Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

شبح الالغام وخطرها يهدد البصرة

تقرير للامم المتحدة يحذر من ان تستمر جهوز نزع الالغام لعقود قبل ان تحقق هدفها.
By IWPR Iraq
. تقول والدتها بانها اجهشت بالبكاء بينما كان الضيوف يزغردون اثناء حفل الزفاف.



تتساءل سعدية "ما فائدة امرة برجل واحدة بالنسبة للرجل!!"، حيث كانت سعدية قد تعثرت بلغم ارضي عندما كانت ترعى قطيعا من الاغنام بالقرب من الحدود الايرانية قبل 15عاما. وما زالت حتى اليوم مسكونة بذكرى رؤية اعضاءها وهي تتمزق امام ناظريها قبل ان تفقد وعيها.



تقع جرف الملح، القرية التي تقطنها سعدية، والتي تعني "ضفة الملح"، على الشاطىء الشرقي لشط العرب وهو احد المنافذ المائية في البصرة.



تمتليء المنطقة بملايين المعدات الحربية غير المتفجرة، واغلبها الغام ارضية وقنابل عنقودية ما زلت متبقية عقب انتهاء الحروب الاخيرة. حيث يعد العراق واحد من اكثر البلدان الحاوية على الالغام واقلها تقدما في اطار ازالتها.



في تقرير قدمه هذا الاسبوع، كل من برنامج الامم المتحدة للتنمية، صندوق الامم المتحدة لدعم الطفولة، اليونيسيف، بالاضافة الى وزارة البيئة العراقية، حذروا فيه انه من غير المتوقع ان تتمكن البلاد من الوفاء بالتزامها في زالة الالغام او التقليل من وجود الالغام بحلول العام 2018.



يقدر عدد الالغام في العراق بـ 20 مليون لغما ارضيا و 2.66 مليون قنبلة عنقودية تنتشر على مساحة اكثر من 1,700 كيلو مترا مربعا. حيث تم انتزاع الالغام من 20 كيلو مترا مربعا فقط من قبل المنظمات المختصة بنزع الالغام منذ ان وقع العراق معاهدة حظر الالغام مع الامم المتحدة في شباط من عام 2008.



وطبقا لتقديرات الامم المتحدة فان اكثر من 1.6 شخصا تاثروا بالالغام الارضية. كما صرحت اليونيسيف بان مليون طفل معرضين للخطر جراء ذلك.



المدير الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة للتنمية في العراق، باولو ليمبو، اشار الى الحكومة "ستسغرق عقودا من الزمان لتطهير كافة الالغام والمعدات الحربية غير المتفجرة"، طبقا لما تملكه من قابليات في الوقت الحاضر.



ووفق ما قاله علاء ماجد، مدير منظمة الرافدين لنزع الالغام، وهي منظمة عراقية غير حكومية، بان مشروع العمل لازالة الالغام قد توقف في شهر كانون الاول الماضي، بسبب النزاع الذي نشب بين وزارة الدفاع والداخلية والبيئة حول يتولى المسؤولية عن هذا المشروع.



الا ان بعض وكالات الانباء قالت بان وزارة الدفاع اوقفت العمل بعمليات نزع الالغام بسبب المخاوف من ان تباع المواد المتفجرة تلك الى المتمردين.



وتحتوي محافظة البصرة على سبعة ملايين لغم ارضي، طبقا لما قاله ماجد. حيث تمتلك منظمته ميزانية سنوية تقدر بـ 2.2 مليون دولار اميركي.



ماجد قدر حجم الالغام التي تم تطهيرها بـ"عشرة بالمائة فقط" من الالغام الارضية، بالرغم من الجهود المبذولة من قبل المنظمات غير الحكومية والدعم الممدود من قبل الامم المتحدة طوال الخمس سنوات الماضية. ويتوقع ماجد بان المنطقة لن تتمكن من التخلص من الالغام الارضية قبل حلول عام 2030.



المنطقة التي كانت شهيرة بزراعة النخيل ذات مرة، كان قربها من الحدود الكويتية والايرانية بمثابة لعنة حلت بها. معظم الاراضي الزراعية الان ملغومة. حتى مشاريع الاعمار الجديدة- مثل مشروع معالجة المياه في البصرة- متوقفة بسبب الالغام والمواد المتفجرة غير المنفلقة ايضا، طبقا لما اوردته وكالات الامم المتحدة.



رئيس الجمعية العراقية لإزالة الألغام وإحياء الأرض في قضاء شط العرب عبد المطلب عبد الدايم قدر بان 400 من اصل 2,500 من الاشخاص الذين يعيشون في المنطقة هم من ضمن ضحايا الألغام. مبينا أن معظمهم هم من النساء والاطفال.



