Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

كفاح المحكمة الجنائية الدولية للوصول إلى أهالي دارفور

أظهر التحقيق الذي أجراه معهد الحرب والسلم للصحافة أن ضحايا صراع دارفور لايزالون إلى حد كبير يجهلون كل شيء عن المحكمة الجنائية الدولية التي تتعهد بتحقيق العدالة لهم.
By
.



ووفقاً لهذا التحقيق، حتى المتعلمين من أهالي دارفور لايعرفون إلا القليل عن المحكمة الجنائية الدولية ولا يفهمون بشكل صحيح ما تحاول القيام به، لدرجة أن الكثيرين من بين هؤلاء الذين سمعوا عن عملها يشعرون بالإحباط إزاء عدم قيامها بتوقيف المطلوبين وبطء التحقيقات وعدم شهرتها في الإقليم، حيث وصفتها إحدى جماعات الضحايا بأنها "غير مرئية".



وتشير النتائج الأخرى لهذا التحقيق الذي يجريه معهد الحرب والسلم للصحافة بهدف قياس مدى الوعي بالمحكمة الجنائية الدولية في دارفور ومحاولة معرفة ماذا تعني العدالة للمحاصرين في هذا الصراع المدمر، إلى أن العدالة لا تحتل المساحة الأكبر في أذهان أهالي الإقليم فأغلبهم مشغول بظروف العيش اليومية القاسية حيث لا يتوفر الغذاء والماء النقي والأمن إلا نادراً.



وقال أحد الذين أجرى معهم المعهد مقابلات في هذا الشأن:"إن ثمانين بالمئة من السكان المحليين لا يعرفون المحكمة الجنائية الدولية وغير مهتمين بها، إن ما يشغلهم هو السعي للبقاء على قيد الحياة."



الأزمة الإنسانية في دارفور

اندلع الصراع غرب دارفور في عام 2003 عندما حمل المتمردون السلاح ضد الحكومة لاتهامهم لها بإهمال إقليمهم الذي تعادل مساحته مساحة فرنسا.



ومنذ ذلك الحين تم ارتكاب الكثير من الجرائم ضد المدنيين الأبرياء، وحكومة الخرطوم متهمة بنشر واستخدام قواتها النظامية والقوات شبه النظامية التي شكلتها من القبائل المحلية العربية المعروفة بالجنجويد، بهدف إرهاب المدنيين وطردهم من قراهم وحرمانهم من مصادر رزقهم وكذلك حرمان المتمردين من الغذاء، وليس لمحاربة المتمردين وحسب.



وقد أرغم مليونا ونصف مواطن على ترك بيوتهم، بينما قتل مئتي ألف آحرين في هذا الصراع الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأطلقت عليه واشنطن اسم الإبادة الجماعية.



فالمدنيون يتعرضون للهجوم من قوات الحكومة ومن وجماعات الميليشيا والمتمردين وقد امتد الصراع ليتجاوز حدود السودان ويصل إلى تشاد وجمهورية إفريقية الوسطى.



وفي أيار 2007 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية- أول محكمة جنائية دولية دائمة في العالم لمحاكمة جرائم الحربـ، ومقرها لاهاي- مذكرتا اعتقال بحق اثنين من المشتبه بهم في دارفور.



وبذلك أصبح وزير الداخلية السوداني السابق أحمد هارون وزعيم ميليشيا الجنجويد علي كوشيب مطلوبان لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، إلا أن حكومة الخرطوم التي كانت قد رفضت التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أعلنت أنها لن تسلم كوشيب أو هارون الوزير الحالي للشؤون الإنسانية في السودان.



وقد أخبر المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينو أوكامبو معهد الحرب والسلم للصحافة عن قلقه لأنه لا يعتقد أن هارون موجود هناك ليساعد الناس الذين قام بتشريدهم، حيث قال في هذا الشأن:"لقد تم قتل الرجال واغتصبت النساء، وأنا قلق بشأن المرحلة الثانية من الجرائم، فقد نصت الخطة الأولى على تشريد الناس وطردهم من بيوتهم لتقليل الدعم الذي يحصل عليه المتمردون، وبالتالي فإن إبقاء الناس في المخيمات قد يكون جزءاً من الخطة نفسها ومن قبل الناس ذاتهم".



كما وأنكرت الحكومة السودانية تماماً الاتهامات الموجهة إليها لدعمها ميليشيا الجنجويد ورفضت الدعوات لنشر قوات الأمم المتحدة في البلاد.



وتواصل الحكومة التقليل من حجم وخطورة الصراع، وتصر على قدرتها على إجراء تحقيقاتها الخاصة فيما يتعلق بالفظائع المرتكبة هناك، وقد أنشأت محاكم خاصة لهذا الغرض- ولكن تم رفضها على نطاق واسع باعتبارها خدعة.



وفي الوقت ذاته أرغم استمرار تدهورالحالة الأمنية الخطيرة محققي المحكمة على إجراء التحقيقات في تشاد وست عشرة دولة أخرى.



و في نهاية تموز من العام الجاري أجاز مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، نشر قرابة ستة وعشرين ألف جندياً من القوات التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور، كما سمح باستخدام القوة في حماية المدنيين.

إلا أن الهجوم المفاجئ الذي قام به مئات الرجال المسلحين من أهالي دارفور في 30 أيلول على قاعدة لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، والذي كان قد تسبب بقتل عشرة جنود على الأقل يرجح أن السلام لايزال بعيد المنال بالنسبة لأهالي الإقليم.



ماذا يعني تحقيق العدالة بالنسبة للضحايا؟

بينما يستمر الصراع المرير في دارفور، يتابع الناشطون والخبراء المحليون مناقشة أفضل السبل لتحقيق العدالة لضحايا دارفور،لكن من الجدير بالذكر أن أصوات هؤلاء الأكثر تضرراً من الفظائع المرتكبة غابت إلى حد كبير عن هذه المناقشات.



