Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

ذكريات صدام

عراقي منفي يتذكر طفولته في العراق، والخوف الذي لحق بعائلته ما بعد حدود الدولة.
By IWPR Iraq

ذكريات طفولتي المبكرة هي عبارة عن صور لصدام القائد العظيم، الأب، منتصر العالم العربي تزين كل جدران منزلنا. أخبرني والدي قصص عن عظامة صدام، أخبروني حقيقة صدام فقط عندما كنا آلاف الأميال و بعد سنين عدة، من العراق.


عندما رأيت تمثال صدام حسين يسقط في وسط بغداد، على شاشة التلفزيون في بريطانيا، بكيت.


أبلغ من العمر اليوم 25 عاماً، وقد سلبت الحق في العيش في بلدي لمدة 22 عاماً. العراق هي هوس بالنسبة لي أتنفس هوائها كأنني لم أغادرها.


أخبرتني أمي قصص كيف قبل أن يصبح صدام رئيساً كان يزور حيها محاطاً بالحرس. كان يختلط بالشعب كان يسأل عن أخبارهم وعن احتياجاتهم. كان يحاول إظهار صورة "رجل الشعب" عراقي يهتم بأخوته العراقيين، كانت أمي تقف مع إخواتها في الشارع يرتدين العبائات محاولات لمح صدام، لم يعرف أي أحد كيف كان شكله حينها.


وفي يوم من الأيام قام صدام بزيارة مفاجئة لحضانتي وأجلسني على ركبتيه وأعطاني هدية وسألني إن كنت أحبه، قلت:" بالطبع، أنا أحبك. أنت القائد العظيم". وسألني: ماذا يقول أهلي عنه فأجبت: "أنهم يحبونك أيضاً. يوجد لدينا صورك في جميع أنحاء المنزل، ويمدحونك كلما شاهدوك على التلفزيون".


بعدها كان دور صديقي، عندما سأله صدام "ماذا يفعل أهلك عندما يشاهدونني على التلفزيون قال صديقي "بيصق والدي عليها". لم أشاهد صديقي بعدها، إختفى اليوم الثاني هو وكل عائلته.


لا يستطيع أي أحد انتقاد أي شيء في العراق. ولا حتى البيض، والدي يتذكر بأنه كان في حينها في بغداد أحد أعضاء قوات الأمن الذي كان يمتحنه كلما شاهده ليتأكد إن كان مع النظام، فكلما قام والدي بشراء بعض الحاجيات. كان يسأله جارنا:" هل الخضار طازجة في السوق؟ هل البيض جيد ؟ والدي كان يجيب " كل شيء ممتاز، الشكر لصدام، قول أي شيء آخر كان سيؤدي إلى مقر المخابرات المريعة، الشرطة السرية.


في عام 1980 بدأ صدام حربه مع إيران وتم إرسال والدي إلى الجزائر لهدف التعليم، زينت صور صدام منزلنا في الجزائر كما كانت في بغداد، سكنت بعض العائلات العراقية بالقرب منا بحجة التعليم، اليوم يخبرني أهلي بأنهم كانوا أعضاء في المخابرات، أرسلوا لمراقبتنا.


عندما انتهى عقد والدي لم نرجع إلى العراق، هذه كانت بمثابة جريمة عقابها الموت وحتى لا يتنبأ النظام بحقيقة نوايانا، تركنا العراق آخذين معنا حاجاتنا الأساسية، لذلك لم يأخذ أهلي معهم صورة لزفافهم، تركوها فوق الموقد في بيتنا في بغداد، لا أملك أي صورة حتى سن الثالثة، لا يوجد أي شيء من حياتي في العراق.


عندما وصلنا إلى بريطانيا كان على والدي أن يبدأ حياته من الصفر على سن الـ40، يوماً كان أستاذاً محترماً، اليوم يعمل في "مغسلة"، سائق سيارة أجرة، عامل بناء، سائق توصيل، والدتي والتي ترعرعت ولديها حاضنة، سائق وطباخ و كان لديهم حديقة منزل كبيرة كانت تضيع فيها وهي صغيرة، اليوم تعيش مع أبسط الاحتياجات الأساسية، ولكننا محظوظون: لدينا الحرية، لم نعش في خوف بإمكان أختي أن تمشي في الشارع بدون المخاطرة بأن تقوم الشرطة السرية بأخذها واغتصابها.


أعلم بأن قوات التحالف تتبع مصالحها الخاصة في العراق، أعلم بأن إزالة صدام هي واحدة فقط من الأشياء المطروحة على أجندتها، أعلم بأن الشرق والغرب ساعدا صدام على تطوير أسلحة الدمار الشامل. أعلم بأنه لا توجد أي دولة تكترث للشعب العراقي: استراليا تجلس مكتوفة الأيدي وتشاهد – طالبي اللجوء العراقيين وهم يغرقون في أعماق المحيط، ويتم احتجازهم كالحيوانات في أقفاص، ولكني شعرت بالقرف من ردة الفعل العربية على الحرب، مشاهدة أناس في الأردن مؤيدين لصدام يسمون أبنائهم باسم صدام، ويقدمون الحرب وكأنها حرب صليبية بين المسلمين والكفار .


بإمكانك أن تعارض الحرب، فذلك من حقك، ولكن أن تدعم واحد من أكثر الديكتاتوريين وحشية الذين شهدهم العالم يفوق كل التصورات، بعملك هذا، فأنت تدعم الشخص الذي قتل حوالي مليون عراقي، سمم وقتل بالغازات شعبه، جفف المستنقعات، دمر تاريخ وتراث العراق وجعل شعبه يعاني تحت العقوبات بينما استمر ببناء القصور والنصب التذكارية. صدام يصبح متديناً أمام عدسات الكاميرا، ولكن يوجد على يديه دم إسلامي كثير. عام 1991 قصف المقامات المقدسة في كربلاء والنجف والتي احتمى فيها مدنيون، بعد انتفاضة 1991، قتل نصف مليون شخص خلال أسبوعين لم يتحدث أي شخص عن ذلك، لم تكن هناك مظاهرات. العرب كانوا صامتين.


يقع الثقل – الآن على قوات التحالف، على بوش وبلير،الحفاظ على وعودهم. يجب أن يحترموا الأمة بإعطاء العراق الديمقراطية، يجب عليهم إعادة بناء العراق وإعادة القانون والنظام، يجب أن يحصل الشعب العراقي على الديمقراطية الحقيقية – وليس نظام دمى . السيد بوش، السيد بلير أتوسل إلكم أرجوكم أن تحافظوا على عهودكم .


رائد جواد طالب ديكتوراة في جامعة كامبردج.