Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ضحايا الأنفال يشعرون انهم منسيون

مايزال عشرات الآلاف من الكورد يعيشون في الفقر واليأس بعد (16) سنة من حملة النظام العراقي المدمرة
By Shabaz Jamal

احتفلت السليمانية مؤخراً بذكرى الأنفال, حملة صدام حسين الاجرامية ضد الكورد التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى مع تدمير مناطق كبيرة من شمال العراق.


ولكن بعد مرور عقد ونصف على تلك الحملة, ما يزال الضحايا يتساءلون عن مدى صدقية الشعار الذي يتصدر الاحتفالات ويقول "دعونا لا ننسى الأنفال".


وتقول مهروب صديق سعدون, وهي أم لخمسة أولاد وعمرها (39) سنة قتل زوجها أثناء الحملة "لكننا منسيون".


وما يزال عشرات الآلاف من ضحايا الأنفال الأحياء مهانون بالفقر واليأس بعد (16) سنة من اجبارهم على النزوح من قراهم الى المدن الجماعية الهامدة التي شيدت على عجل قرب القواعد العسكرية في الغالب.


كانت الأنفال حملة منطمة نفذها عام 1988 علي حسن المجيد الذي أطلق الكورد عليه نتيجة لذلك اسم "علي كيمياوي".


كان هدفه القضاء على الدعم الذي يقدمه السكان الى المتمردين الكورد في قتالهم ضد النظام البعثي. وقد تابع الحملة بلا رحمة عن طريق اخلاء المناطق الريفية من سكانها ومن ثم تدميرها.


كانت حملة الأنفال بالنسبة للنظام تهدف الى حل ما تراه في نظرها "المشكلة الكوردية" مرة واحدة والى الأبد.


أعداد الضحايا غير واضحة, وقد يصل الى (100) ألف كوردي,والغالبية العظمى منهم لم يكونوا مقاتلين, وقد قتلوا كلهم, بينما اختفى ( 100) ألف آخرون ويعدون أمواتاً.


وتم تدمير (4) آلاف قرية, وأجبر (500) ألف مواطن على العيش في المدن الجماعية حيث يمكن اخضاعهم للسيطرة بسهولة أكثر.


أما الأسلحة الكيمياوية فقد استخدمت في (40) هجوماً منفصلاً في الأقل.


كانت الحمة بالنسبة للنظام قد حققت النجاح المطلوب عندما جعلت المقاومة الكوردية تخر على ركبتيها.


وقال وقتها زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود البرزاني ـ عضو مجلس الحكم حالياً ـ "لا يمكننا ان نقاتل الأسلحة الكيمياوية بأيدينا العارية. نحن, في الحقيقة, لا نستطيع الاستمرار في القتال".


ان كلمة الأنفال تعني باللغة العربية: الغنائم, كما في غنائم الحرب. لكن حملة صدام أقحمت الكلمة في الوعي الجمعي للكورد وثقافتهم. لقد دخلت اللغة الكوردية كاسم وفعل وصفة. قد يشير الناس الى شخص على انه قد "أنفل" او انه يتحدث عن "منطقة أنفالية".


والعديد من أولئك الذين نجوا من حملة الأنفال استمروا في معاناتهم التي تمتد من الصدمة النفسية الى المشاكل الاجتماعية في التشرد والبطالة الواسعة والنقص في الخدمات العامة.


وتقول الحكومة الكوردية انها تحاول مساعدتهم, لكنها لا تملك المصادر الكافية.


ان الأرملة مهروب هي واحدة فقط من الآلاف العديدة من "أرامل الأنفال" اللائي كافحن بمفردهن من أجل اعالة عوائلهن. وهي تعيش الآن في شورش, احدى أكبر المدن الجماعية التي يعيش فيها (50) ألف نسمة, وهي تقع على بعد (70) كلم غربي السليمانية. ومن أجل اعالة أبنائها الأربعة وابنة واحدة تقوم مهروب ببيع الخبز في مدينة جمجمال المجاورة, كما تسافر بين حين وآخر الى السليمانية للعمل كخادمة.