ويسعى معهد الحرب والسلم للصحافة في تحقيقه الذي يجريه إلى اكتشاف ماذا تعني العدالة بالنسبة لأهالي دارفور، وما رأيهم في المحاولات التي يقوم بها المجتمع الدولي لمحاسبة هؤلاء الذين يتحملون المسؤولية الأكبرعن معاناتهم.



ولتحقيق هذا الغرض حقق مراسلوالمعهد مع الكثير ممن يتكلمون العربية والإنكليزية في البلدات والمدن والمخيمات داخل السودان ليستمعوا عبر الخطوط الهاتفية المعطلة إلى قصص عن حياة هؤلاء الناس وعن أفكارهم حول العدالة وعن أغلى أمنياتهم وأحلامهم المستقبلية.



ولابد من الإشارة هنا إلى أن الكثير من الناس الذين تم استجوابهم طلبوا عدم ذكر أسمائهم، وصرحت إحدى السيدات بأن حياتها ستغدو مروعة للغاية في حال تم كشف هويتها أو ذكرت في مقال يتناول موضوع المحكمة الجنائية الدولية والعدالة الدولية.



وقد أظهرت نتائج التحقيقات أن الكثير من أهالي دارفور إما يجهلون تماماً على ما يبدو عمل المحكمة-الموجودة على بعد 5000 كيلومتر تقريباً في شمال أوروبة- أو لديهم تصور خاطئ عن عملها ومهمتها في السودان.



المحكمة، التصورات والمفاهيم الخاطئة



إن عدم وجود معلومات كافية عن المحكمة الجنائية الدولية على الأرض، يعني أن القليل من الناس فقط يعرف الكثير عن المحكمة وأما السواد الأعظم فيستكين إلى معلومات وأفكار خاطئة عن عملها.



وقد سأل معهد الحرب والسلم للصحافة أحد المزارعين وهو السيد تيجاني آدم أحمد، الذي كان قد طُرد من بيته وتم ترحيله إلى مخيم كالمة قرب نيالا جنوب دارفور، إن كان قد سمع يوماً بالمحكمة الجنائية الدولية فكان جوابه الأول لا إلا أنه ما لبث أن غير رأيه قائلاً:"كنت قد سمعت بها من بعض المنظمات الأهلية الدولية التي كانت تتحدث إلى الناس عن حقوق الإنسان، قالوا إن هناك محكمة لحقوق الإنسان خاصة بالأحداث التي تجري حالياً."



قال أحمد: إنه كان يعيش حياة طبيعية عندما هاجمت الحكومة قريته بالطائرات وهاجمها الجنجويد على الخيول والجمال"فقتل الكثيرون وأما نحن الناجين فقد هربنا ولجأنا إلى المخيمات."



وأما السيد ياسر كوندو الذي يسكن في بيت بلاستيكي ذي جدار مهدم تخترقه الريح، في مخيم للنازحين في الفاشر، فقد قال إنه لا يعرف الكثير عن المحكمة وأضاف" عليكم أن تتحدثوا إلى محام مثلاً، فنحن لا نقرأ عن المحكمة الجنائية الدولية في وسائل الإعلام، لأن الحكومة تحاول إبقاءها بعيداً عن تفكيرنا."



وقال السيد جمال الدين المدير التنفيذي لجماعة حقوق الإنسان في منظمة تنمية السودان في الخرطوم SUDO : إن الفهم المحدود للمحكمة الجنائية الدولية وما تقوم به في السودان هو أمر جد عادي بالنسبة لأهالي الإقليم العاديين.

كما أضاف قائلاً:"إن الفهم العام يقتصر على أن المجتمع الدولي يحاول تحقيق العدالة للشعب، وعدا عن ذلك لا يعرف النازحون شيئاً، النخبة وحدها لديها معلومات عن المحكمة، وللأمانة حتى لدى نخبة الخرطوم هناك نقص في الفهم حول ما تحاول المحكمة القيام به."



ومن الواضح أن هناك سوء فهم حول الدور الذي ستلعبه قوات حفظ السلام التابعة لهيئة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والتي تضم ستة وعشرين ألف جندي عندما يتم نشرها في دارفور قريباً بهدف تحسين الظروف الأمنية هناك.



ومما تجدر الإشارة إليه أن الكثير من أهالي دارفور الذين تحدثنا إليهم يعتقدون بأن قوات حفظ السلام قادمة لتنفيذ أمري الاعتقال الصادرين عن المحكمة الجنائية الدولية بحق هارون وكوشيب ومحاكمتهما في لاهاي.



قال السيد خليل توركاس عامل سابق في منظمة غير حكومية عن ذلك:"لا أحد يشرح لهم حقيقة العمل الذي ستقوم به قوات حفظ السلام، يظنون أنها ستقوم باعتقال هارون وكوشيب، إذ لم يتم تفسير مهمتها والناس يعتقدون بأنها قادمة لأن الحكومة لم تسمح للمحكمة بالدخول."



وبالإضافة إلى ذلك هناك انتشار واسع لأفكار خاطئة عن عدد القضايا التي ستتولاها المحكمة ، فمهمة المحكمة تقتصر على محاكمة هؤلاء المسؤولين عن حملات العنف ضد المدنيين ، ومن المحتمل أن تحاكم حفنة من المشتبه بهم فقط، مما سيخيب أمل الكثيرين الذين يتوقعون أن يقدم مزيد الأشخاص إلى المحاكمة.



قال السيد حسان عبد السلام محام مختص في مجال حقوق الإنسان من مقره في لندن:"أظن أن الضحايا في دارفور بالغوا في توقعاتهم عما تستطيع المحكمة أن تفعل من أجلهم، أظن أن لديهم ثقة مطلقة بل أكثر مما يجب بالمحكمة، إن أول ما فهموه هو أن المحكمة قادمة لتحل المشكلة برمتها وتحاكم كل المجرمين الذين ارتكبوا الفظائع وتعيد الأمور إلى ما يجب أن تكون عليه."



