Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

عاصفة الدستور

اعتراض الشيعة على فقرة أساسية يؤدي الى تأجيل مراسم التوقيع على وثيقة الدستور
By IWPR Iraq

يبدو ان تحول العراق السياسي قد دخل دوامة الفوضى, بعد ان رفض خمسة أعضاء من مجلس الحكم التصديق على دستور انتقالي كانت أكبر قوتين سياسيتين في البلاد, رجال الدين الشيعة والحزبين الكورديين, قد اتفقتا عليه كتسوية متميزة.


وقد ذكر أن مراسم التوقيع يوم الخامس من آذار قد علقت بسبب رفض الشيعة للفقرة التي كانت ستسمح للمناطق الجغرافية, مثل شمالي العراق ذي الأغلبية الكوردية, بنقض التصديق على الدستور الدائم.


وذكر أيضاً ان لدى الشيعة ملاحظات بشأن تشكيل مجلس الرئاسة, وكذلك بشأن رفض الوثيقة تحديد الجهة التي ستحكم العراق خلال فترة ما قبل الانتخابات المقرر اجراؤها في بداية السنة المقبلة.


وكان الحاضرون في مركز بغداد للمؤتمرات الدولية ينتظرون صعود أعضاء المجلس على المسرح للتوقيع على الوثيقة التي سبق وان صادقوا عليها جميعاً في ختام جلسة استغرقت الليل كله قبل أربعة أيام.


ولم يكن التوقيع قد حصل بعد عندما وصل مندوب معهد صحافة الحرب والسلام الى المؤتمر.


وعلى وفق ما ذكرته مصادر المجلس فقد رفض خمسة أعضاء شيعة من المجلس التوقيع على الوثيقة بعد ان رفضها آية الله العظمى علي السيستاني. أما الأعضاء الخمسة فهم: أحمد الجلبي, رئيس المؤتمر الوطني العراقي, وعبد العزيز الحكيم, رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق, وابراهيم الجعفري من حزب الدعوة, والعضوين المستقلين موفق الربيعي ومحمد بحر العلوم.


ومن المعروف ان أعضاء مجلس الحكم البالغ عددهم ( 25 ) قد صادقوا كلهم على "قانون ادارة الدولة للعراق في المرحلة الانتقالية" في ساعات الصباح الأولى من يوم الثاني من آذار.


وقال كل من الكورد وبعض الاسلاميين ان القانون ما هو إلا اجراء مؤقت, وانهم سيفرضون برامجهم الكاملة في المفاوضات التي ستجري بشأن الدستور الدائم الذي من المقرر ان تجري المصادقة عليه في شهر تشرين الأول / 2005.


وعلى وفق الصيغة الأصلية, سيصبح الدستور نافذاً "اذا ما صادقت عليه الأغلبية في العراق, ولم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر".


ان هذه الصياغة تمنح, بشكل أساس, صلاحية نقض الدستور لأي تجمع اقليمي بما في ذلك المحافظات الثلاثة التي تخضع الآن لسلطة حكومة المنطقة الكوردية, وهي حكومة الأمر الواقع المستقلة التي شكلت في منطقة الحكم الذاتي الكوردية في شمالي العراق بعد حرب الخليج عام 1991.


وقال حامد البياتي, المستشار في المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق "ان عدد سكان بعض هذه المحافظات يبلغ ( 400 ) او ( 500 ) الف فقط,ولا يمكن ان نقبل بامتلاك هذا العدد من الناس لصلاحية رفض دستور يخص ( 25 ) مليون مواطن".


ومع ذلك, فان رفض الشيعة لهذه الفقرة, قد يعني من جانب آخر انهم يتطلعون الى التمسك بمطالب رئيسة خلال المرحلة الانتقالية, وانهم سيستخدمون وضعهم كأغلبية لتضمين هذه المطاليب في الدستور.


وكان الجمبع قبل نزاع اللحظة الأخيرة, يرى في القانون اتفاقاً مدهشاً بين الكورد والشيعة لحل القضيتين اللتين كان يبدو انهما تفرقان بينهما ـ دور الاسلام, وطبيعة الفدرالية.


وفيما يتعلق بدور الاسلام فقد اعترف القانون في المسودة التي اعدت مساء يوم الثاني من آذار, بأهمية الشريعة الاسلامية, إلا انه لم يمنحها الكفة العليا في التشريع, مما دعا بعض المحافظين الى المطالبة بهذه الأرجحية لتكون الشريعة المصدر الرئيس للتشريع. علماً ان القانون ينص على ان الاسلام هو دين الدولة الرسمي, ولكن "كمصدر للتشريع" فقط.


وأشارت المسودة الى انه لا يمكن ان يصدر أي تشريع يتناقض مع "المعتقدات المتفق عليها في الاسلام", ولكن ليس لأي منهما ان يتعارض مع "مبادئ الديمقراطية" او لائحة الحقوق المدنية والسياسية, بما في ذلك حرية العبادة والتعبير, "والحق في الخصوصية".


وتوصل الأعضاء كذلك الى تسوية بشأن قضية ثانية مثيرة للنزاع, وهي قضية الفدرالية.