ومثل بقية أرامل الأنفال لا يمكنها ان تتزوج مرة أخرى, وذلك بسبب عدم وجود شهادة وفاة رسمية لزوجها, فقد رفضت الحكومة العراقية السابقة اصدار تلك الشهادات لعشرات الآلاف الذين قتلتهم خلال حملة الابادة التي شنتها.


وقال آلان عطوف المدير السابق المسؤول عن اعادة توطين ضحايا الأنفال في الجمعية الخيرية البريطانية (مساعدة الشيوخ) "ان هؤلاء هم أكثر الناس تهميشاً في المجتمع من ناحية الخدمات".


ان البيوت الطينية والاسمنتية المهدمة على امتداد طرق شورش الترابية المغبرة تتلقى ساعات قليلة من الكهرباء ليلاً. وتنفق النساء كثيراً من أوقاتهن يومياً للحصول على الماء من الحنفيات القليلة المتبقية.


ان الكآبة التي خلفتها الصدمة الأولى للإعتقال والتعذيب والضياع والتشرد, الى جانب الضغط المتواصل للفقر, كلها تأخذ مداها.


وقال عطوف "ان حالة التدهور النفسي لهؤلاء الناس تبدو ظاهرة على وجوههم".


ويقول الطبيب النفسي نزار محمد أمين ان ضحايا الأنفال مايزالون يعيشون في حالة صدمة. ان صور القتل والتعذيب والتدمير ماتزال طرية في عقول الضحايا, ومايزال العديد منهم يعاني من انعكاسات تجاربهم المريرة.


وخاور قادر جوهر البالغة من العمر (54) سنة من أهالي قادر كرم قرب كركوك هي واحدة من عشرات الآلاف من الذين اعتقلوا في مراكز الاعتقال الحكومية الرهيبة خلال الحملة. وقد أطلق سراحها أخيراً لكن الصدمة تركتها تعاني من اضطراب عقلي.


وبقول أفراد عائلتها والجيران انها تبكي باستمرار دونما سبب معين, وتنتابها نوبات من الغضب, وهم يحرصون دائماً على عدم تركها وحيدة أبداً. ويعاني العديد من هذه الحالات المشابهة.


ويقول زوجها محمد أحمد مصطفى "انهم بحاجة الى اشراف نفسي مستمر". لكن ليس ثمة خدمات استشارية لضحايا الأنفال.


ويقول صلاح رشيد وزير شؤون ضحايا الأنفال والأشخاص المشردين "قمنا ببعض العمل, لكنه بعيد جداً عن مستوى ما هو مطلوب لهؤلاء الضحايا".


ويتسلم ضحايا الأنفال (40) دولاراً شهرياً من الوزارة, في حين انتقل بعضهم الى سكن جديد للأشخاص المشردين داخلياً.


وحتى الآن, ومع العديد جداً من الناس المشردين من سنوات الحرب والتطهير العرقي في كوردستان, فان الحكومة تواجه الأعداد الكبيرة من الناس المحتاجين للسكن, والعمل والخدمات الأخرى.


ويقول الوزير صلاح "ان كل ذلك يعود الى الوقت والتخصيصات. ونحاول ان نحسن الأمور من خلال المواصلة".


وبالنسبة للعديد من الناس فان التهجير من قرى ذات نسيج اجتماعي متماسك الى مجتمعات كبيرة معدمة يشكل تجربة مدمرة لم يكن من السهولة تجاوزها.


في الوقت نفسه لا تتوافر إلا أعمال قليلة للناس من شورش في جمجمال المجاورة, أما أفرب مدينة كبيرة فهي السليمانية التي تطول الرحلة اليها حتى اذا ماتوافرت سيارة تقل الناس.


لقد كان معظم ضحايا الأنفال من المزارعين الذين لا يملكون المهارات المطلوبة للعمل في المناطق الحضرية.