وربما سيصاب آخرون بخيبة أمل عندما يكتشفون أن نظام المحكمة الأساسي لا يشمل حكم الإعدام الذي يعد عقوبة مقبولة لجرائم كالاغتصاب والقتل بحسب تقاليد أهالي دارفور.



وقال محمد علي سراج ، نازح في مخيم السلام في شمال دارفور:"من يقتل يجب أن يُقتل، ومن يسلب لابد أن يُسلب، ومن ينهب لابد أن يُنهب، لابد أن يحاسب كل مجرم بحسب الجريمة التي ارتكبها."





الفجوة في معلومات المحكمة الجنائية الدولية:



إن الصراع المستمر وتعمد الخرطوم عرقلة عمل المحكمة الجنائية الدولية، يجعل من الصعب بمكان تعريف أهالي دارفور بالمحكمة التي أصبحت محط هجوم المنظمات غير الحكومية بسبب محدودية وضيق أفق العمل الذي أنجزته في السودان حتى الآن.



لقد أرغمت خطورة الوضع الأمني محققي المحكمة على العمل من خارج السودان في دول مثل تشاد

- حيث سعى مئات الألوف من سكان الإقليم إلى اللجوء إلى عدد من المخيمات – الأمر الذي أدى إلى عدم تواجدهم فعلياً في دارفور أو أي مكان آخرفي السودان.

حتى أن أحد الأشخاص الذين تكلمنا معهم عن المحكمة قال:" إنها مجرد إشاعة لا أكثر ولا أقل".



هذا وإن حملة التضليل الإعلامي الموسعة التي ترعاها الحكومة ووجود الرقابة وكذلك الرقابة الذاتية، عقبات تمنع المحكمة الجنائية الدولية من نشر المعلومات عن عملها بين أهالي دارفور.

فالصحف غير موجودة على نطاق واسع والقصص التي يتم نشرها لا تمثل في الأغلب إلا وجهة نظر أحادية الجانب إذ تعبر عن طرف واحد من أطراف الصراع.



فقد أخبر صحفي سوداني معهد الحرب والسلم للصحافة أن الصحف التي تسيطر عليها الحكومة تنشر معلومات كاذبة بهدف تشويه سمعة المحكمة.



وقد سعت الحكومة في الماضي إلى تصوير المحكمة الجنائية الدولية على أنها نوع من المؤامرة بين إسرائيل والولايات المتحدة، رغم أن أياً من البلدين لم يصادق على المحكمة.

كما تصور وسائل إعلام الحكومية الرسمية المحكمة الجنائية الدولية على أنها أداة تستخدمها القوى الدولية العظمى لتنفيذ خطة مرسومة مسبقاً.



وفي ظل هذا المناخ القمعي يغدو الحديث عن المحكمة الجنائية الدولية واحداً من المحرمات مما يدفع العديدين إلى الإحجام عن ذلك، الأمر الذي يجعل من مهمة العثورعلى أشخاص يتحدثون إلى معهد الحرب و السلم للصحافة بحرية تحدياً كبيراً، كما يعني أنه كان علينا توخي الحذر أثناء تناول موضوع المحكمة الجنائية الدولية سيما وأنا حريصون على ألا يتعرض أحد للمشاكل جراء تعاونه معنا.



وقد أخبرنا بعض الذين يعرفون عن المحكمة بأنهم لا يترددون في مناقشة فضايا العدالة في المخيمات التي لا تسيطر عليها الحكومة، في حين أن آخرين خافوا وامتنعوا كلياً عن الحديث علناً، وقالوا بأنهم لن يقوموا أبداً بحضور مناسبات لها علاقة بالمحكمة ولا يريدون حتى أن يشار إليهم في كتابات تتناول موضوع المحكمة الجنائية الدولية.



قالت إحدى النساء:" إنهم خائفون" وأضافت:" إن أعلنتم عن أي شيء مما ذكرته عن هذا الموضوع فإن حياتي في السودان ستتحول إلى جحيم، ستكون مروعة حقاً بسبب قوات الأمن والحكومة.....لا يستطيع الناس أن يتكلموا بحرية وخاصة النساء"



إلا أن هذا لم يمنع إحدى الصحفيات عواطف أحمد إشاغ من أن تتحدى الحكومة وتنشر أخباراً عن المحكمة وتكتب عن الحياة في دارفور وعن المحكمة الجنائية الدولية من موطنها في الفاشر.



إن المجلة التي تكتب فيها كانت مجرد مجلة تعالج أموراً بسيطة تعلق على الشجرة ليقرأها المارون، وأما مؤخراً فقد أخذت توزع على المستوى الوطني، مما خلق مشاكل للسيدة إشاغ.



وقد صرحت بقولها:" كانت مجلتي تعلق على الأشجار وحسب ولم يكن لدى الحكومة الوقت لتأتي وتقرأها، كنت أكتب محلياًً فقط".



وأما حالياً فإنها تتعرض لضغوط متزايدة لتتوقف عن الكتابة، فقد قالت:" لقد أصبحت المجلة الآن مجلة وطنية، وبدأ الناس يتابعوني. حتى أنهم يقولون لي أحياناً اكتبي هذا ولا تكتبي ذاك، ويولون اهتماماً كبيراً لما أكتب، ويطرحون علي الأسئلة وبالطبع بإمكان جنود الحكومة أن يعتقلوني ويغلقوا مجلتي إذا تحدثت عن المحكمة الجنائية الدولية، لكني سأتابع الكتابة وفي حال أغلقوها سأنتظر قليلاً ثم أبدا الكتابة من جديد."



إن المنظمات غير الحكومية المحلية تحاول أن تنشر عن المحكمة إلا أنها تصرح بأن القيام بذلك من داخل الإقليم يعد أمراً غاية في الخطورة.



هذا ولا يكافح السكان المحليون وحدهم ليتحدثوا عن موضوع المحكمة بشكل علني، فذلك يشكل بالنسبة لموظفي المحكمة مصدراً رئيسياً للمشاكل أيضاً، وتعترف المحكمة علناً بعدم تواجدها في الميدان.

