما تتضاعف الصعوبات بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في الريف والذين يواجهون الحاجة إلى القيام برحلة طويلة ومكلفة للوصول إلى المحاكم الموجودة في المدن.



ومن الممكن أن يكون من الصعب إثبات الاغتصاب في المحكمة، الأمر الذي جعل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يقدم شهادة طبية موحدة لتبسيط هذه العملية.



ولكن حسب ما جاء عن كارتر يبدو أن هناك تعقيدات في الأمور لأن القضاة يطالبون بالشهادات ـ التي لا تتوفر دائماً قبل المباشرة بقضايا الاغتصاب.



وبينما يلعب الإفلات من العقاب دوراً في وباء الاغتصاب فقد تختلف الدوافع لهذه الجريمة.



من أجل فيلمها الوثائقي ، الصمت الأعظم ، قامت المخرجة ليزا جاكسون بإجراء مقابلات مع أفراد الميليشيات؛ الذين اعترفوا بالعديد من عمليات الاغتصاب وكان بعضهم قد نسي عدد النساء اللواتي اغتصبهن إلا أن أحدهم قدر بأن عددهن قد يصل إلى خمس وعشرين امرأة.



وقالت جاكسون "لا أحد يحاكمهم وعندما سألتهم عن القانون اكتفوا بالسخرية مني" وأضافت "من الواضح أن هناك قانون آخر في الأدغال فهم يعتبرون ذلك من حقهم إذا كانوا في حاجة الى امرأة وزوجاتهم لم يكن هناك."



"بعض من..... عناصر الميليشيات الذين تحدثت إليهم قالوا: إن السلطة أُعطيت لهم قبل المعركة، وقد ذهب أحدهم إلى حد القول لي بإنه لن يتدخل إن تعرضت زوجته للاغتصاب في سبيل إنقاذ الكونغو."



هذا وهناك أدلة على أن بعض مرتكبي العنف الجنسي يُجبَرون على ارتكاب هذه الجرائم.



صرح فيليب بقوله :"لقد حصلنا على عدد قليل من الشهادات من مجموعة المقاتلين المسلحة، وتشير هذه الشهادات إلى أن قادتهم كانوا يتوقعون منهم القيام بعمليات الاغتصاب [و] أنه من الممكن أن يقوموا بمنع أو تخفيض حصصهم الغذائية إن لم يقوموا بها" وأضاف "يبدو أن ذلك كان أكثر شدة بالنسبة للأطفال المقاتلين الذين يسعى قادتهم إلى تحويلهم إلى أدوات للعنف."



ويصرح الخبراء بأنه أياً كانت الدوافع فإن الهجمات تستمر بمعدل ينذر بالخطر، وفي بعض القرى عانى عدد كبير من النساء والأطفال من العنف الجنسي لدرجة فقد معها الاغتصاب الآثار المؤلمة ووصمة العار التي يخلفها، كما تأسس نظام لتقديم الدعم للضحايا.



ويشيرون أيضاً إلى أن منظمات الإغاثة المحلية تؤدي دوراً هاما في زيادة الوعي بين المجتمعات المحلية وفي إعادة التوافق إلى الأسر وجمعها من جديد.



ولكن مع تواصل الصراع تشعر الغالبية بأنها لن تتمكن من منع استمرار الجريمة أو منع زعزعة استقرار المجتمعات المحلية وتوسع الانقسامات العرقية التي تعيق المصالحة.



قالت جاكسون "الاغتصاب أرخص من الرصاص وآثاره تدوم لمدة أطول" وأضافت " يترك آثاراً متعاقبة وتستمر لعدة أجيال."



كاتارينا غوتس مراسلة صحفية ـ معهد صحافة الحرب والسلم ـ لندن.