لم يتمكن العديد من الناس من العودة الى بيوتهم خلال العقد الماضي لأن الكثير من مناطق الأنفال كانت تقع خارج "الخط الأخضر" لمنطقة الحكم الذاني الكوردية. ولهذا كانوا تحت السيطرة المحكمة لنظام البعث حتى سقوطه في نيسان الماضي.


والآن يستطيع الضحايا ان يعودوا, إلا ان القليل منهم يملك المال لإعادة البناء, كما ان المنطقة ما تزال مزروعة بكثافة بالألغام الأرضية.


ويقول حاجي أسود البالغ من العمر (60) سنة انه كان قبل الأنفال رجلاً موسراً, يزرع العديد من هكترات الأراضي قرب مدينة قادر كرم الواقعة ما بين جمجمال وكركوك. أما الآن فهو يعيش في منزل طيني مؤجر وبالكاد يستطيع توفير الطعام الى عائلته بالنقود التي يكسبها من الحسنات والاعانات الحكومية.


أما فاتح عزيز مصطفى البالغ من العمر (57) سنة والذي فقد أربعة من أفراد عائلته خلال الأنفال, فهو يشارك في الشعور باليأس, ويقول وهو جالس في منزله المهدم ذي الغرفتين حيث يعيش مع زوجته وأولاده الخمسة "لا أستطيع ان أوفر حتىالمصروف اليومي لأطفالي".


وهذا يعني ان أبناء ضحايا الأنفال قد عاشوا المعاناة أيضاً, وهذا عمر علي الذي أصبح عمره الآن (23) سنة يقول أنه وجد نفسه مسؤولاً عن عائلته المكونة من عشرة أفراد بعد مقتل والده في الأنفال. لذلك ترك المدرسة للعمل كعامل بناء. ويقول انه حتى الآن ما يزال يأمل في اكمال دراسته في يوم ما.


وروزان علي خورشيد التي يبلغ عمرها (17) سنة فقد اضطرت للذهاب الى بيت خالتها لتعيش هناك بعد مقتل والديها في الحملة, في حين ذهب أخواها الى أعمامهم. ويحاول الأولاد الثلاثة ان يلتقوا ببعضهم مرة في الاسبوع.


أما النساء اللائي فقدن أزواجهن مثل الأرملة مهروب فان عليهن الحصول على عمل على الرغم من ان أعمال النساء خارج البيوت نادرة في المجتمع الكوردي, لاسبما لنساء من الطبقات العاملة.


وقال هيمن باقر عبدول, وهو باحث اجتماعي مختص بأضرار الأنفال, ان هذا الوضع قد دفع الناس الى النظر اليهن بتعاطف. ومع ذلك فان الأمر لا ينتهي حتى لو وجدن العمل, اذ لا توجد مراكز لرعاية أبنائهن في النهار. وتقول مهروب ان ترك أطفالها في البيت خلال النهار يشكل مشكلة كبيرة حيث لا يوجد أحد للإعتناء بهم.


ولذلك فان على صبرية أحمد مثل العديد من الأخريات ان تأخذ أكبر بناتها من المدرسة لتقوم بالإهتمام بأطفالها الصغار أثناء العمل.


ويؤمن عطوف من المنظمة البريطانية "مساعدة الشيوخ" ان الحكومة الكوردية المحلية تفتقر الى القدرة على التعامل بشكل فعال مع الأعداد الكبيرة من ضحايا الأنفال على الرغم من الخطط الموضوعة والشعارات "لن ننسى أبداً".


زفال عطوف "لهذا السبب كانت النتائج الملموسة قليلة". وبالتالي فهو بعتقد ان المجتمع الدولي وحده والمنظمات غير الحكومية لديهما المصادر الكافية لمجابهة المشاكل المعقدة والمتجذرة التي ماتزال تواجه ضحايا الأنفال.


*شاباز جمال ـ المير الاداري لصحيفة "الثقافة الحرة" الشبابية ـ السليمانية