قالت كلوديا بيردومو منسقة التوعية في المحكمة الجنائية الدولية:" يريد الناس ان يعرفوا لماذا نحن غير متواجدين في الميدان، لا يسمح لأي من سؤولينا الدخول إلى السودان".



إن الشؤون الأمنية تمنع المحكمة من نقل ما له علاقة بقضية دارفور علناً، إلا أن بيردومو تؤكد على أن المحكمة تنشط باذلة أقصى جهدها لتوعية الناس:" لدينا استراتيجية للوصول إلى الناس بأكبر قدر ممكن ولكن ضمن حدود الإمكانيات المتاحة لنا".



ويشمل ذلك التحدث مع الأعضاء المشتتين في اجتماعات وجهاً لوجه خارج البلد، ومع ممثلي المجتمع في دارفور والخرطوم عن طريق البريد الإلكتروني والهاتف.



كما أضافت:"عبر هذا التحاور نكون قادرين على الوصول إلى قطاعات الشعب والحصول على تعليقاتهم وآرائهم فيما يتعلق بالقلق وسوء الفهم الذي يدور حول دور المحكمة في السودان".



هذا وإن التواصل مع الناس في الإقليم صعب جداً خاصة وأن شبكات المحمول غالباً ما تكون معطلة، وقد صرح أغلب الذين أجرى معهم معهد الحرب والسلم للصحافة تحقيقات، أنهم يظنون أن الحكومة تتعمد تعطيلها قبل أي هجوم.

كما أن المحكمة حدت من استخدامها للمواد المكتوبة، حيث من المعتقد أن ستين بالمئة من أهالي دارفور فقط يتقنون القراءة والكتابة، وفي حين قامت المحكمة بترجمة الوثائق إلى العربية، لايفهم كل أهالي دارفور هذه اللغة.



وأخبرت السيدة بيردومو معهد الحرب والسلم للصحافة أن المحكمة تستخدم مترجمين فوريين سودانيين وضباط مهمتهم التوعية يتقنون العربية واللغات المحلية في غرب السودان، لتوسيع المعلومات بحيث تعرف كل أهالي دارفور على المحكمة الجنائية الدولية.



كما قالت:"نحن أيضاً نعمل على تطوير الوسائل البصرية لتعزيز الفهم للمحكمة، بما في ذلك وضع مجموعة كاملة من الرسوم التوضيحية والملصقات دون نص مكتوب أو باستخدام نص صغير جداً، كما نستخدم الفيديو لتكون جهودنا متكاملة."



وتدرك السيدة بيردومو أن الاستراتيجيات التي تتبعها حكومة الخرطوم تجعل من الصعب على المحكمة الانخراط بالسودانيين، إلا أنها تؤكد أن الاجتماعات التي عقدتها فرق التوعية في المحكمة مع الجماعات السودانية بهدف التواصل كانت مثمرة جداً.



قالت:" يجب أن نوضح أن السودان صادق على نظام روما الأساسي -الاتفاقية التي تم بموجبها تأسيس المحكمة- بعد مناقشات شملته، وقد تناقشنا مع بعض الجماهير وشرحنا لهم باستخدام مصطلحات بسيطة أساسيات العلاقات الدولية والقانون الدولي."



إن المنظمات غير الحكومية المحلية تحاول أن تنشر معلومات عن المحكمة الجنائية الدولية إلا أنها تقول إن القيام بذلك من داخل الإقليم أمر غاية في الخطورة.



قال في هذا الشأن السيد خليل توركاس الذي كان قد استقال مؤخراً من منصبه كمدير لمنظمة غير حكومية في شمال السودان رغبة منه في أن يكون حراً في الحديث عن العدالة وعن الوضع السياسي، قال: إن مجموعته نظمت ورشات عمل عن المحكمة في مخيمات اللاجئين، إلا أن من الخطير جداً القيام بذلك في المدن حيث يقوم مخبرو الحكومة بمراقبة الذين يتناولون موضوع المحكمة.



كما يشكو السيد توركاس من افتقار وكالته لدعم هيئة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الأخرى والتي يظن أنها تخشى التفريط في الحكومة السودانية عبر مساندتها للمحكمة بشكل علني.

قال:" لا أحد سيساندنا في ذلك، نحن مجرد أفراد يقومون بذلك، وحتى إن وجدنا من يمنحنا المساعدات لدعمنا، فلن يكونوا على استعداد لأن يصل الكلام إلى الحكومة ."



كما دعا إلى القيام بالمزيد في سبيل إيجاد وسائل لنشر الوعي حول المحكمة والحديث عنها.



لقد أنتجت عدة منظمات دولية غير حكوميه مواداً أدبية عن المحكمة للضحايا، واستخدمها فريق السيدة بيردومو لتكملة موارده الخاصة ، وتشمل كتيبات باللغة العربية لتوضيح عمل المحكمة الجنائية الدولية التي تحدد الدور الذي يمكن أن يضطلع به الضحايا في إجراءات المحكمة.



قالت السيدة بيردومو:"نحن نزود الضحايا بأمثلة عما نستطيع وما لا نستطيع أن نفعل، وننقل هذه الرسائل الى ممثلي المنظمات الدولية الموجودة في المخيمات حتى يتسنى لهم شرح أية أسئلة تتعلق بعمل المحكمه الجنائية الدولية ."



إلا أن انتشار أعمال العنف وانعدام الأمن أجبرالعديد من المنظمات غير الحكوميه الدولية على مغادرة دارفور، تاركين الناشطين هناك يشعرون بأنهم وحيدون ولا أحد يدعمهم.



قال السيد توركاس عن هذا الموضوع:"نحن بحاجة الى أن نعرف كيفية الحصول على الدعم لنتمكن من الحديث عن المحكمه الجناءيه الدولية، إذ ثمة نقص في القدرة على نشر الوعي عن كل ما يتعلق بها."





