Institute for War and Peace Reporting | Giving Voice, Driving Change

دعوة السودان لليقظة

بقلم بيتر ايسشستيدت في لاهاي
By IWPR ICC
"حركة العدالة والمساواة" مجموعة المتمردين الرئيسية في دارفور، حيث باشرت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي هجوماً على أم درمان والخرطوم عاصمة السودان.



وكنتيجة لذلك تغيرت الديناميكيات في دارفور والسودان.



إذ أن قدرة المتمردين على التقدم نحو 600 كيلومتراً من الغرب إلى الشرق عبر الصحراء المفتوحة في السودان لا تثير الكثير من الضجة ولانسمع الأخبار عنها في داخل أو خارج السودان، بينما يجري الحديث في مجلدات عن هجوم يشن على العاصمة الوطنية.



وردت الحكومة السودانية بالقول: إنه تم الرد على المتمردين وقد فروا هاربين كما تجري مطاردة من تبقى منهم.



إلا أن لدى عبد الله عثمان التوم ـ رئيس التخطيط الاستراتيجي لحركة العدل والمساواة ـ وجهة نظر مختلفة حيث أخبر معهد صحافة الحرب والسلم بأن المتمردين قد انسحبو.



وقد وصف التوم هذا الهجوم بالناجح وقال إن حكومة السودان في مأزق.



معبراً عن ذلك بقوله: "لقد أبلغنا الحكومة بأن لدينا القدرة على الضرب في قلب البلد وليس فقط على القتال في صحارى دارفور" وأضاف "وإلا فإن الحكومة ستواصل في قصف دارفور."



ونظراً للقوة العسكرية الكبيرة في السودان والتي يقال بإنها تبلغ مائة ألف جندي وسلاح الجو و قاذفات القنابل الروسية الصنع التي استخدمت على نطاق واسع ضد المدنيين في دارفور وقوات المرتزقه من مقاتلي الجنجويد، لابد من التساؤل أين الخطأ؟



لقد كانت التقارير عن القتال ناقصة ولا نتقل الحقيقة حيث يدعي البعض أنه تم قتل ستين متمرداً على الأقل كما تزعم وكالة الأنباء السودانية الرسمية بأنه تم اعتقال ثلاثمائة متمرداً وتم الاستيلاء على ستين إلى سبعين مركبة دُمِّر بعضها.



وقد بث التلفزيون الرسمي في السودان صور الجثث والدماء والسيارات المحروقة في الشوارع، فضلاً عن صورالمتمردين الأسرى وبدا اثنان منهم وقد تعرّضا للضرب المبرح.



واتهمت السودان التشاد بدعم المتمردين وقطعت العلاقات الدبلوماسية معه، أما التشاد قد نفى من جهته أي تورط له في الهجوم.



وقد نفى الـتوم أن المتمردين قد حصلوا على أي دعم من تشاد قائلاً: "التشاديون غير قادرين على حماية أنفسهم".



وأوضح أن المعدات التي استخدمت في الهجوم الذي شنه المتمردون تم الاستيلاء عليها من الجيش السوداني "لقد أخذنا الأسلحة والمعدات من السودان" ثم أضاف "ليس هناك نقص في الأسلحة أو في المركبات إذ تأخذها من السودان. "



وقال التوم إن المتمردين يتمتعون بدعم واسع النطاق في أوساط عامة الشعب والقوات المسلحة، فخلال مواجهات مع الجيش السوداني قام الجنود " برمي أسلحتهم و[ترك] السيارات والجري في الاتجاه المعاكس."



إن هزيمة حركة العدل والمساواة أمام حكومة السودان لا تعادل في الأهمية الضعف الكبير والأساسي الذي تعاني منه حكومة السودان والذي ظهر جلياً رغم أنها كانت تعمل خلف غطاء شكلي تدعي فيه السيطرة الكاملة على الوضع.



ففي شهر شباط الماضي ـ ليس منذ وقت طويل ـ قاد المتمردون قوة ضخمة مماثلة عبر الأراضي الصحراوية في تشاد لمهاجمة العاصمة نجامينا وكانوا على وشك إسقاط الرئيس إدريس ديبي الذي سارع بدوره إلى اتهام السودان بدعم معارضيه.