و علق عبدالدايم، "الالغام زرعت لأول مرة خلال الحرب العراقية – الايرانية، وقد كانت مصدرا لتهديد حياة الناس منذ ذلك الحين".



معظم سكنة قضاء شط العرب هم من الرعاة بحكم التقليد. وفي العقود الأخيرة، بداوا باتخاذ طريقة مربحة الا انها مهلكة في الوقت ذاته، حيث اصبحوا خبراء بتفكيك الأسلحة القديمة و إعادة تصنيعها كخردوات معدنية.



يقول عبدالدايم "لم يكن من غير الطبيعي ان يأخذ رب العائلة صاروخا الى منزله ويفككه امام افراد عائلته... فهناك العديد من القصص المأساوية التي حدثت نتيجة لذلك".



ابو محمد، احد الرجال الذين يعيشون برجل إصطناعية، ووجه بدت عليه آثار الجدري، فهو لم يبلغ الخمسين من عمره بعد، الا انه يبدو اكبر من عمره بعشرين سنة على الأقل. ويقطن في منزل طيني صغير وسط الأزقة الضيقة المليئة بأكوام القمامة وبحيرات المياه الراكدة الملوثة.



يقول ابو محمد وهو لم ينفك عن التدخين طوال المقابلة، بانه كان يعمل على كسب لقمة عيشه من خلال التنقيب في الاماكن العسكرية المهجورة خلال فترة العقوبات الاقتصادية التي فرضت من قبل الامم المتحدة في في التسعينات. معلقا "ذلك كان العمل الوحيد المتوفر لدينا".



ويستذكر "في احد الأيام، ورغم كل الحيطة والخبرة التي امتلكها، تعثرت باحد حقول الألغام هذه، وقد ادى الانفجار الى فقداني لرجلي وبصري".



ويواصل ابو محمد "بعد سنتين، فقد ابني محمد احدى رجليه وهو ينقب في خردوات الحرب، بعدها فقد ابني الاصغر نزار كلتا رجليه بينما كان يرعى الأغنام الثلاثة المتبقية لنا من القطيع الذي يعود للايام الخوالي".



قاطعت اصوات صراخ نسائي غاضب مقابلتنا مع ابو محمد، حيث كان الصراخ ياتي من داخل منزله "ما نفع هؤلاء الناس، وهم يظهرون بكاميراتهم لكي يصورونا بينما لا نتمكن من توفير لقمة العيش؟". فأجابت الأخرى بصوت أعلى "أسكتي ايتها الحمقاء!! قد نحصل على النفع من ورائهم. لننتظر ونرى، فليس لدينا ما نخسره".



ضحك ابو محمد بينه وبين نفسه ضحكة نصف مكبوتة، ووضح بالقول "لا تنفك زوجاتي عن الشجار".



يقول اياد جري الكنعان وهو احد شيوخ المنطقة، وهو عضو في لجنة ازالة الألغام، بان حقول الالغام اصبحت مصدرا لكسب الرزق لنابشي النفايات بعد حرب الخليج الاولى في عام 1991، عندما كانت الحكومة العراقية تبتاع الخردوات المعدنية من المواطنين.



حتى ذلك الوقت كانت حقول الالغام مطوقة – بالرغم من وقوع ضحايا منذ الثمانينات.



كنعان الذي فقد احدى رجليه في انفجار لغم ارضي، قال بان طرفه الاصطناعي لم يكن متقن الصنع وبأنه لا يستطيع المشي بصورة صحيحة. يتوقع ان يمتد انتظاره لمدة سنة قبل ان يتمكن من استبدال طرفه.



وكان قد أسس مركز الأطراف الإصطناعية في البصرة في عام 1995 لتقديم المساعدة لضحايا الالغام. ويعد هذا المركز الوحيد من نوعه في جنوب العراق حيث يوجد نحو 600 شخص على لائحة الانتظار.



مدير المركز، الدكتور كمال يعقوب، يقول بان المركز غير مجهز لتلبية الإحتياجات. ويشير بأن المركز "ينتج 50-60 طرفا اصطناعيا في الشهر الواحد كمعدل متوسط ويستطيع تقديم نفس العدد للاشخاص المعاقين، حيث يشكل 70% منهم ضحايا الألغام".



وقد ساعد المركز ايضا ضحايا الالغام من خلال تقديم مشاريع مالية صغيرة لهم، لتمكنيهم من استثمار مشاريع صغيرة وتربية الدواجن. كما تتوفر مكائن الخياطة للنساء المعاقات.



استعدت سعاد لتبدأ مشروع خياطة في المنزل بعد حصولها على مبلغ مالي من قبل المركز، لكنها علقت قائلة "لقد كانت العائلة في حاجة دائمة ولم يمر وقت طويل حتى كانت النقود قد نفذت".



علي ابو عراق أحد متدربي معهد صحافة الحرب والسلام في البصرة