كفاح أهالي دارفور اليومي من أجل البقاء



فيما تمنع الرقابة المفروضة على وسائل الإعلام ووسائل التكنولوجيا المحدودة ودعاية الحكومة الناس من التعرف على المحكمة الجنائية الدولية، أخبرنا الكثير من أهالي دارفور أنهم مشغولون في سعيهم للبقاء على قيد الحياة في هذه المنطقة التي مزقتها الحرب، إلى درجة أنهم لا يسعون للحصول على معلومات عن المحكمة.



وبالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون في بلدات الإقليم وفي مخيمات النازحين هناك ما يشبه قليلاُ الحياة الطبيعية

إذ أن حملات القصف الجوي وهجمات الحكومة في الخرطوم وحلفائها من ميليشيا الجنجويد العربية تتكرر وعدد النازحين يزداد يوماً بعد يوم.



وبما أن عدد أهالي دارفور الذين يهجرون الريف بحثاً عن ملجأ في المراكز الحضرية يزداد أكثر فأكثر فإن الحياة فيها أصبحت صعبة للغاية، قال أخصائي اجتماعي يعمل في مركز لضحايا التعذيب في نيالا جنوب دارفور : "إن المدن غدت أماكن خطيرة."



وصرحت السيدة فاطمة خلتوم (تم تغييراسمها لحماية هويتها) وهي طبيبة نفسية تعمل في مركز أمل لمعالجة وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب من مقرها في دارفور :" لقد اختلفت الحالة الأمنية، إن الصراع لا يؤثر على النازحين فقط بل إن المواطنين العاديين يعانون أيضاً من جراء العنف".



كما أضافت :" إن بلدة نيالا غير آمنة، من الممكن لأي شخص ان يأتي ويطلق النار عليك، إن هناك أكثر من خمس عشرة ميليشيا، الناس يتعرضون للهجوم والقتل ولا أحد يعرف هوية الفاعل، فالبعض ملثم والبعض يرتدي ملابس عادية، ومن المستحيل التعرف عليهم".



هذا وتزداد الضغوطات بسبب ارتفاع نسبة البطالة، حيث تقول قبائل إفريقية كالفراء والمساليت إنه يتم تجاهلهم في فرص العمل وتشغيل العرب على حسابهم.

يقول السيد توركاس:"لا يستطيعون أن يجدوا عملاً، لأن من لا يؤيد الحكومة لا يستطيع الحصول على عمل."



وقال أحد الدارفوريين العاملين في مجال حقوق الإنسان: إن بعض العاطلين عن العمل من سكان المدن يذهبون إلى المخيمات النازحين نهاراً للحصول على الغذاء والماء ثم يعودون إلى بيوتهم ليلاً.

وهذا لا يعني أن الحال في المخيمات أفضل فالكثير من الذين قابلناهم قالوا إن الأوضاع في مخيمات النازحين تمضي من سيئ إلى أسوأ.



قال رجل لمعهد الحرب والسلم للصحافة:"هناك قدر كبير من البؤس في المخيمات، فهناك أعمال شغب، هناك اغتصاب، وهناك قصف جوي." لدرجة"أن المغامرة بالخروج من المخيمات لجمع الحطب أو زراعة الأرض أمر شديد الخطورة لاسيما بالنسبة للنساء والفتيات المعرضات لخطر الاغتصاب من قبل الجنجويد أو الجماعات المسلحة الأخرى التي تجول الأرياف."



وأخبرت السيدة فاطمة خلتوم المعهد بأن الصراع وصل إلى درجة من التعقيد لم يعد من الممكن معها أن يميز الضحايا الذين يعتدون عليهم خاصة وأنهم في أغلب الأحيان ملثمون ويحملون الكلاشينكوف، فالصراع الآن معقد جداً وهناك الكثير من الجماعات بحيث أصبح من الصعب تحديد إن كان شخص ما من اللصوص أو من الميليشيات."



إن سبعة آلاف دورية من دوريات الاتحاد الإفريقي تبذل الجهود لحفظ السلام، ولتأمين الحماية من هجمات النازحين المحبطين جراء انعدام الأمن، وليس من الأطراف المتحاربة وحدها.

وقد ساعدت مغادرة المنظمات غير الحكومية الدولية إقليم دارفورعلى تردي الوضع الأمني مما أدى إلى زيادة المشاكل التي يواجهها الناس هناك.



قالت إحدى السيدات:"أعمل في قرية تسمى قريضة تقع جنوب دارفور لا تخضع لسيطرة الحكومة وكان فيها خمس منظمات غير حكومية، فجاء الناس وهاجموا هذه المنظمات فغادرت تاركة الناس دون غذاء ودون حطب للتدفئة ودون دواء، فأخذوا يقتلون بعضهم بعضاً للحصول على ما بقي من الدواء والغذاء."



هذا وتزداد حالة انعدام الأمن التي حثت عمال الإغاثة على المغادرة سوءاً، ذكر أحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان الذي يعمل في شمال وجنوب الإقليم لمعهد الحرب والسلم للصحافة، أن جنود الجنجويد الذين كانوا يهاجمون القبائل الإفريقية انشقوا على أنفسهم وبدؤوا يهاجمون بعضهم البعض، والمعارك الأخيرة تدور بين الأبالة وهم رعاة الإبل والترجم وهم رعاة الماشية والذين يزرعون الأرض.



السيد أبو حامد(تم تغيير اسمه لأسباب أمنية) الذي يعمل في نيالا لحساب المنظمة السودانية الوطنية للتنمية الاجتماعية، وهي منظمة غير حكومية، أخبر معهد الحرب والسلم للصحافة أن القبائل العربية اعتادت أن تقاتل معاً بدعم من الجنجويد ومن الحكومة، إلا أنها الآن تتقاتل فيما بينها.



