Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

صيادو البصرة يتكهنون بمستقبل قاتم

يندبون موت مصدر رزقهم، الذي كان يعيش أوج ازدهاره في الماضي لكنه يعاني الآن خليطاً من مشاكل بيئية وصناعية
By Ali Abu Iraq
A lone boatman crosses the Karma river, a tributary of the Tigris, some 15 kilometres north of the city of Basra. For centuries, the people of Basra and surrounding communities have depended on the waterways for their livelihood. Now a range of issues - from over-fishing to environmental problems - is threatening their way of life. (Photo: Ali Abu Iraq)

علي ابو العراق – العراق (تقرير الازمة العراقية رقم. 339، 4 -حزيران-2010)

ولد محمد مشلاط، الذي قضى عمره الطويل في مهنة صيد السمك، في بيت مصنوع من القصب على ضفة نهر الكرمة قبل ان يتفرع مباشرة من شط العرب وينعطف بمسيره عبر مدينة البصرة القديمة.

مشلاط الذي يبلغ الآن من العمر 70 عاما، لا يستطيع تذكر بزوغ فجر واحد لم يره من قاربه وهو يستعد لبدء يومه بصيد السمك في متاهات النهيرات والجداول والقنوات والاهوار، التي تشكل ممرات العراق المائية الاكثر شهرة والتي تحدق بها المخاطر في الوقت الراهن.

" ولدت بالقرب من النهر، والمياه هنا بمثابة عائلتي. ولم نفترق أبدا طوال سبعة عقود تقريباً". قال مشلاط ذلك وهو يهش الذباب من على رأسه في قيظ الظهيرة.

ويعتبر مشلاط واحدا من عشرات الآلاف من صيادي محافظة البصرة، الى جانب صانعي القوارب وحائكي الشبكات وتجار الاسماك وغيرهم، الذين يرون ان مصدر رزقهم التقليدي يعاني العديد من المشاكل، من ضمنها السدود والجفاف والتلوث والتنقيب عن النفط والافراط في صيد السمك.

وقد غدت المياه المحيطة بالبصرة وخصوصاً شط العرب، الذي يتشكل من تلاقي نهري دجلة والفرات اللذين يصبان بدورهما في الخليج الفارسي، ضحية للمشاكل المائية الكثيرة في العراق، ومثالاً مأساوياً على عواقبها الاجتماعية.

ويقول مشلاط " نستمد حياتنا كلها من من الانهار. لا نتقن اية مهنة اخرى. كنا نصطاد الاسماك بوفرة، لكن الآن يتناقص السمك مع كل عام وكل فصل. لقد هجر الكثير من الناس كما وغير آخرون مهنتهم. وبالنسبة للناس هنا، فان العمل في سوق او في معمل يعتبراً عملاً غير طبيعي".

والسبب الاكثر انتشاراً لتراجع مهنة صيد الاسماك في منطقة البصرة، والذي يذكره الناس هنا، هو زيادة نسبة الملوحة التي سببها خرق بحري. ففي عام 2009 أمرت حكومة ايران بتحويل مجرى نهر الكاروان، والذي يعتبر واحداً من أهم روافد نهر دجلة. حيث تم حفر قناة وسحب المياه الى داخل الاراضي الايرانية من نقطة التقائه الطبيعية بنهر دجلة مباشرة شمالي مدينة البصرة، الشيء الذي أدى الى حرمان شط العرب من حوالي 13 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنوياً والذي كان يفيد في التخلص من المشاكل والتعقيدات البيئية الحيوية.

كما وتسبب بناء السدود في أعالي نهري دجلة والفرات في كل من تركيا وسوريا في دمار الشط العرب. وتراجعت الجهود المبذولة للتخفيف من السياسة الكارثية لنظام صدام حسين في تجفيف الاهوار، والتي كان الهدف منها معاقبة اهالي المنطقة، بسبب الطمع في حفر الآبار النفطية والنشاطات التنقيبية.

ويقول المسؤولون المحليون بان ما لايقل عن 30 الف صياد وفلاح قد اضطروا الى ترك منازلهم بحثاً عن اعمال اخرى. فيما تشير تقديرات اخرى الى ان العدد يقترب من 100 الف.

ووصف علاء البدران، رئيس المهندسيين الزراعيين وعضو لجنة اعادة احياء الاهوار، وضع القنوات المائية، والتي كانت معروفة في الماضي بفينيسيا الشرق الاوسط، بـ "الكارثة".

