Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

في مواقع المسلحين الحصينة

جازف صحفيو معهد صحافة الحرب والسلام بدخول المناطق التي يسيطر عليها أتباع رجل الدين المتطرف مقتدى الصدر
By Dhiya Rasan

كان مكتب الشهيد، مقر جيش المهدي في مدينة الصدر مغلقاً.


وعند الباب الخلفي، كان رجلاً مسلحاً وحيداً مرتدياً عصابة الرأس الخضراء المميزة لأفراد جيش المهدي الموالين لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، واقفاً يحرس فيما كانت دبابات التحالف تربض على بعد عدة مئات من الأمتار في الشارع.


وفي الخارج، كان رجال جيش المهدي يحفرون حفراً في الرصيف لزرع المتفجرات، ويمررون الأسلاك الى البنايات المجاورة لمنع قوات التحالف من مداهمة هذه المنطقة الفقيرة من بغداد لكسر شوكة المقاتلين.


كان اليوم هو 13/ آب وبذلك يكون قد مر أكثر من اسبوع منذ رفعت مدينة الصدر والمواقع الحصينة الأخرى لحركة التمرد الشيعية السلاح تضامناً مع قائدهم مقتدى الصدر الذي يعتصم الآن في مرقد الإمام علي (ع) في النجف.


وعلى الرغم من أن الحارس لم يستطع ان يؤمن لنا لقاءً مع ممثلي الصدر فقد أعطانا رقم هاتف الناطق باسم جيش المهدي أبو ذر الكناني، الذي أكد التقارير الأخيرة بان مقتدى قد جرح بشظية خلال القتال.


وأكد الكناني أيضاً التقارير التي أشارت الى ان المسؤولين المحليين في الجنوب الشيعي تعهدوا بعدم اطاعة أوامر رئيس وزراء الحكومة المؤقتة أياد علاوي في بغداد اذا لم يتوقف القتال في المدينة المقدسة.


وقال الكناني بثقة "نريد وقفاً فورياً لاطلاق النار في النجف، وانسحاب القوات الأمريكية من النجف." وفي هذه الأثناء تردد صوت اطلاق نار في الشارع، مع مكبر للصوت يطلق توجيهات الى أهالي مدينة الصدر قائلاً "الى جميع المؤمنين, التحقوا بالمظاهرة خارج قصر المؤتمرات (مقر حكومة علاوي), تعالوا سلمياً."


وخلال دقائق قليلة فقط، خرج الرجال والنساء والأطفال من الشوارع الضيقة, ليستقلوا السيارات والحافلات الصغيرة والعجلات الأخرى ليتجهوا نحو المركز. وبعد ان قطعوا عدة كيلو مترات، أصبحوا في ساحة التحرير حيث يقع مركز المؤتمرات عبر نهر دجلة أمامهم تماماً، ووصل عدد الجموع بسهولة الى الألاف، وهي تتحرك نحو الجسر.


وقال رجل غير مسلح علق على صدره علامة عضو في جيش المهدي "انها مظاهرة سلمية. نحن لن نجابه الشرطة او الجيش او الأمريكان."


وأقام مقاتلو الصدر نقطة تفتيش مؤقتة على الجسر يفتشون المتظاهرين ليتأكدوا انهم جاءوا من دون أسلحة.


وينطلق الهتاف "الله أكبر" من الحشد وهو يعبر الجسر سائراً نحو "المنطقة الخضراء" على الجانب الآخر. وظهر سكان المنطقة من بيوتهم يوزعون الماء على المتظاهرين العطشى. وتوقف الحشد خارج المنطقة الخضراء، في حين كان المنظمون من جيش المهدي يبذلون كل جهودهم لمنع أية مصادمات مع القوات الأمريكية وقوات الشرطة التي تقف في الحراسة.


ومن نقطة مراقبة على سطح مشفى مجاور، كنا نشاهد المظاهرة تمتد على طول الشارع الذي يبلغ كيلو مترين من بداية الجسر. وثمة طريق آخر يمتد الى شمالي بغداد قد امتلأ هو الآخر بالمتظاهرين.


وأعلن الشيخ عبد الهادي الدراجي أحد رجال الدين المعروفين في مدينة الصدر, عبر مكبر الصوت, مطاليب حركته وهي: وقف القتال في النجف. اطلاق سراح سجناء جيش المهدي. استقالة الحكومة المؤقتة. محاكمة رئيس الوزراء أياد علاوي ووزيري دفاعه وداخليته (بتهمة جرائم الحرب) الى جانب الرئيس المخلوع صدام حسين.


وقال الدراجي ان علاوي قد أعطى "الضوء الأخضر للأمريكان لضرب النجف."


وانتشرت كلمة بين الجموع عن الفتوى التي أصدرتها هيئة علماء المسلمين السنية المحافظة ذات العلاقة بالمتمردين السنة, والتي تعلن فيها التضامن مع الصدر وتحرم على أي شرطي عراقي او موظف من التعاون مع التحالف.