وأكد أبو حامد أن الكثير من الناس يعانون من العنف وانعدام الأمن قائلاً:"نرى الكثير من العرب المشردين ونرى في المشفى الأساسي في نيالا المزيد من الجرحى العرب كل يوم."



وقال أبو حامد إنه منذ الوقت الذي لم يعد فيه أهالي دارفور ذوو الأصل الإفريقي هدفاً لأعمال العنف "نرى القبائل الإفريقية تلعب دور المتفرج فقط . وهم لا يخفون سعادتهم إزاء ما يجري ويقولون إن الأفارقة هم أول الضحايا والآن هناك ضحايا جدد."



المشتبه بهم



في ضوء هذه الخلفية من العنف والفوضى، يشكك الكثير من الناس في فعالية مذكرتي الاعتقال الصادرتين عن المحكمة الجنائية الدولية بحق هارون وكوشيب منذ خمسة شهور مضت.



إذ ابتهج الناس في دارفور عندما سمعوا بصدورهما واعتبروهما دلالة على أن المجتمع الدولي يتدخل أخيراً لوضع حد لهذه المحنة، علماً أن البعض شعر بخيبة أمل لعدم صدور أوامر اعتقال ضد كبار المسؤولين الحكوميين.



قالت السيدة خلتوم:"الناس يشعرون بأن هذه بداية جيدة، ولكن تم استخدام هارون وكوشيب ككبشي فداء."



لقد كان الناس في المخيمات يتوقعون أن يتورط أصحاب المناصب العليا في المراكز القيادية الحقيقية، لقد ظنوا أن الأدلة التي جمعتها المحكمة كانت ضد الشخصيات الأبرزفي سلم الترتيب القيادي، وتوقعوا أن يتم ذكر أسماء أكثر من شخصين فالناس يعلمون أن الحكومة هي المسؤولة وأنها وراء كل ما يحدث، وقوات الحكومة وقوات الجنجويد موجودة في كل هجوم، لقد تأمل الناس بالمزيد."



ومن الجدير بالذكر أن هارون وكوشيب لا يتمتعان حالياً بالكثير من الدعم في أوساط القبائل العربية، والمفارقة الغريبة هنا، أن حياة كل منهما في خطر لأنهما يعرفان أكثر مما يجب عن الحكومة.



قال حافظ محمد، ناشط سوداني في مجال حقوق الإنسان:"قد تُفضح كبار الشخصيات إذا ما تعرض أياً من الزعماء الذين يحتلون مناصب تأتي في الوسط على سلم القيادة إلى المحاكمة أو التحقيق."



أحد المتهمين وهو هارون من بلدتي، انتقل أغلب أقاربه للعيش في العاصمة لأنه يظنون أن رجال الأمن سيقتلونه لمجرد التخلص منه، لأنهم خائفون فبعضهم خائف فعلاً على حياته.



ولذلك ليس من المستغرب أن يكون رد فعل الجنجويد ومؤيديهم سيء للغاية حيال احتمال مثول أحدهم أمام المحكمة في لاهاي.



قال السيد جمال الدين في هذا الشأن :"لقد اعتبرت مذكرتا التوقيف بحق كل من كوشيب وهارون بمثابة إدانة للقبائل العربية، وقد تمت تعبئة قطاعات المجتمع التي تدعي أن المجتمع الدولي يجرِّم العرب، محاولةً ربط ذلك بما يحدث في إسرائيل والعراق."



ويظن السيد جمال الدين أن بعضاً من أهالي دارفور يشككون بمذكرات الاعتقال، ويخشون في أن يزيد الضغط الدولي على الحكومة للتعاون مع المحكمة وإلقاء القبض على كوشيب وهارون من"قوة حكومة الخرطوم وتطرفها."



هذا وإن من الجدير بالذكر أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك القوة لتنفيذ القرارات الصادرة عنها، أي أنها تعتمد على الدول التي وقعت على اتفاقية إنشاء المحكمة، أي الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي لتنفيذ هذه القرارات.



ويقول من هم في الميدان إنه ينبغي على المجتمع الدولي وعلى جيران السودان ممارسة الضغط على الحكومة لتنفيذ الاعتقالات.



قال محمد: "إن ممارسة الضغط الدولي على المحكمة هو الوسيلة الوحيدة التي ستجعلها تقبض على المتهمين، وذلك بفرض العقوبات عليها مثلاً، فليس من السهل االدخول إلى السودان وإلقاء القبض عليهم باستخدام قوة مسلحة كما لو كان ذلك غزواً".



لابد من الإشارة هنا إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تشاطر هذا الرأي.



و ذكر ناطق رسمي باسم مكتب المدعي العام:"أن المدعي العام كان قد صرح أن الأمر سينتهي بأحمد هارون وعلى كوشيب إلى المحكمة في لاهاي لا محالة" وقال:" إن المحكمة دائمة ويمكننا الانتظار حتى يأتي هذا اليوم، إلا أن الضحايا في دار فور قد عانوا بما فيه الكفاية وما عاد بإمكانهم الانتظار أكثر ولذلك من الأهمية بمكان أن تنفذ أوامر الاعتقال الآن ومن واجب حكومة السودان القيام بذلك. وينبغي على المجتمع الدولي أن يدعو السودان إلى الامتثال لهذا الالتزام بحيث تأخذ العدالة مجراها. "



وعلى الرغم من ذلك يقترح السيد جمال الدين أن تحاول المحكمة الجنائية الدولية العمل بالتعاون مع حكومة السودان قائلاً:" يجب أن يتم ذلك عن طريق الاتفاق مع الحكومة على أن تتعهد الأخيرة بالالتزام بمحاكمة عادلة ونزيهة."



ولكن هذا لا ينفي وجود إحساس عام بالتشاؤم واليأس من أن تتعاون الحكومة السودانية الحالية مع المحكمة الجنائية الدولية، قال أبو حامد معبراً عن ذلك الإحساس بالتشاؤم:"سيستمرون في الرفض حتى النهاية، ولا أحد سيرسل أحداً إلى السودان ولا أحد سيتطوع في الذهاب إلى المحكمة".