ويقول البدران " انخفض وجود الاسماك بشكل كبير جداً واتوقع انخفاضاً أكبر، ليس بسبب زيادة نسبة الملوحة فقط، بل هناك عوامل جديدة مثل ارتفاع نسبة التلوث والافراط في صيد الاسماك واستخدام السم في صيد، بالاضافة الى تجفيف مناطق بأكملها بهدف استخراج النفط".

وأضاف البدران " ان الكثير من الانهر الفرعية والجداول التي تحيط بالبصرة مليئة بمياه المجاري الصحية الآن بسبب ركود المياه. ياتي إلي السكان ويشتكون باستمرار من ان البيئة قد دمرت".  

ويعتقد عبدالله عياضة، العلامة في الفولكلور البصري وكاتب الاعمدة الصحفية المخضرم في جريدة "المنار" المحتجبة عن الصدور، بان التراجع في صناعة صيد الاسماك أثر عميقاً في الحالة النفسية الجمعية للسكان المحليين.

ويقول عياضة " حين قدم العرب الى البصرة في سنة 14 للهجرة (636 م) كان أول ما فعلوه هو بناء مسجد واقامة وليمة. وأول طبق قدموه كان السمك الطازج الذي كان متوفراً بكثرة في الانهر المحلية. ومن وقتها كانت الاسماك ولم تزل على موائد اهالي البصرة. وربما يعتبر السمك من أهم الاشياء بالنسبة للسكان هنا، وهو من اهم سمات المدينة الى جانب النخيل والانهار".

ويرسم عياضة خطوطاً متوازية بين انخفاض نوع موسمي من السمك معروف محلياً بـ"صبوره" وتلاشي عادات تقليدية مجتمعية. وتهاجر صبوره من البحر الى شط العرب في شهر شباط من كل عام وتظل هناك للتزاوج ووضع البيض حتى شهر تشرين الاول. واستفاد صيادون مثل مشلاط، وعبر أجيال، من مواسم الصيد الطويلة، ونظموا حياتهم حول وجود الاسماك.

ويضيف عياضة " لقد انخفض عدد الاسماك في السنوات الاخيرة بشكل مستمر. ويمضي الصيادون اياما مضنية في الانهار، ومع ذلك لا يحصلون على طعام كاف ليضعوه على موائدهم. وتم الغاء الكثير من المهرجانات الموسمية، كما ان اسعار الاسماك التي يتم صيدها مرتفعة للغاية".

وفي أقدم سوق للسمك، المعروفة بسوق البصرة والتي تم بناؤها في 1946، ارتفعت اسعار الاسماك بشكل كبير، كما وتستحوذ الاسماك غير المحلية على حصة الاسد في السوق. ووفق تقديرات البدران فان 80 بالمئة من الاسماك المعروضة للبيع في الاسواق المحلية يتم استيرادها من الخارج.

غير ان هذا الوضع لم يؤثر كثيراً على حماسة محمد فاضل،50 عاما، والذي يمتهن بيع السمك في سوق البصرة على غرار ابيه وأجداده. ويعمل فاضل مع اخوته الاربعة من الساعة الخامسة فجراً حتى منتصف الليل، ويقول " لن أغير من مهنتي أبدا".

ويضيف " كما ترى فان أهالي البصرة لا يستطيعون العيش بدون السمك. ولان هناك عددا أقل من الاسماك المحلية الآن، والاسعار في ارتفاع مستمر، فان الناس يشترون السمك من ايران ودول شرق ىسيا".

وحاول الصيادون التأقلم مع الوضع الجديد ولكن دون جدوى. فقد حاول مشلاط وعائلته الصيد في مدينة الفاو التي تقع في الزاوية الجنوبية من الجانب العراقي للخليج الفارسي. ويقول مشلاط بان الخلافات مع الصيادين المنافسين من ايران وكويت في المياه المتنازع عليها دفعته للعودة الى البصرة، والصيد في مياهها الشحيحة.

" أنظر هنا" قال مشلاط هذا وهو ينظر الى سلة من القصب فيها ثلاثة أسماك شبوط فقط " بدأنا بالصيد منذ ما قبل الفجر، وهذا كل ما أستطيع أخذه معي الى البيت".

علي ابو العراق، صحفي متدرب في معهد صحافة الحرب والسلم من البصرة.