وقال أحد المتظاهرين "انها خطوة كبيرة, بارك الله فيهم."


وحان وقت صلاة الظهر, واستعد المتظاهرون لذلك, فيما أعلن الشيوخ الصدريون ان على المؤمنين ان يقوموا بالرحلة الى النجف نفسها للتظاهر عند بوابات المدينة المقدسة.


ووقف رجال الشرطة العراقية جانباً, وقد انضم بعضهم الى المظاهرة, بينما حمل الآخرون الواقفون على سطح مركزهم صور مقتدى وسط تصفيق المتظاهرين.


وارتفع آذان الصلاة من خلال مكبر الصوت الذي وضع فوق احدى سيارات الشرطة.


وعندما انتهت الصلاة, تفرق المتظاهرون, متجهين سيراً نحو ساحة عند أطراف بغداد حيث كانت الشاحنات متجمعة بانتظارهم لأخذهم جنوباً.


وسمعنا ذلك المساء أنباء عن قيام الجيش الأمريكي بتعليق عملياته في النجف.


وأعلن محافظ النجف عدنان الزرفي عن أمله بنجاح المفاوضات ومغادرة جيش المهدي قريباً للمدينة المقدسة.


وظهر الصدر على شاشات التلفاز مربوط الكف, ولكن دون جرح خطير كما بدا واضحاً, وألقى خطاباً شديداً لأتباعه خارج مرقد الإمام علي (ع). أخبرهم بمواصلة القتال, ودعا حكومة أياد علاوي المؤقتة الى الاستقالة, معلناً انها "أسوأ من صدام."


وكان مندوبو معهد صحافة الحرب والسلام قد حاولوا الدخول الى المدينة المقدسة قبل أربعة أيام. وكانت رحلتهم شاقة نحو الجنوب لاسيما وقد رافقنا صحفي أمريكي.


وخلال الطريق مررنا بالمواقع الحصينة للتطرف السني في مدن مثل المحمودية واللطيفية والاسكندرية حيث تعرض الكثير من الأجانب في السابق الى الهجوم وفي بعض الحالات الى الاختطاف.


ولم نشعر بأية راحة ونحن نسمع الشائعات التي تقول ان رجال الشرطة في نقاط التفتيش المقامة على امتداد الطريق يبلغون المتمردين عن الأجانب المسافرين على الطريق.


وكما تبين, فقد مرت الرحلة بسلام باستثناء نقطة تفتيش واحدة تحت حراسة الحرس الوطني العراقي الذي استوقف سيارتنا. وبعد ساعتين كنا أمام النصب الضخم خارج آثار بابل الذي حمل في السابق صورة شخصية لصدام حسين, لكنه يحمل الآن صور الإمامين علي والحسين (ع).


وهذه كانت علامة على اننا غادرنا المناطق الشيعية السنية المختلطة جنوب بغداد وأصبحنا الآن في الجنوب الشيعي حصراً.


وأخبرنا السواق المحليون ان الطريق المباشر نحو النجف مغلق, ولذلك سلكنا بدلاً منه الطريق المؤدي الى الكوفة المدينة التوأم للنجف, حيث منزل عائلة الصدر, وهي تبعد (10) كلم فقط.


ولم يوقفنا ونحن نعبر الجسر بسيارتنا ومن ثم الى شوارع الكوفة لا قوات تحالف ولا شرطة ولا حرس وطني ولا جيش المهدي.


وأمام الجامع الذي كان مقتدى الصدر يخاطب أتباعه منه كان رجال الشرطة يوجهون المرور, بينما كان أحد المقاتلين يراقب وهو يغطي رأسه بكيس من الجنفاص مع ثقبين أمام عينيه ليخفي شخصيته.


وكان بقية الصدريين يتحركون في شوارع المدينة مدججين بعتاد كثير لقاذفات (آر بي جي ـ 7). وكان احدهم يحمل ما يبدو انه صاروخ أمريكي مضاد للدبابات مغنوم.


وفي محاولة للحديث مع ناطق باسم الصدر, دخل أحدنا الى الجامع مصحوباً برجل دين يعتمر عمامة سوداء. ثم قادونا الى مكتب في ظهر البناية وطلبوا منا الانتظار خارج احد الأبواب. ومن الداخل كنا نسمع صوت المسؤول الأكبر يرفض بغضب ان يتحدث الينا, قائلاً لمرؤوسه "الم اخبرك بعدم دخول اي شخص الى هنا؟ أخرج الآن حالاً. نحن هنا لا نتحدث للصحفيين."


وأوضح لنا رجل الدين الشاب باننا اذا ما أردنا اجراء مقابلة فان علينا زيارة مكتب الصدر في النجف نفسها, وزعم ان الطريق مفتوح وانه قد أرسل تواً خمسة صحفيين آخرين الى هناك.