كما أضاف السيد جمال الدين" أنه في ظل الظروف الحالية يبدو جلياً أن الحكومة لن تسلم المشتبه بهم ولن يكون بإمكان القوة الدولية حمايتهم."



وصرح السيد مورينو أوكامبو لمعهد الحرب والسلم للصحافة أن من واجب الحكومة السودانية إلقاء القبض على هارون قائلا:ً"على العالم أجمع أن يذكر السودان بمسؤوليتها هذه."



كما أضاف"لابد لنا أن نتابع الإصرار على أن يبقى العالم متوافقاً ومتحداً لأن هذه معركة بين العالم وبين هارون، وإذا اتحد العالم من سيكون الرابح؟"



أسلوب العدالة السوداني



لقد ذكر بعض من أجرى معهم معهد الحرب و السلم للصحافة مقابلات أن من الممكن استخدام بعض الطرق التقليدية لتحقيق العدالة بالإضافة إلى وجود المحكمة الجنائية الدولية.



قال جمال الدين:" لم يكن ينظر إلى إرسال الأشخاص إلى المحكمة وزجهم في السجن كطريقة وحيدة لتحقيق العدالة وتسوية الأمور، فهناك ثقافة العفو ونسيان الماضي والمضي إلى الأمام و التقبل والاعتراف بالجرائم".



إلا أن السيدة خالتوم قالت: إن من غير الممكن ممارسة هذه العادات التقليدية -أي عندما يجلس زعماء القبائل ويحلون المشاكل مع بعضهم البعض مثلاً- في ظل هذه الفوضى.



لقد تم تدمير البنى التقليدية، ففي الماضي كان لكل قرية في كل إقليم محكمة خاصة بها، لكننا نادراً ما نجد ذلك في الوقت الحاضر.



وأما العقبة التي لاتزال المحكمة تواجهها في جلب هارون وكوشيب إلى قفص الاتهام فهي المحكمة الخاصة بالأحداث في دارفور SCCED التي أسستها حكومة الخرطوم في حزيران 2005 بعد يوم واحد من إعلان المحكمة الجنائية الدولية عن مباشرنها التحقيق في أحداث دارفور.



إذ بموجب نظامها الأساسي لا يحق للمحكمة الجنائية الدولية التدخل في أي حالة إلا في حال عجز الدولة عن إجراء المحاكمة بنفسها، والسودان ادعى أنه جاهز وقادرعلى القيام بذلك.



هذا وقد ادعت الخرطوم أن هارون في السجن منذ تشرين الثاني 2006 إلا أن وزير الخارجية لام أكول أعلن في بداية تشرين الأول 2007 عن الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة.



وقد أدانت جماعات حقوق الإنسان إطلاق سراح الرجل الذي يلقبه اللاجئون والنازحون بـ "سفاح دارفور" قائلة بأن إطلاق سراح متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية هو مثال حي آخر عن سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها الحكومة."



وقد رفض مراقبو حقوق الإنسان بشكل واسع الـ SCCED باعتبارها خدعة، قائلين إن القضايا المعروضة عليها لا علاقة لها بإقامة العدل، وأنها لا تشكل بديلاً عن المحكمة الجنائية الدولية.



ومن الجدير بالذكر أن الكثيرين في الميدان يشاطرونهم وجهة النظر هذه، حيث قال أحد سكان مخيم للنازحين شمال دارفور:" لن يعاقب المجرمون أنفسهم، إنها مهمة كبيرة وليس منطقياً بالنسبة للحكومة السودانية أن تدير محكمة قضية إقليم دارفور، فالحكومة لا تبالي بتحقيق عدالة شعبها."



وأكد توركاس من مقره في الفاشر" أن ذلك مضيعة تامة للوقت، إنها نفايات، لا شيء، لم يفعلوا يوماً أي شيء لحل المشاكل الحقيقية، أو البحث عن الجرائم الفعلية، إن إحدى القضايا التي عرضت على الـ SCCED كانت سرقة سبعة وخمسين خروفاً".



أما أبو حامد فقال:"إن الشعب في دارفور بشكل عام يؤيد ما ترفضه الحكومة ويعارض ما تؤيده، وبالتالي فهو يرفض الـ SCCED ويؤيد المحكمة الجنائية الدولية".



إن خالتوم ونساء أخريات ممن أجرى معهن المعهد مقابلات قلقات جداً إزاء عدم كفاية القوانين السودانية المتعلقة بجريمة الاغتصاب، هذا السلاح الحربي المشترك خلال الصراع في الإقليم.



إذ تعتمد المحاكم السودانية على الشريعة أو القوانين الإسلامية التي تعرِّف الاغتصاب على أنه جماع غير مشروع أو زنى مما يجعل عقوبتها الإعدام، ولكن لتتم الإدانة بمثل هذه الجريمة لابد من شهادة أربعة ذكور، مما يجعل إثبات ضحايا الاغتصاب لعدم رغبتهم بممارسة الجنس أمراً أشبه بالمستحيل.



قالت خالتوم: " القضية الوحيدة التي تمت فيها إدانة الجاني هي عندما اعترف بنفسه بارتكاب الجريمة".



وقد ذكرت امرأة تعمل في مخيمات النازحين بأن ضحايا الاغتصاب لا يحصلن إلا على القليل من العدالة من قبل المحاكم السودانية، وأضافت:"يلتزم الكثير من النساء الصمت خوفاً من العار، لكن أحياناً يتوجهن إلى المحكمة مباشرة، فتراجع المحكمة بعض التفاصيل ولكن لا شيء يحدث بعد ذلك، المحاكم لاتعير قضايا الاغتصاب اهتماماً والنساء ينتظرن وحسب".