وعلى الرغم من ان معظم التجمعات السياسية العراقية قد اقرت منذ مدة طويلة بان يكون دستور المستقبل "فدرالياً", فان معظمها يحبذ حالياً ما يسمى "حل المحافظات الثمانية عشرة" الذي يضمن الحقوق الفدرالية لمحافظات العراق الحالية.


ومع ذلك, فقد دعا الحزبان الكورديان الرئيسان الى منح الحقوق لمنطقة كوردستان الفدرالية, والتي وصفوها بانها كيان تاريخي وجغرافي أكثر من كونها كياناً عرقياً.


ودعا الحزبان أيضاً الى ما هو أكثر اثارة للخلاف, وهو ادخال مدينة كركوك الغنية بالنفط ضمن منطقة كوردستان, وان يكون لكل منطقة حق السيطرة على ما فيها من ثروات طبيعية.


وفي هذا الصدد يزعم الكورد ان هذه المحافظة كانت ذات أغلبية كوردية قبل حملة التطهير العرقي التي قام بها نظام البعث منذ عقد السبعينات. ودعوا الى عودة اللاجئين الكورد الى المحافظة قبل تقرير وضعها النهائي. وادعى الحزبان أيضاً الحق في المناطق الأخرى التي طرد منها الكورد.


ويعترف القانون بحكومة منطقة كوردستان كحكومة رسمية في تلك الأراضي, وسمح لها بتأدية معظم الوظائف التي استمرت على تأديتها حتى الآن.


وخول القانون الحكومة الكوردية صلاحية جباية الضرائب والأجور, وان تكون مسؤولة عن "السيطرة الاقليمية على قوات الشرطة والأمن الداخلي", إلا انه لم يسمح لها بالذات بدمج عناصر البيشمركة الكوردية بالحرس الوطني لكوردستان, كما طالب بذلك العديد من الكورد.


على أية حال فان القانون لم يوسع من سلطة حكومة المنطقة الكوردية لتمتد الى خارج حدود منطقة الحكم الذاتي المحددة في فترة ما قبل الحرب. وكان مثل هذا التوسع سيرعب تركيا اضافة الى الأحزاب التركمانية في المنطقة.


وتقول مصادر المجلس الكوردي, ان رئيس سلطة التحالف المؤقتة بول بريمر اخبرهم انه سيعترض سبيل أي توسيع لسلطة حكومة منطقة كوردستان حتى لو صادق عليها أعضاء المجلس الآخرين.


كذلك منح القانون الحكومة الفدرالية الحق في "ادارة" الثروات الطبيعية و "توزيع" الايرادات.


وقال الكورد انهم حصلوا على دعم الشيعة لدستور يتضمن مفهوم الدولة داخل الدولة عن طريق السماح للمحافظات, عدا بغداد وكركوك, بان تنظم نفسها داخل مناطق أكبر.


وعلى الرغم من ان القانون لم يلحق كركوك بمنطقة كوردستان, كما طالب بذلك العديد من الكورد, إلا انه يقر وبشكل واضح بضرورة ازالة الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق في تغيير التركيبة السكانية لمناطق معينة, بما فيها مدينة كركوك. كما يدعو الى اعادة سكان تلك المناطق المهجرين او المطرودين الى بيوتهم, اذا كانت العودة عملية, او يعوضون اذا كان الأمر عكس ذلك.


وأقر القانون مبدأ الفصل بين السلطات.


وفي هذا الميدان يقوم المجلس الوطني المؤلف من ( 275 ) عضواً من المقرر انتخابهم في موعد لا يتجاوز يوم 31 / كانون الثاني / 2005 بممارسة السلطة التشريعية.


ان قانون الانتخابات الذي ينظم التصويت سوف "يصاغ لكي يحقق الهدف" في ان تكون نسبة تمثيل النساء ربع عدد الأعضاء في الأقل, على الرغم من عدم تحديد الآلية لتنفيذ هذا الأمر.


وسيكون على المجلس الوطني اختيار "مجلس رئاسي" من رئيس ونائبين للرئيس, "للاشراف على الشؤون العليا للبلاد" واقرار او نقض التشريعات الرئيسة, لكن المجلس الرئاسي سيختار رئيس وزراء ليمارس السلطة التنفيدية المباشرة.


وذكر ان الأعضاء الشيعة الذين رفضوا التصديق على القانون يرغبون في ان يتكون مجلس الرئاسة من خمسة أعضاء.


على صعيد آخر فان القضاء المستقل يكون تحت مسؤولية مجلس القضاء الأعلى, وتقوم محكمة فيدرالية عليا بالحكم في النزاعات بين سلطات الحكومة, وتحديد دستورية القوانين والمراسم.


ومما يثير التساؤلات هو عدم تحديد القانون لكيفية حكم العراق في المرحلة التي تسبق انتخابات المجلس الوطني, تاركاً الموضوع جانباً, لملحق يصدر فيما بعد.


ولهذا, وكما تذكر مصادر في مجلس الحكم, فان فشل القانون في تحديد طبيعة الحكومة التي تحكم قبل الانتخابات, هو السبب الذي أثار احد اعتراضات السيستاني.