وسلكنا الطرق الخلفية الترابية خلال ضواحي النجف الصناعية والسكنية. وأوقفنا أحد المارة الذي وجهنا نحو مشفى قريب قائلاً انه قد نجد هناك عناصر من جيش المهدي, ثم تساءل "هل انتم صدريون؟ اذا لم تكونوا كذلك, سأقتلكم." ولم نكن نعرف ان كان ماقاله مزحة سوداء ام حقيقة.


والتقينا خارج المشفى بمجموعة من الرجال الذين ادعوا انهم صدريون, وذكروا انهم سيأخذوننا الى النجف اذا ما اتبعنا سيارتهم. لكننا قررنا ان لا نتبعهم لأن كل ما نعرفه بانهم قد يكونوا عصابة اجرامية يقودوننا الى فخ ليسلبوا سيارتنا او يختطفون الأمريكي الذي يسافر معنا. وتابعنا السياقة.


وفي أحد الشوارع الخالية, على بعد عدة مئات من الأمتار, أخبرنا الأهالي بان الأمريكان والحرس الوطني العراقي نصبوا حاجزاً يقطع الطريق. فتوقفنا لنفكر فيما سنفعله لاحقاً. وفكرنا في حكمة الاستمرار الى أبعد من ذلك, ولكن سيراً على الأقدام. وبينما كنا ما نزال واقفين هناك, اندلعت اطلاقات النار, ولم نعرف من أي جهة تأتي.


وصاح سائقنا "عودوا الى السيارة." وقد شاهد تواً سيارة شرطة تمر في الشارع, وقد فتح المسلحون النار عليها من الأماكن التي يختبئون فيها في الأزقة.


أسرعنا, ثم توقفنا قرب صف من المحلات. وفيما نحن نفكر في خياراتنا ظهر رجل دين بعمامة بيضاء, فاقتربنا منه من أجل أخذ تعليقه. وكان رجل دين متواضع في حركة الصدر يدعى الشيخ أحمد ابراهيم الذي قال "اني أتهم الشرطة العراقية في تصعيد الموقف. انهم لا يخدمون الشعب, انهم يخدمون الحكومة التابعة للأمريكان. ان الشرطة في أوربا وأمريكا لا تطلق النار على المتظاهرين او خصوم النظام .. (هنا) يقتلون المتظاهرين, ويطلقون النار في الهواء لارهاب الشعب."


وقررنا مغادرة النجف خلال النهار, ولكن وبينما نحن في طريق العودة, شاهدنا قافلة من الحرس الوطني تأتي مندفعة بقوة وتطلق النار في الهواء.


وكنا نراقبهم وهم يخرجون من عجلاتهم ليطوقوا أحد المصانع. اختبأ البعض وراء أكوام من الطين, بينما اقتحم الآخرون البناية مندفعين الى الداخل.


وعندما استمر الرمي, وجدنا ملجأً في باحة أحد الدور التي يملكها صاحب أحد المحلات, وهو رجل مسن طلب منا ان نسميه فقط باسم أبو جعفر خوفاً من انتقام جيش المهدي لما سيقوله لنا.


وذكر ان مقاتلي الصدر استخدموا المصنع ككمين, ثم أضاف بانهم قد يكونوا قد غادروه منذ بعض الوقت. وقال انه لا توجد مشاكل مع رجال الحرس الوطني لأنهم لم يطلقوا النار على المدنيين أبداً. ولكن مقاتلي جيش المهدي الذين احتلوا مدينته وأجبروه على اغلاق محله, ليس لديه تجاههم سوى الاحتقار. وقال "انهم غرباء وخارجون على القانون." وردد الاعتقاد السائد بين العديد من الناس في النجف بان الصدريين هم في الغالب مثيرو مشاكل جاءوا اما من بغداد او من أنحاء أخرى من جنوب العراق.


ويوجه السكان المحليون اللوم للمقاتلين لتحويلهم المدينة الى ميدان معركة, فدمروا السياحة الدينية التي تعيش عليها.


وبعد (15) دقيقة, انسحب الحرس الوطني. وفي ضوء نصيحة السكان قررنا ان نسلك الطريق المتجه شمالاً الى كربلاء. وبعد ساعة, وجدنا أنفسنا في مدينة العراق الشيعية المقدسة الثانية. وهناك تحدثوا لنا عن العلاقات الطيبة التي تربط بين الشرطة والصدريين, اضافة الى تدخل كبار علماء الدين مما حال دون انلاع انتفاضة كما هو الحال في النجف.


وبعد تناول الغداء في أحد المطاعم الذي يفضله السواح الدينيون, تابعنا طريق عودتنا الى بغداد.


*ضياء رسن ومحمد فوزي ـ النجف وكربلاء