أهالي دارفور يطالبون بالتحرك والعمل الجاد



إن أهالي دارفور الذين تحدثوا إلى معهد الحرب والسلم للصحافة لاينوون انتظار العدالة إلى الأبد، فهم يتقبلون فكرة أن النظام السوداني غير مستعد أو غير قادر في الوقت الحاضر على الأقل على تصحيح الأخطاء والكثير منهم يرى في المحكمة الجنائية الدولية الخيار الأمثل.



قال محمد:"كنت أتحدث إلى شخص أحرقت قريته، فأخبرني أن الناس على استعداد للسير لأيام في سبيل اجتياز الحدود والوصول إلى تشاد للإدلاء بشهاداتهم، لشدة ما تعرضوا له من ظلم".

وأضاف:"لم يعودوا يبالون بما قد يحدث لفداحة ما شهدوا من ظلم وسوء يقع على أصدقائهم وعائلاتهم."



ويحرص موظفو المحكمة الجنائية الدولية الذين لا يستطيعون التحدث إلى الضحايا في دارفور على الوصول إلى هؤلاء الذين لجؤوا إلى تشاد.



أخبرت السيدة بيردومو معهد الحرب والسلم للصحافة أن ممثلي المحكمة الجنائية الدولية زاروا أربعاً من أصل اثني عشر مخيماً رسمياً للاجئي دارفور في تشاد – فبقية المخيمات تقع في منطقة محظورة أمنياً- وأضافت موضحة:"أن الموظفين الإنسانيين الأساسيين وحدهم يسمح لهم بالسفر إلى هناك".



ويقوم موظفو المحكمة العاملين في مخيمات تشاد بتحديد المفاهيم المحلية والتصورات الخاطئة والتوقعات من المحكمة لدى اللاجئين، وتقييم كيفية جمع المعلومات عن إجراءات المحكمة من داخل المخيمات.

قالت السيدة بيردومو:"نلتقي بالمجموعات نفسها عدة مرات ونجري مقابلات عشوائية لا على التعيين وعمليات مسح واستقصاءات".



كما قالت أيضاً لمعهد الحرب والسلم للصحافة: إن التوقعات كبيرة جداً لأن حجم معاناة الناس كبير جداً، إلا أن على المحكمة أن توضح للناس أن:" لدينا موارد محدودة ومهمتنا محدودة كذلك".



وأضافت:"هناك جهات فاعلة أخرى على مسرح الأحداث، بما في ذلك السلطات المحلية والمنظمات الدولية الأخرى التي لها دورمهم لتلعبه فنحن جهة واحدة فقط وهذا شيء نحاول توضيحه بشكل كبير".



إلا أنه لا مجال للشك بأن نفاذ صبر أهالي دارفورفي إيجاد حل يتزايد حيث قالت إحدى اللاجئات:"الناس يريدون عملاً حقيقياً".



وقال السيد توركاس:"إنهم يتحدثون عن سبب استغراق المحكمة كل هذا الوقت في تنفيذ إجراءاتها".



وأضاف:"لقد تفاقمت أزمة دارفور بسرعة كبيرة، والناس لديهم ثقة كبيرة بالمحكمة إلا أن الوقت الطويل الذي تستغرقه يحبطهم، ويتساءلون عن الفائدة من إلقاء القبض على هارون وكوشيب بعد عشر أو خمس عشرة سنة، إذ ربما يكون الضحايا قد لقوا حتفهم عندذاك".



إن هناك مخاوف من أن تنتظر المحكمة أكثر من اللازم – أن تستغرق سنوات قبل أن تدخل إلى السودان- لا أحد سيحاسب يوماً من هؤلاء الذين ارتكبوا الفظائع هناك.



وعلى الرغم من أن المحكمة تدعي بأنها ستتمكن من محاكمة الجرائم التي تم ارتكابها في دارفور عبر جمع الأدلة والشهادات من الضحايا المتواجدين خارج الإقليم والدولة، يبقى الكثيرون غير مقتنعين.



قالت خالتوم:"لن تدوم الأدلة إلى الأبد"إنها آخذة في التلاشي، وعندها سينتهي كل شيء، لذلك لاتريد الحكومة أن تمنح المحكمة حق الدخول، إن ذلك مقلق فعلاً لأن الأدلة تتلاشى".



وقال السيد سراج الذي يتوق إلى روية إعادة إعمار بلاده، وإلى أن يتمكن من العودة إليها مع أطفاله يوماً:" إن مطلبه الأول والأخير هو الأمن وأن يمثل الذين ارتكبوا الفظائع أمام عدالة المحكمة ليدفعوا ثمن ما فعلوا."



وناشد المجتمع الدولي أن يأتي لنجدة أهالي دارفور قائلاً:"أتمنى أن تصل رسالتي هذه إلى كل اللاجئين في كل أنحاء العالم، وإلى كل بلد فيه أشخاص يطلبون حق اللجوء، نحن كلاجئين نطالب العالم بالاهتمام بنا، ودعمنا وإنقاذنا من هذا السواد قبل أن نموت فحكومة الخرطوم يملؤها الحقد علينا."



إن المحكمة الجنائية الدولية بالنسبة للسيد سراج تمثل الفرصة لتحقيق العدالة لمجتمعه، وقد قال:"لابد لمرتكبي الجرائم في دارفور من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لتطهير الإقليم من هؤلاء الذين هجروا ونهبوا وقتلوا الناس هناك. لقد تم طردنا من قرانا عراة حفاة وجائعين، لقد اغتصبوا نساءنا".



نعتبر نحن اللاجئين المحكمة الجنائية الدولية كمحكمة العدل الوحيدة في العالم وقد علمنا أن مرتكبي الجرائم في دارفور سيمثلون أمام عدالة المحكمة الجنائية الدولية، وهذه إحدى مطالبنا كمواطنين في إقليم دارفور".



كاتي غلاسبورو وليزا كليفورد مراسلتان صحفيتان تغطيان موضوع العدالة الدولية – لاهاي



كارولين توش مراسلة ومحررة - معهد الحرب والسلم للصحافة



دانييل بارون، متدرب في معهد الحرب والسلم للصحافة- لندن