ومن المفارقات أن جيش ديبي المتمرد نفسه ـ الذي تولى حكم تشاد منذ عقدين من الزمان تقريباً ـ كان هو نفسه يحظى بدعم السودان، ولابد من الإشارة إلى أن مثل هذه الهجمات والهجمات المضادة والاتهامات والاتهامات المضادة ليست جديدة.



وينبغي على السودان أن يفكر بشكل جدي.



لسنوات عديدة الآن والسودان يلعب فعلياً لعبة غير نظيفة وشرسة مع الأمم المتحدة وقواتها المكلفة "بحفظ" السلام في دارفور ـ هذا السلام الذي لا وجود له وربما لن يكون له وجود على الإطلاق.



وإن مقاومة السودان للتدخل الدولي في دارفور كانت قائمة على أساس مركزها القوي الذي يبدو مصاباً بضعف واضح حالياً.



وكما كان عليه الحال في الماضي فإن موقف المجتمع الدولي غير الحاسم في التعامل مع السودان لم يؤد إلا إلى ترسيخ موقف الخرطوم.



فعلى سبيل المثال أعلنت الأمم المتحدة أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً في دارفور قبل أن تضمن عقد اتفاق مع السودان يحدد متى وأين وكيف سيكون سيرعمل القوة التابعة للأمم المتحدة.



وبالطبع وضع السودان حواجز الطرق في كل منعطف، ولكن هل سيستطيع احتمال الاستمرار في إحباط وإغضاب العالم وقوات بعثة الأمم المتحدة في دارفور ـ UNIMEDـ؟



وماذا عن لوائح الاتهام التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بحق متهمَين لأنهما كانا حجر الأساس فيما أطلقت عليه الولايات المتحدة اسم الإبادة الجماعية في دارفور؟



إن هجوم حركة العدل والمساواة على الخرطوم هو بمثابة فرصة أمام الرئيس السوداني عمر البشير لإعادة النظر في علاقته مع المجتمع الدولي ومعارضته لمحكمة العالم.



إذ حتى الآن كان الرئيس البشير قد تجنب الرأي العام العالمي حول لوائح الاتهام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ولايزال ـ بعد مرور سنة كاملة على إصدار المحكمة لأوامر الاعتقال ـ كل من أحمد هارون وهو الآن وزير الدولة للشؤون الإنسانية وزعيم الجنجويد علي كوشيب حرين طليقين في السودان.



لقد تشرد مليوني شخص على الأقل بسبب القتال في دارفور وقُتل أو مات ما يقدر بنحو 200000 شخصاً، ويعيش معظم المشردين في مخيمات اللاجئين في تشاد.



إلا أن البشير بإمكانه أن يغير كل ذلك عن طريق اتخاذ الإجراءات اللازمة لاعتقال وتسليم هؤلاء المشتبه بهم إلى المحكمة الجنائية الدولية .



ومن المفارقات أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو يقوم هذا الأسبوع بزيارة إلى مصر والمملكة العربية السعودية، في محاولة منه لإقناع هذين البلدين بما يملكان من نفوذ في المنطقة بممارسة الضغط على البشير للتعاون مع المحكمة.



فإذا رغب البشير لن يكون ذلك حركة سياسية محنكة منه وحسب بل خطة استراتيجية محنكة أيضاً، هذا وتشير حركة العدالة والمساواة وغيرها من الجماعات المتمردة إن القتال لا يزال بعيداً عن نهايته على الرغم من أن السودان يدعي عودة السلام.



حيث صرح مسؤول في حركة العدل و المساواة أمام وكالة الأنباء الرسمية بقوله: "نحن في أم درمان ونحن في الخرطوم وفي الشمال ولن ينتهي كل ذلك في غضون ساعات قليلة" وأضاف مؤكداً "هناك خلل وعدم توازن في السلطة والثروة، وعلينا حل هذه المسألة".



ينبغي أن يخرج القتال الدائر في السودان عن نطاق السيطرة، الأمرالذي قد يعرض البشير فجأة لموقف تكون حكومته فيه بحاجة إلى مساعدة قوات UNIMED التي يبلغ عددها 9000 تقريباً والمتواجدة الآن في السودان.



إن القرار الآن هو بالطبع بيد البشير، وقد يترتب على هذا القرار مستقبل السودان وحتى مستقبله الشخصي.



بيتر ايسشستيدت محرر عن إفريقيا، معهد صحافة الحرب والسلم في لاهاي.



الآراء التى تم الإعراب عنها في هذه المادة ليست بالضرورة آراء المعهد.